التطلع إلى مخرج سياسي من المأزق العسكري والإدارة المتأزمة للحرب..

التطلع إلى مخرج سياسي من المأزق العسكري والإدارة المتأزمة للحرب..

تكاد تجمع التقارير الإسرائيلية على أن الأهداف الأولى التي وضعت للحرب الحالية باتت أبعد ما يكون عن التنفيذ، في أعقاب إخفاق الغارات الجوية والقصف البحري والعمليات البرية، سواء سميت موسعة أو غير موسعة، في تحقيق هذه الأهداف. من هنا فقد نشأ التطلع الإسرائيلي نحو عملية سياسية تحقق ما عجزت عنه الحرب.

وفي المقابل يتأكد صمود المقاومة اللبنانية، وقدرتها على إيقاع الخسائر المادية والبشرية المتصاعدة، خاصة في صفوف الجيش، علاوة على عدم حصول أي تراجع في القدرة على تنفيذ هجمات صاروخية، وبل وتصعيدها، والقدرة على التهديد بالمزيد من التصعيد الذي تتأكد صحته من الواقع الميداني.

وفي إشارة إلى الأزمة الإسرائيلية الحالية في ظل الواقع العسكري في الميدان، يقول ميرون بنبنشتي، في صحيفة "هآرتس" إنه قد بات من الواضح أن هدف الحرب الآن هو الإنتصار!! وليس مهماً ماذا يعني هذا الإنتصار بمفاهيم عملية مثل وقف إطلاق الصواريخ أو تسوية أمنية، المهم هو خلق هكذا شعور لدى الجمهور!

ويقول:" الشعور بالإنتصار هو مسألة انتقائية، داخلية إسرائيلية بالضبط مثل "قدرة الردع"، وهي مسألة داخلية إسرائيلية بدون أية علاقة مع مدارك العدو. ففي كل مرة خرجنا فيها إلى الحرب تحت شعار قدرة الردع ( 3 مرات على الأقل)، كان ذلك محفزاً للعدو للإستعداد لمواجهة أشد. وفي المرة الأخيرة أطلقوا على العملية "كيّ الوعي الفلسطيني"، وكانت النتيجة فوز حماس وطريق مسدود ودام في قطاع غزة والضفة الغربية".

وبرأيه، لا يوجد دليل أفضل على الإنتقائية وأحادية الجانب من التحديد التلقائي للعدو بأنه "العالم العربي" الذي يجب ردعه. ويتساءل "عن أي عالم عربي لا يزال يهدد إسرائيل بعد السلام مع مصر والأردن واحتلال العراق، إلا إذا كان التوقع الإسرائيلي يشرعن ذاته وينتج من جديد العالم العربي الذي يهدد إسرائيل".

ويؤكد أن الحرب الحالية سوف تنتهي بخلافات عميقة وتوسع الفجوة الإجتماعية، ويعتبر أن "النقاش السطحي (التخمين) حول من ينتصر أو من يخسر، أو الإكتفاء بالتعادل، فهو متأثر، وبنسبة قليلة، من النتائج الحقيقية للحرب. ولكن الحرب نفسها سوف تؤثر بشكل عميق على ما يحدث في المنطقة، وعلى إسرائيل بوجه خاص. ولو كان متخذو قرار إعلان الحرب واعين لهذا التأثير، لكانوا سيفكرون مرتين قبل اتخاذ قرار بقلب حادثة حدودية إلى معركة تطال الملايين من البشر".

ومن جهته كتب آري شافيط، بسخرية، متناولاً الإعتماد على الغارات الجوية في بداية الحرب تحت شعارات "نهاجم ننسف ونسحق.. طائرتنا تدمر العدو، السلاح الدقيق يهزم الإرهاب المتشدد.. لا يوجد حاجة لعمليات برية.. فإذا لم يكن اليوم فالليلة، ستحسم المعركة، وإذا لم يكن الليلة ففي الغارة القادمة، عندما تلقى القنابل المناسبة في الخندق المناسب".

وبعد الغارات الجوية أتت مرحلة العمليات البرية، فيقول:" تعهدنا بألا يكون هناك دخول بري، ولكن لا يوجد خيار آخر الآن، ومع ذلك نصرح بأننا لا ننوي الإحتلال وإنما التوغل، ندخل ونخرج. لن نعود إلى حرب لبنان القديمة، وإنما سندير حرب لبنان جديدة وحديثة، محكمة وحذرة. ومارون الرأس تم تطهيرها وبنت جبيل في أيدينا. وفي اللحظات القادمة سيقوم الجيش بتسوية المواقع الحدودية ويصل إلى الإنجاز الرائع، تجديد الحزام الأمني. لا يوجد حاجة لتجنيد قومي شامل، بعد قليل سنكشف مقاتلو حزب الله في القرى التي أخليت من سكانها، وسيركع حزب الله تحت الضغط.. فقط أعطونا الوقت... بضعة أيام أخرى.. صبراً.. ها نحن ننتصر.."

وبعد أن أخفقت المعركة الجوية وباتت العمليات البرية عالقة، يشير إلى "المعركة السياسية" وإلى عناوين مثل"رضا إسرائيلي من اقتراح القرار الفرنسي الأمريكي" و"ارتياح في الحكومة بسبب موقف الرئيس بوش" (الذي لم يتحدث مع أولمرت منذ بدء الحرب)..

وبعد ذلك يتساءل عن أهداف الحرب، فيقول:" من أجل ماذا خرجنا إلى الحرب إذاً؟ من أجل ضمان أن يقوم جنود فرنسيون بحماية إسرائيل من منظومة الصواريخ الفاعلة لحزب الله، ومن أجل تأمين انتقال مزارع شبعا لنصر الله كمنصة قفز للحرب القادمة.."

ولعل ما يدلل على عمق الأزمة القائمة هو الضغط الذي لا يزال غير باد للعيان من قبل الجبهة الداخلية التي بدأت تتململ لتواصل تعرضها للقصف ولطول انتظارها في الملاجئ، علاوة على إشارته إلى أنه لا تزال أمام أولمرت وبيرتس وحالوتس، إمكانية إلقاء التهم على أرئيل شارون أو دان حالوتس أو أودي آدم، ومطالبته بـ"إنهاء ثقافة الكذب التي أحاطت بالحرب منذ اليوم الأول، ووقف محاولة مواجهة مخاطر وجودية بواسطة عروض عبثية متخيلة.. فالحرب ليست صفقة عقارات في القدس.. وهي ليست معركة انتخابية، فهي تستدعي لقاءاً حقيقياً مع التاريخ".

ويحذر شافيط من كون "هذه الحرب معزولة عن الواقع، فبدون قراءة الخارطة بشكل دقيق، وبدون الإصرار المطلوب، وبدون هدف أو رؤية، حرب كهذه لا يمكن أن تؤدي إلى الإنتصار".


وفي سياق متصل أولت هيئة تحرير "هآرتس" أهمية لعملية إرسال نائب رئيس هيئة أركان الجيش، موشي كابلينسكي، إلى قيادة الشمال العسكرية، وهو ما أعلن أنه يأتي من "أجل تنسيق عمليات الجيش البرية والبحرية والجوية في لبنان"، وفي الوقت نفسه يصرح حالوتس بأن " يعبر عن ثقته الكاملة بقيادية الجيش بشكل عام وبقيادة الشمال بشكل خاص، وعلى رأسهم قائد منطقة الشمال".

وتقول "هآرتس" إن التعبير عن الثقة التامة بقيادة الشمال لا يتماشى مع تعيين ضابط كبير آخر في المنطقة، وهو ما اعتبرته عملية "عزل عن طريق الإعراب عن الثقة". وخلصت إلى أن عملية "الثقة والإبعاد" ومواصلة التسريب والاتهام والتحقير تشير إلى إدارة متأزمة للحرب سواء على المستوى السياسي أم المستوى التنفيذي.

وتحت عنوان " القناة السورية؛ مع وضد" كتب ألوف بن، مشيراً إلى "التخبط" الإسرائيلي حيال القناة السورية، ومن المرجح أن عرض ذلك يأتي في إطار التطلعات لتحقيق أي إنجاز سياسي باعتباره ناتجاً للحرب. فمن يؤيد ذلك يقول إن إسرائيل معنية بتسوية سياسية مع الدولة الأشد عداءاً لإسرائيل وهي القادرة على التأثير على حماس وحزب الله، فضلاً عن أن النظام السوري أثبت استقراره وسلطته الداخلية واحترامه للإتفاقيات. كما أنه من السهل التوصل إلى سلام مع السوريين بالمقارنة مع الفلسطينيين، فلا يوجد أماكن مقدسة ومسألة اللاجئين يمكن تجاهلها. ومن الممكن أن يؤدي السلام مع سورية إلى عزل إيران وتقوية المعتدلين في المنطقة، وفي هذه الحالة فإن هضبة الجولان هي ثمن معقول، خاصة وأن حرب لبنان أثبتت أنه في عصر الصواريخ لا يوجد أية أهمية طوبوغرافية لهضبة الجولان على أمن إسرائيل. كما أن الأزمة الحالية تؤكد الحاجة إلى تسوية مع سورية لمنع نشوب حرب إقليمية ومنع وصول صواريخ سكاد تحمل رؤوساً كيماوية إلى تل أبيب، ومن الأفضل أن تخرج إسرائيل من الجولان قبل أن يثبت الرئيس السوري بشار الأسد مرة أخرى، بعد حزب الله، أن الردع الإسرائيلي منتهك. وهناك من يعتقد أن السلام مع سورية ولبنان يعزز "حلقة السلام" ويحاصر الفلسطينيين ويضطرهم إلى القبول بحل وسط في الضفة الغربية.

كما أشار بن إلى تلميحات بيرتس بالتوجه إلى المسار السوري بعد انتهاء الحرب، على اعتبار أن ذلك قد يلقى دعماً من أولمرت الذي لا يزال يتمسك بخطة "التجميع".

وفي المقابل فإن معارضة التسوية مع سورية تعتمد على اعتقاد بأن ثمن السلام مع سورية معروف، إعادة كل هضبة الجولان حتى بحيرة طبرية، وتسليم مصادر المياه للأسد حليف محمود أحمدي نجاد. كما أن الإصرار السوري على كل شبر أرض من الممكن أن يفجر أية تسوية، مثلما حصل مع الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي أصر على استعادة الشاطئ على بحيرة طبرية. ويقول قياديون في إسرائيل أن الأسد لن يبتعد عن إيران كقوة صاعدة في الشرق الأوسط من أجل إسرائيل والولايات المتحدة، فهو يرى ماذا حصل لمحمود عباس وفؤاد سنيورة اللذين راهنا على جورج بوش، في حين أصبح حسن نصر الله بطل العرب. ويقول آخرون أن الحرب الحالية أثبتت أنه في عصر الصواريخ فإن الطريقة الوحيدة لمواجهتها هي احتلال مواقع إطلاقها، ومن الأفضل البقاء في الجولان ومواصلة تهديد دمشق بدلاً من النزول إلى سهل الحولة، خاصة بعد كل هذه الصواريخ التي أطلقت على الشمال. كما أن أولمرت الذي يعارض المفاوضات مع سورية، لن يجد في الكنيست الحالية 61 عضو كنيست ممن يؤيدون الإنسحاب من هضبة الجولان.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018