قرار الحرب وتغير الأهداف والإخفاقات../ كتب: هاشم حمدان

قرار الحرب وتغير الأهداف والإخفاقات../ كتب: هاشم حمدان

الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها القوات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، يوم أمس الأربعاء، من جهة، والمجزرة التي نفذتها قوات الإحتلال في قطاع غزة (التي تتلقى غضب الجيش الإسرائيلي على حزب الله، بحسب زئيف شيف)، من شأنها أن تعزز النقاش الذي بدأ يرتفع بصوت عال مؤخراً في إسرائيل حول التسرع في اتخاذ القرار بشن الحرب، ولاحقاً تكتيك الحرب من جهة مواصلة تدمير لبنان بالغارات الجوية والقرار بإدخال قوات برية إلى لبنان، وأهداف الحرب التي وصفت بأنها ضبابية ومتغيرة من يوم إلى يوم، ومدى النجاح في تحقيق هذه الأهداف إزاء صمود مقاتلي المقاومة اللبنانية، وإخفاقات الجيش الإسرائيلي التي يتناولها الشارع بدءاً بعمليتي أسر الجنود الثلاثة وقصف البارجة الحربية قبالة شواطئ بيروت وتحطم ثلاثة مروحيات وطائرة "اف 16" وارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين وعجز الجيش عن حماية الجبهة الداخلية، حيفا والشمال، من تواصل سقوط الصواريخ، بعد أسبوعين من الحرب.




وأشار عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" إلى أن موشي آرنس، الذي أشغل منصب وزير الأمن لثلاث فترات أثناء سيطرة جيش الإحتلال على جنوب لبنان، يعتقد أن الحرب الحالية تدار بصورة سيئة. ويحذر من عواقب عدم تحقيق الأهداف، في حال لم يحصل أي تحول في إدارة الحرب وبشكل سريع. ويطرح التساؤل حول قدرة الجيش، بعد أسبوعين من الحرب، على وقف تعرض الشمال لقصف الصواريخ بشكل متواصل.

وتحت عنوان "هل فشل الجيش"، يشير هرئيل إلى أن ضباط المنطقة الشمالية كانوا قد حذروا بأن الوضع الأمني على طول الحدود أصبح لا يطاق ويحمل "بذور الاختطاف القادم". وتجاهلت الحكومة هذه التحذيرات. وفي المقابل يشير إلى أن الجيش لم يتحدث باللهجة نفسها بهذا الشأن، حيث قال بعض كبار الضباط في الإستخبارات والوحدات العملياتية أن تهديد الصواريخ هو غير حقيقي، وأن أفضل علاج لها هو تركها تصدأ في المخازن!

ويضيف أنه على مستوى الحقائق، يتجلى النقص في المعلومات الإستخبارية حيث تظهر عدة أخطاء خطيرة، من بينها النقص في المعلومات بشأن وصول صواريخ إيرانية إلى حزب الله، تلك التي أتاحت قصف البارجة الحربية قبالة شواطئ بيروت، كما أن قوات الجيش الإسرائيلي التي تعمل مقابل مواقع لحزب الله فوجئت من حجم المنظومة الدفاعية والهجومية التي قام ببنائها بالقرب من الحدود.

وفي المقابل تدعي الإستخبارات العسكرية أنه تم تحويل معلومات واسعة بهذا الشأن إلى الجيش إلا أنه لم يتم نقل هذه المعلومات إلى الوحدات العاملة ميدانياً، بحيث بدا بعض القادة مذهولين مما شاهدوه في مارون الرأس وبنت جبيل!!

كما يجري نقاش واسع في أوساط عامة حول ما أسماه "الإخفاقات المتسلسلة"، والتي تتناول سلسلة من الإخفاقات تبدأ بعلمية الاختطاف نفسها، ثم قصف البارجة الحربية، وتحطم المروحيات الثلاث في "اصطدام جوي وبنيران جنود الجيش نفسه"، ومقتل 5 من جنود وحدة "أغوز" وتدمير عدد من دبابات "المركفاة".

وفي السياق ذاته لا يغفل الكاتب الإشارة إلى أن الحروب التي يخوضها الجيش، حتى تلك التي تعتبر ناجحة، أنها لا تخلو من عشرات القتلى بنيران الجيش. إلا أن الفارق هنا أن كل شيء يجري تحت متابعة إعلامية فورية وبشكل متواصل وبدون التحفظات التي كان تسكت أيام الحرب في الماضي.

وبرأي الكاتب لا يمكن تجاهل هذه الإخفاقات المتتالية، لأنها تأتي على خلفية، وفي سياق أن الحرب لم تبدأ كخطوة إسرائيلية مخططة، فقد اندلعت عندما كان الجيش منشغلاً في المواجهات مع عناصر فتح وحماس، والتي تختلف كثيراً عن المعركة مع مقاتلي حزب الله.

وفي تناوله لصورة المعركة، يقول إن النتيجة السائدة، بسبب الإخفاقات، هو أن حزب الله يذل الجيش وينتصر عليه، على الرغم من الفارق الكبير بين الجيش النظامي بكامل عتاده وبين مجموعة تقاتل بطريقة حرب عصابات.

ويطرح السؤال حول إذا ما كان الجيش يدفع بقوات كافية لتحقيق أهدافه، أم أنه يكتفي بالتوغلات المحدودة على القرى في الجنوب لإبعاد حزب الله من هناك، بعد أن تبين محدودية سلاح الطيران.

وفي أجابة على السؤال " إلى أين؟"، يقول إن عدداً من قيادة هيئة الأركان العامة للجيش إعترفت يوم أمس، أن نصر الله بإمكانه مواصلة إطلاق الصواريخ أياماً طويلة. بل إن بعضهم ذهب إلى الحديث، هذا الأسبوع، إلى الحاجة إلى خطوات سياسية مكثفة، ترافق عمليات القوات البرية وتتيح إنهائها بسرعة، قبل الدخول إلى القرى وتجنب وقوع إصابات كبيرة.

وعلاوة على ذلك، فإن بعض الخبراء نصحوا الأجهزة الأمنية بتقليص الأهداف المعلنة للحرب! وفي هذه الحالة يبقى أمام إسرائيل مشكلتان أساسيتان؛ الأولى تقوية الحكومة اللبنانية من خلال توجيه ضربة قوية لحزب الله، الهدف الذي لم ينجز، أما الثانية فهي التوصل إلى تسوية سياسية تمنع إيران من إعادة تسليح حزب الله بعد انتهاء الحرب استعداداً لمواجهات قادمة.

وهنا يبرز التناقض الذي يشير إليه ميرون بنبنشتي حيث يتساءل "كيف يمكن لأناس جديين شرعنة تدمير دولة بادعاء أن ذلك يساعد حكومتها". ويتابع أنه من المعروف سلفاً أن تدمير المطار الدولي في بيروت وقصف محطات الطاقة والجسور والشوارع الرئيسية ومحو أحياء سكانية بأكملها، لن يحقق الأهداف المعلنة للحملة!




وتحت عنوان" كيف تم اتخاذ القرارات"، كتب ألوف بن أن القرار بالخروج إلى عملية عسكرية واسعة في لبنان رداً على اختطاف الجنود بالقرب من "زرعيت" في الثاني عشر من تموز/يوليو، تم اتخاذه بسرعة قياسية!!

فقد قرر رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، فوراً اللجوء إلى الرد العسكري العنيف، وفي مساء اليوم نفسه، قدم للحكومة خطة لتنفيذ هجوم جوي على منصات إطلاق الصورايخ التابعة لحزب الله، وعلى رموز الحكومة اللبنانية، وعلى رأسها ميناء بيروت الدولي. وتم إبلاغ الوزراء أن حيفا ستكون معرضة للقصف في المقابل، وأن الحملة العسكرية لن تكون قصيرة.

وصادقت الحكومة بالإجماع على الخطة. أما أسئلة شمعون بيرس بشأن المرحلة الثانية والثالثة والرابعة، فبقيت بدون إجابة جدية. وفي اليوم الرابع تمت المصادقة على قصف مقر حزب الله في جنوب بيروت، وقصف بيت زعيمه حسن نصر الله، ما يعنى مواصلة التصعيد.

وكان القرار الاستراتيجي، والذي لم يعرض كما يجب على الجمهور، هو إدخال القوات البرية إلى جنوب لبنان بهدف تدمير المواقع الأمامية لحزب الله. وذلك بعد أن كان الإنطباع الذي خلقته الحكومة والجيش في الأيام الأولى هو أن الحديث عن عملية جوية، وليس "عودة إلى الوحل اللبناني"، ولكن عندما تبين أن الغارات الجوية لم تكن كافية، توسعت العمليات البرية تدريجياً.

ومن جهته فإن مكتب رئيس الحكومة يدعي أنه كان هناك حاجة إلى العمل بسرعة وبشكل حاسم في الظروف التي نشأت، ولم يكن هناك أية إمكانية لتأجيل العملية. وكانت كلمات أولمرت في اليوم الذي وقعت فيه العملية تعكس الضائقة التي وقعت فيها الحكومة بعد أسبوعين ونصف من وقوع غلعاد شاليط في الأسر ودخول الجيش إلى قطاع غزة، والذي لم يحقق شيئاً.

وكانت أهداف القرار السريع الذي اتخذه أولمرت من الحملة العسكرية ضبابية، وبدأت تتغير خلال سير المعارك. وتبين في هذه الأثناء أن كسر قوة حزب الله غير ممكنة، في حين اكتفى بعض قادة الجيش في الأيام الأولى بالإعلان عن أهداف لا يمكن قياس مدى تحققها وهي "إضعاف حزب الله"!!

وبعد عدة أيام تمت بلورة غطاء سياسي جديد للحملة. وبحسب الصيغة المحتلنة للأهداف فإن الحملة العسكرية الإسرائيلية هي فقط المقدمة لخطوة سياسية دولية لفرض قرار مجلس الأمن 1559، والتي تدعو إلى نزع أسلحة حزب الله ونشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب. وأعلنت إسرائيل أنها ستقيم "منطقة فاصلة- حزام أمني" في الجهة اللبنانية من الحدود لمنع عودة حزب الله إليه. وهذه الصيغة الجديدة ألقت المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي.

ومن هنا فإن موافقة إسرائيل على نشر قوات دولية كبيرة خلف الحدود، من أجل المساهمة في انتشار جيش لبنان في الجنوب ومنع عودة حزب الله إلى السياج الحدودي، تعنى أن النتيجة المطلوبة من الحملة هو إبعاد حزب الله عن الحدود لمنع وقوع عمليات. وبذلك تكون إسرائيل قد تنازلت عن مطالبها الأولى بشأن نزع أسلحة حزب الله وفرض المراقبة على الحدود اللبنانية السورية لمنع نقل أسلحة لحزب الله في المستقبل.

"وبينما تدعي مصادر سياسية أن الضربات التي أنزلها أولمرت على حزب الله أدت إلى تعزيز الردع الإسرائيلي في الشمال، وكذلك مقابل الفلسطينيين، على اعتبار أن تحدي إسرائيل سيواجه بقوة، مقابل ذلك، لا يزال الفشل الإسرائيلي ماثلاً في عدم المقدرة على هزم منظمة مؤلفة من بضعة آلاف من المقاتلين لا تزال تمطر حيفا والبلدات الشمالية بعشرات الصواريخ يومياً. لذلك فإن ميزان الردع سيتضح في نهاية الحرب، وعندها فقط سيتبين إذا ما كانت سياسة ضبط النفس أفضل من تفعيل القوة"!

" نجحت إسرائيل في عرض المواجهات على الحدود الشمالية كاختبار لـ"نظرية الحدود"، فطوال سنوات طالب المجتمع الدولي إسرائيل بترتيب حدودها والتوقف عن الإحتلال. وتعرضت للهجوم بالذات من الحدود المعترف بها مع لبنان. وفي هذه الحالة فمن الصعب إقناع إسرائيل بالانسحاب من مناطق أخرى، وقد قبل العالم الرواية الإسرائيلية ووافق على تأجيل وقف إطلاق النار حتى تتم تسوية سياسية أوسع في جنوب لبنان.
ومع منح الولايات المتحدة لإسرائيل "حبلاً" طويلاً من الزمن لاستكمال المهمة في لبنان، يبقى السؤال: هل تعلق إسرائيل نفسها بـ"الحبل" الأمريكي، وتنجر لعمليات برية واسعة مع وقوع خسائر كبيرة، بدلاً من الإعلان عن استكمال الحملة وانتظار التسوية السياسية؟ خاصة مع ملاحظة تبدل في موقف الإعلام العالمي لغير صالح إسرائيل من جهة استخدام القوة، وتركز في الدمار الذي ألحقته بلبنان".


ويتساءل بن في نهاية مقاله حول ما تبقى من خطة التجميع، حيث يبقى السؤال أمام أولمرت بعد الحرب، هل وضعت الحرب في لبنان وغزة نهاية لخطة التجميع في الضفة الغربية. وبالنظر إلى اختطاف الجنود وإطلاق الصواريخ من منطقتين أخلتهما إسرائيل بشكل أحادي الجانب، فإن ذلك يثير شكوكاً كثيرة بشأن قدرة الحكومة على ضمان الأمن في الضفة الغربية الأقرب إلى المراكز السكانية.

ومن جهته يحاول أولمرت أن يؤكد أن خطة التجميع لم تمت، وأن الرد العنيف في الشمال وفي قطاع غزة سيكون سابقة مهمة بالنسبة للضفة الغربية. وأنه بالإمكان، بعد الإنتصار على حماس وحزب الله إخلاء المستوطنين إلى ما وراء الجدار.

ويقول بن إن السياسة "الأحادية الجانب" قد تلقت ضربة قاصمة، ففي غياب شريك فلسطيني جدي، فإن التجميع ستسقط، حالياً، من جدول الأعمال. وسيتطلب الأمر من أولمرت صياغة خطة جديدة، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الإعتراف الدولي بالحدود سوف يلزمه بإخلاء الجيش أيضاً وليس المستوطنين فقط من الضفة الغربية، والتعرض إلى المخاطر الأمنية. وفي المقابل فإن إبقاء الجيش في بعض أجزاء الضفة الغربية، الأمر الضروري للأمن، لن يجلب الإعتراف الدولي بالحدود. كل ذلك يعنى أنه سيتم تأجيل "التجميع" حتى يتم التوصل إلى "نموذج" أمني آخر معقول.




وكتب زئيف شيف تحت عنوان "هل تم تحقيق الأهداف"، أنه بعد بدء الحرب وضعت الحكومة والجيش سلسلة أهداف. وخلال أيام الحرب بدأت ترد تصريحات لقادة وضباط كبار والتي خلقت انطباعاً بأن أهداف إسرائيل من الحرب تتغير وأنها ليست واضحة بما فيه الكفاية. وبعد أسبوعين من الحرب من الممكن القول بأن إسرائيل لا تزال بعيدة عن الحسم في المعركة، في حين لم يتم إنجاز الأهداف الرئيسية.

ويخلص شيف إلى عدد من الإستنتاجات في هذه المرحلة من بينها أن حرب "الاستنزاف" التي يشنها حزب الله على إسرائيل تتواصل بدون توقف، ولا يوجد أي إشارة لحصول انخفاض في الهجمات الصاروخية على إسرائيل. وإذا واصل حزب الله إمطار إسرائيل بـ 80-100 صاروخ يومياً، فإن ذلك يعني أنه لم يحصل أي تراجع عن حرب الاستنزاف.

كما يقول أنه بالرغم من الضربات الشديدة الجوية والبرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي، لم تتعرض قدراته العسكرية لضربة جوهرية، ولا تزال الرغبة بمواصلة القتال موجودة، ومقاتلو حزب الله يقاتلون ولا يهربون. لم يتم إصابة غالبية قيادة حزب الله، كما لم تتم إصابة المنظومة اللوجستية والإقتصادية، حيث لا يزال لديه مخزون كبير من الصواريخ بضمنها صواريخ بعيدة المدى، في حين يواصل السوريون والإيرانيون تقديم الدعم لحزب الله عبر الحدود، رغم الحصار البري والجوي والبحري على لبنان لمنع تهريب الصواريخ والأسلحة إلا أن ذلك ليس كافياً.

ويتابع أن العمليات الجوية ليست كافية لوضع حد لإطلاق الصواريخ، فحزب الله تعلم من الماضي ومن فشل إسرائيل في وقف إطلاق صواريخ القسام من قطاع غزة. ولذلك كانت هناك حاجة لإدخال قوات برية، ولكنها تتقدم ببطء وكأن لديها المتسع من الوقت، وكأن حرب الإستنزاف التي يشنها حزب الله على حيفا والشمال هي مسألة ثانوية.

وفي خضم هذا النقاش تبرز مسألة سيطرة الحكومة الإسرائيلية على التطورات المتفرعة للحرب، والتي تبدو مهزوزة في ظل العلاقة الحالية بين المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل. حيث يشير عوزي بنزيمان إلى أن أولمرت وبيرتس قد ألقيا العبء على رئيس هيئة الأركان، دان حالوتس، بمعنى أنه سيتحمل مسؤولية فشل رئاسة الحكومة ووزارة الأمن.

ويتابع بنزيمان أن الوضع سيكون مغايراً لو كان أولمرت سياسياً مجرباً، أو لو كان لديه طاقم مستشارين خبراء في صنع السياسة الأمنية.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018