"صمت أولمرت"

"صمت أولمرت"

كتب تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس":

[[.. قبل البدء برسم مسار سكة الحديد بين حيفا ودمشق، وقبل أن يخطو المستثمرون الإسرائيلييون خطواتهم في رحلة البحث عن أراض لبناء المراكز التجارية في حلب، يطرح السؤال "لماذا كان يجب على الإسرائيليين أن يسمعوا عن جاهزية رئيس حكومتهم للتنازل عن هضبة الجولان من وسائل الإعلام السورية، ومن وزراء سوريين ومن الرئيس السوري؟ ولماذا لم يستجمع أولمرت الشجاعة في واحدة من آلاف المقابلات التي أجراها قبل العيد ويكشف عن قيامه بإبلاغ الأسد بأنه على استعداد للانسحاب من هضبة الجولان؟ فهل كان يعتقد أنه يستطيع أن يكتب على قصاصة ورق صغيرة "حسنا.. خذوا الجولان"، ويسلمها إلى الوسيط التركي، ليسلمها بدوره إلى الأسد، ويبقى كل شيء طي الكتمان؟..

المفاوضات لا يجب أن تكون علنية، فالترتيبات الأمنية ومكان محطات الإنذار، ومساحة المنطقة المنزوعة السلاح، وترتيبات تقسيم المياه، والتعاون المدني والعسكري، وكافة المواضيع، لا تقتضي مناقشة علنية في مرحلة التحضيرات. إلا أن القرار الاستراتيجي الذي يعني إخلاء آلاف المواطنين من جانب إسرائيل، وإزالة تهديد الحرب من جانب سورية، ليس شأن رئيس الحكومة الشخصي، أو الوسطاء. فتطبيق تحول تاريخي كهذا يتعلق أولا بإعداد الرأي العام في إسرائيل، والتغلب على المعارضة الحادة، والإقناع بمدى ضرورة الإنسحاب وعرض الربح الإسرائيلي. فكيف كان ينوي أولمرت تمرير مثل هذه "التنازلات المؤلمة" على الجمهور؟ بهمسات سرية؟ أم بتنويم الجمهور؟

نجح "صمت أولمرت" حتى أثار الكشف السوري التركي عن موقف إسرائيل الأسئلة المتصلة بسورية: لماذا الآن، وماذا سيربح الأسد؟ هل الأسد جاد؟ وهل هو قادر على ذلك؟ وكأنما إسرائيل هي التي وقفت كل هذه السنين في "وادي الصيحات" في هضبة الجولان ولوحت باقتراحات لاتفاق سلام، في حين يصرون على أسنانهم في سورية.. تم تناسي خطابات الرئيس السوري بشار الأسد ومقابلاته للصحافة الدولية، والتي قال فيها إنه يريد إجراء مفاوضات مع إسرائيل، واختفت الصورة التي نسجها في تموز/ يوليو 2007، والتي عدد فيها المطالب واحدا فواحدا، والمراحل التي يجب أن تمر بها المفاوضات حتى يتم التوصل إلى النتيجة التي قادها والده، والتي لخصت بالقول: "أعرف ماذا يتطلب السلام".

يجب التحقيق في ذلك بشأن "التوقيت" و"الشكل" مع أولمرت، الذي أصبح فجأة موظفا غير مخول بالإدلاء بتفاصيل عن المفاوضات. فهذا ليس موقفا قويا لقائد يجب أن يقنع الجمهور. فأين اختفت الغطرسة التي رافقت بدء الحرب على لبنان، عندما حاول أولمرت إقناع الجمهور بشرعيتها وفائدتها لتلك الحرب الفاشلة؟ وهل عملية السلام مع سورية لا تستحق ولو النزر اليسير من ذلك الأسلوب الجاف؟ شيء ما على شاكلة "مواطنو إسرائيل.. نحن نقترب من عملية تاريخية، لو نجحت لتغيرت مكانة إسرائيل الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وتبعد عنها تهديدا آخر"..

إلا أن الموظف أولمرت يتحرك على كرسيه، ويتلوى ويتمتم لدرجة أنه لا يمكنه أن يتفوه بالإنكار أو بالتأكيد. ويوضح مقربون منه أنه "لا تزال الطريق طويلة"، ويتركون للمعلقين أن يتحدثوا عن الأسد بهذا الشكل أو ذاك، وأنه يجب عليه أن يقطع علاقاته مع إيران، وأن يبعد حماس من دمشق، وأن يصد حزب لله... فهل هذه هي الشروط التي كتبها أولمرت على "قصاصة الورق" وسلمها للوسيط التركي؟ وهل هذه هي مطالب رسمية؟ وبحسب الرئيس السوري فإن سورية حصلت على "وديعة أولمرت" بشكل مماثل لـ"وديعة رابين"، والتي تلزم بالإنسحاب الكامل. فهل تبقى فقط التباحث بشأن الترتيبات الأمنية وترتيبات المياه، مثلما يقول ناطقون سوريون؟ وهل الرئيس السوري، الأسد، وليس أولمرت، هو الذي سنواصل الاستماع منه إلى التفاصيل المهمة بشأن مستقبل إسرائيل؟

بكل ما يتصل بسورية، فإن إسرائيل هي أسوأ.. هناك شائعات في إسرائيل ولكن السلطة لا تتحدث عن ذلك.. هناك همس، ولكنه يأتي من دمشق، وهناك معلومات، ولكنها تأتي من أنقرة. ولم يتبق سوى الاستنتاج بأنه سيكون هناك سلام مع سورية، ولكنه سيكون سريا لدرجة أن رئيس الحكومة لن يعرف به]]..