جحيم معارك بنت جبيل يربك إسرائيل ويستنفر أقلام إعلامييها..

جحيم معارك بنت جبيل يربك إسرائيل ويستنفر أقلام إعلامييها..

بعد يومين - ثلاثة مما بدا أنه تصدع الاجماع الإسرائيلي وبداية مساءلة قادة المؤسسة العسكرية على اخفاقات متتالية، ابرزها عدم توقع الكفاءات الميدانية العالية لمقاتلي حزب الله، وبالذات غداة معركة كبدّت فيها المقاومة اللبنانية «الجيش الذي لا يقهر» ووحدة النخبة المتغطرسة «غولاني» خسائر فادحة في الارواح، عاد المزاج الإسرائيلي المتذبذب ليتوحد ويقف وراء الحكومة في اي قرار تتخذه باتجاه تفظيع المجازر وتصعيد الحرب على لبنان، وهي «الوحدة» التي دعا اليها رئيس الوزراء ايهود اولمرت اول من امس ووفرها لها فورًا قادة الاحزاب الصهيونية كافة لينضم اليهم امس ابرز المؤثرين في بلورة الرأي العام في إسرائيل من سدنة الاعلام العبري.

واستنفر كبار الاعلاميين الاسرائيليين، من كل الاتجاهات اقلامهم ليرتقوا درجتين دفعة واحدة في دق الطبول لحرب اشرس على لبنان وشعبه ومؤسساته وعمل المستحيل لدحر المقاومة، مهما يبلغ الثمن، حتى بمحو قرى بأكملها عن وجه الارض وتدمير المنازل على ساكنيها والاهم ألا تُرفع صورة المقاومة اللبنانية، الى الاسطورة، وبكلمات ابسط عدم السماح اكثر بأن تمرغ هذه المقاومة انف الجبروت الإسرائيلي.

وفيما حاولت «يديعوت احرونوت» طمأنة الإسرائيليين المذعورين من هول معارك بنت جبيل عبر دعوة "تشفي الغليل" مسؤول عسكري كبير الى محو قرى لبنانية تطلق منها الصواريخ «لكسر شوكة حزب الله بتطهير ميداني ونيران مكثفة»، كان رئيس تحرير صحيفة «معاريڤ» امنون دانكنر اكثر صراحة بدعوته المباشرة اركان الدولة العبرية، قبل ساعات من اجتماعهم امس، الى تسوية البيوت والازقة في البلدات اللبنانية بالارض وهدم الاستحكامات في الارض فوق ساكنيها وتدمير القرى اللبنانية بالكامل.

ولم تتأخر صحيفة «هآرتس» التي تدعي انها تمثل اليسار الصهيوني والقوى الليبرالية في إسرائيل عن الركب، حين كتبت في افتتاحيتها ان وقف النار يجب أن يأتي فقط بعد تسجيل نجاح واضح وباهر وحسم المعارك. وتنافس معلقون في الشؤون العسكرية في ما بينهم في تقديم النصائح حول سبل «دحر حزب الله» عسكريًا فيما ندرت الاقلام التي تدعو الى اعادة النظر في هذه الحرب التدميرية، بل ابرزت وسائل الاعلام «اختفاء» اليسار الصهيوني الذي عارض في السابق مثل هذه الحروب، بعد اسبوعين من اندلاعها، ولفتت الى اعلان عدد من اقطاب هذا اليسار من الادباء المرموقين ندمهم على انتمائهم الى معسكر انصار السلام (يورام كنيوك ويهوشواع سوبول)..!!

ولم يختلف الوضع في أوساط عموم الإسرائيليين كما تجلى في ردود الفعل على الاخبار في شبكة الانتيرنت عكست حال التعبئة الفاشية في المجتمع القائمة على معاداة كل من هو عربي، ونمّت عن نزعة القتل والتدمير المتأصلة في النفوس ومواصلة اعتماد منطق القوة والبطش والتركيع لتفادي مزيد من الاحراج الذي تسببه المقاومة اللبنانية..

وكتب ابرز المعلقين العسكريين، زئيف شيف (هآرتس) تحت عنوان «الجيش ملزم بالانتصار في الحرب» يقول انه يحظر على اسرائيل ان تنسى «الامر الاستراتيجي» الاهم في هذه الحرب: ينبغي دحر حزب الله وما يمثله هذا التنظيم الارهابي، بكل ثمن. هذا هو الخيار الوحيد امام اسرائيل ويحظر ان ينشأ وضع من التوازن الاستراتيجي بين اسرائيل وحزب الله، واذا لم يشعر حزب الله انه هُزم في الحرب فستكون هذه نهاية قدراتها الردعية امام اعدائها». وتابع انه يحظر على إسرائيل ان تقبل بوقف نار هش، يريده حزب الله من خلال تكثيف حرب الاستنزاف ضد اهداف اسرائيلية.

ووجه شيف كلامه الى الإسرائيليين بالقول ان عليهم ان يدركوا ان اسرائيل على عتبة حسم مصيري يتعلق بمستقبلها وسلامتها «في هذه المعركة ستحسم مسألة مكانة ايران في الشرق الاوسط ودورها في الدول العربية التي يدرك بعضها هذه المعادلة ولا يريد ان تكون الغلَبة في هذه المعركة لحزب الله، ليس حبًا باسرائيل بقدر ما هو قلق على حالها».

وكتب محرر «معاريڤ» امنون دانكنر والمعلق في الصحيفة دان مرغليت في مقال مشترك: يوم من الحزن وعض النواجذ كان يوم امس. تمزق القلب لكنه لم ينكسر. لن يطلق الاسرائيلي صرخة التصدع التي ينتظرها العدو. الدموع تنهمر على الجنود الشباب الذين قتلوا في المعركة.. لكن عرفنا مثل هذه الايام الصعبة بل امرّ منها وتغلبنا عليها..». وتابعا انه حان الوقت «لقساوة القلب» وعدم ابداء حساسية مفرطة تجاه القرويين في لبنان «بل علينا عدم التسرع في ارسال الجنود الى معارك شرسة حافلة بالمخاطر، من بيت الى بيت»، انما استغلال تفوقنا العظيم في اطلاق نيران من المدفعية ومن الجو حتى لا يبقى زقاق او بيت ولتتحول الاستحكامات في الارض قبرًا وركامًا..» واضافا ان الاسرائيليين القابعين في الملاجىء يستحدثون جيشًا قويًا ليس مترددًا.. حان الوقت لتغيير «الاسطوانة» وعدم البحث عن المواجهات على الارض ونحن نملك الكثير لنفعله عن بعد ومن الاعالي.. يحظر علينا ان نظهر اغبياء ونرفض استيعاب الخسائر في الارواح بسبب رقة شعورنا..

ودعا المحرر في «يديعوت احرونوت» سيفر بلوتسكر الاسرائيليين الى عدم ابداء الهلع «على رغم ان الحظ لا يبتسم لنا احيانًا» متوقعًا ان تدوم الحرب طويلاً لكنه مقتنع بأن اسرائيل ستحسمها لمصلحتها.

ولم تتأخر صحيفة «هآرتس» الليبرالية (؟) عن ركب التحريض بدعوتها الجيش الى التحرك «على نحو اسرع واقوى لتقليص اطلاق الكاتيوشا على اسرائيل الى ادنى حد». وزادت ان اسرائيل لا يمكن ان تسمح لنفسها حرب استنزاف وضحايا كثيرين في الجبهة الداخلية او ان تنتهي الحرب بنغمة خافتة الى جهة التعادل ، اي بانتصار حزب الله. ان الجمهور الاسرائيلي مدرك جيدًا ما تدركه رايس من ان لا نهاية خاطفة للعملية العسكرية، ومن دون انجاز ستتجدد النار خلال اسابيع معدودة...


"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018