بلاد التناقضات../ألوف بن

بلاد التناقضات../ألوف بن

كتب ألوف بن في صحيفة "هآرتس":

التناقض الأول: كان موقف العرب التقليدي في الخلاف على الأراضي التي احتلت عام 67، أنه لا حاجة لمفاوضات أو حوار أو اعتراف دبلوماسي. فقد طالبوا بانسحاب إسرائيل من سيناء وهضبة الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة - وبذلك يتم تطبيق القرار 242 بشكل تلقائي، وهكذا ينتهي الأمر. وكانت إسرائيل هي من أراد المصافحات وصور مشتركة ورفرفة أعلام مقابل المناطق التي تخليها. وهكذا ولدت معادلة "أراض مقابل السلام "، وجاء أنور السادات إلى القدس وحصل على سيناء، أما حافظ الأسد فقد رفض المجيء وبقي بدون الجولان..

أما الآن فقد انقلبت الأمور. إسرائيل تريد الانسحاب من غالبية الضفة الغربية وتطبيق قرار 242، الذي نادى (بنصه الانكليزي) " للانسحاب من مناطق". ولا يطلب إيهود أولمرت من العرب شيئاً مقابل السلاسل الجبلية؛ لا سلام ولا رسائل محبة ولا مؤتمرات قمة. ولكن العرب غير موافقين، فهم من يشترط الآن الانسحاب من المناطق بمفاوضات وبصور مشتركة. وتكفي رؤية توسلات محمود عباس للقاء أولمرت، وجهود الرئيس حسني مبارك والملك عبد الله لاستضافة مثل هذا اللقاء... غريب.. أليس كذلك؟

التناقض الثاني: عُرض الاحتلال الإسرائيلي وإقامة عشرات المستوطنات في الضفة، طوال عشرات السنين كعثرة أمام السلام وكتهديد خطير على أمن المنطقة، إذا لم يكن على أمن العالم كله. وكافح أجيال من الدبلوماسيين والنشطاء السياسيين والمفكرين من أجل إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات، واعتبروا الإرهاب الفلسطيني حرب تحرير ضد مصادرة الأراضي والحواجز والإذلال. ووقف تحالف الدول العربية ودول عدم الإنحياز ودول الاتحاد الأوروبي كجدار دولي بشكل صد محاولات إسرائيل شرعنة سيطرتها واستيطانها في المناطق تحت تبريرات تاريخية وقضائية.

أثمر الضغط واقتنعت إسرائيل. فهي تريد الآن الانسحاب من 90% من الضفة وإخلاء 70 ألف مستوطن، بعد أن أثبتت جديتها في فك الارتباط عن غزة. وماذا يفعل الفلسطينيون ومؤيدوهم في العالم؟ يقولون لأولمرت : لا.. لا تتحرك.. ابق في "إيتمار" وفي "ألون موريه" و"بساغوت" حتى نسمح لك بالخروج، وحتى محمد دحلان يهدد بالحرب في حال نفذت خطة "التجميع". فما الذي يحدث هنا؟ ففي اللحظة التي أدركت فيها إسرائيل أن المناطق والمستوطنات هي عبء وليست ملكاً.. فهل لم يعد الفلسطينيون أيضاً يريدونها؟

التناقض الثالث: كان اليسار الإسرائيلي يعظ دوماً بالخروج من عقلية الاحتلال والتعامل مع الفلسطينيين كبشر يستحقون الاحترام، وليس كمواطنين وضيعين. ولكن ذلك كان عندما اختار الفلسطينيون قيادة "فتح" على رأسهم. ولكن حينما انتخب الفلسطينيون"حماس" في عملية ديمقراطية سليمة ومنطقية، انقلب التوجه، إذ يصر اليسار الآن على التدخل في الشؤون الداخلية للفلسطينيين وعمل كل ما يمكن من أجل سيطرة عباس على السلطة مرة أخرى، فكيف يمكن أن ينتخب الفلسطينيون من يريدونه هم وليس من يريده اليسار الإسرائيلي؟ يؤيد اليسار تفكيك المستوطنات فقط إذا كان ذلك يساهم في تقوية عباس " كشريك للحل الدائم"، وإذا ظل عباس ضعيفا، فمن المفضل تخليد "حومش" و"هار براخا"، حتى تعود فتح للحكم على الأقل.

والواقع.. في الواقع يجب تحديد أفضليات. فإذا أرادت إسرائيل ترسيم حدود جديدة وإعادة المستوطنين إليها، يجب أن تقوم بذلك بنفسها. لأن اشتراط "التجميع" بالموافقة الفلسطينية، بينما السلطة ممزقة بالصراعات الداخلية، من شأنه أن يؤدي فقط إلى عرقلة الإنسحاب. وحتى الأوهام بأنه من الممكن مقايضة "يتسهار" و"إيتمار" بعودة فتح إلى السلطة، هي سخيفة وخطيرة.

يجب التركيز على الأساس وأن ندرك أنه لا يوجد تناقض هنا، ففي الظروف الحالية، سيكون الموقف العربي على العكس من الموقف الإسرائيلي، وليس مهما بأي اتجاه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018