"خذوا ما يعرض عليكم"..

"خذوا ما يعرض عليكم"..

تكتسب مقالة ألوف بن في صحيفة "هآرتس"، الخميس، أهمية خاصة من جهة كونها تعكس الذهنية الإسرائيلية الرافضة للحقوق الفلسطينية المشروعة، والتي تقوم على الاستعلاء وشيطنة الآخر، في الوقت الذي يحمّل فيه الفلسطينيون المسؤولية عن الوضع الذي يعيشونه، وذلك بذريعة رفض الفلسطينيين، أو القيادة الفلسطينية، القبول بالحلول التي لا توفر لهم الحد الأدنى من الحقوق، تحت شعار "خذوا ما يعرض عليكم".

تناول الكاتب ما قاله رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع الفلسطينية قبل نهاية العام الحالي. وأشار في الوقت نفسه إلى قول رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إن المفاوضين الإسرائيليين يقترحون سلاما جزئيا، وأن هذه ليست الطريقة لتحقيق تقدم. ويتساءل في هذا السياق عمن يقول الحقيقة، وعما إذا كان التوصل إلى اتفاق تاريخي لإقامة دولة فلسطينية لا يزال في متناول اليد أم أنه لا يزال بعيدا، وكيف يحصل هذا التناقض في التصريحات بعد كل هذه اللقاءات..

وبحسبه فإن الفجوة بين تصريحات أولمرت وعباس في الأيام الأخيرة ليست مسألة صدق، وإنما تعبر عن فجوة عميقة في الرؤية الأساسية لكل من الطرفين، واحدة من المريخ والثانية من الزهرة، وما يعرضه طرف على أنه تنازل يراه الطرف الثاني إهانة أو مناورة للتهرب من الحسم.

ويضيف أن الرؤية الإسرائيلية، التي تعود جذورها إلى بداية الاستيطان اليهودي في البلاد، تقوم على أساس إحداث تقدم من خلال حقائق على الأرض. فهكذا قامت إسرائيل؛ "دونم آخر وعنزة أخرى وكيبوتس آخر ومستوطنة أخرى ودبابة أخرى وطائرة قتالية أخرى.. حتى حصلنا على كل البلاد". ويضيف أن هذا ما تعرضه إسرائيل على الفلسطينيين "خذوا ما يعرض عليكم، وعندها سنرى كيف سنتقدم.. ابدأوا بدولة صغيرة منزوعة السلاح، ومحاطة بالجدران والجنود الإسرائيليين.. وعندها سنرى ماذا بعد"..

وفي المقابل، يتابع، فإن الفلسطينيين يفكرون بطريقة أخرى، فهم يصرون على الاعتراف بحقوقهم المنصوص عليها في قرارات هيئة الأمم المتحدة، وعندها تتم مناقشة التفاصيل. فـ"على إسرائيل أولا أن تعترف بمبادئ إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967، بدون قيود أمنية، وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، ودفع تعويضات عن الاحتلال، وعندها نرى كيف يمكن تحقيق ذلك"..

ويتابع أنه مثلما رفض الراحل ياسر عرفات، قبل 8 سنوات، فإن عباس أيضا يرفض الاقتراح الإسرائيلي، ويصر على أن "الاحتلال أفضل من السلام الجزئي" أو "إما يحصل الفلسطينيون على سيادة كاملة في دولتهم أو يواصلون الوقوف على الحواجز العسكرية". وبحسبه فإن "الإسرائيليين يجدون صعوبة في فهم هذا التوجه "المتطرف"، فإذا كان عباس يتذمر من توسع المستوطنات ومصادرة الأراضي، فلماذا لا يكتفي بأقل من كامل طموحاته، يجبر خلالها إسرائيل على وقف عملية البناء في المستوطنات لتبدأ بـ"الإنطواء" من الضفة الغربية".

ويضيف أن الفلسطينيين يردون على ذلك بالقول إنهم تنازلوا عن 78% من وطنهم التاريخي، وأنهم ليسوا على استعداد للمساومة على أقل من 22% التي تبقت لهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويشير هنا إلى أن الإعلام الفلسطيني يعرض خرائط البلاد، وكيف تقلصت المساحة المخصصة للدولة الفلسطينية بشكل تدريجي منذ الانتداب البريطاني، وصولا إلى الكانتونات المحاصرة بالجدار والحواجز.

وفي هذا السياق يدعي ألوف بن أن الفلسطينيين ينسون أن قيادتهم قد تنازلت بين الخارطة والخارطة عن اقتراحات تقسيم عرضت عليهم، وذهبت باتجاه حروب فاشلة، على حد تعبيره.

وبرأيه فإن "اتفاق الرف" الذي يعرضه أولمرت لا يقل عن "الاتفاق الدائم" الذي عرضه إيهود باراك في العام 2000. وذلك بادعاء أن الفلسطينيين خسروا في الانتفاضة الثانية، وخسرت "فتح" قطاع غزة لصالح "حماس".

ويعتقد الكاتب أن النموذج الذي يعتمد عليه الفلسطينيون هو إنهاء الحكم الاستعماري في الهند وآسيا وأفريقيا: الاستقلال الكامل وطرد الأجنبي بشكل كامل من البلاد. ويضيف أن ذلك ليس النموذج الوحيد لإنهاء الاحتلال، حيث يشير إلى أنه يدور في إيرلندا صراع ديني قومي منذ مئات السنين. وبعد انتفاضة الإيرلنديين في الحرب العالمية الأولى عرضت بريطانيا إنهاء سيطرتها على الجزيرة، والذي تحقق في العام 1921. ويدعي في هذا السياق أن ما حصل عليه الإيرلنديون هو ما يعرضه أولمرت اليوم على الفلسطينيين، تقريبا. مشيرا إلى أن البريطانيين احتفظوا بالكتل الاستيطانية في شمال إيرلندا، وأن السيادة الإيرلندية بقيت مرتبطة بالعرش في لندن، في حين يواصل الأسطول البريطاني السيطرة على الموانئ.

ويضيف أن هذه التسوية قد أثارت حربا أهلية، قتل فيها القيادي الإيرلندي مايكل كولينس، الذي وقع على الاتفاق مع بريطانيا، في حين تراجع وريثه عن مواقفه "المتطرفة"، وعمل على تحرير جنوب إيرلندا تدريجيا من السيطرة البريطانية، في حين بقي الشمال بيد البريطانيين، حيث ثار الصراع مرة أخرى إلى أن انتهى قبل بضعة سنوات، بما أسماه "سلاما متوترا". ويعيش في هذه الأثناء الإيرلنديون في الجنوب حالة من الاستقلال والازدهار. ويدعي ألوف بن في هذا السياق أنه "لو بقي الإيرلنديون متمسكون بـ"الكل أو لا شيء"، مثلما فعل عرفات وعباس، لظلوا تحت الاحتلال البريطاني حتى اليوم.

ويخلص ألوف بن إلى القول بأن "إسرائيل قد تعلمت الدرس من الكشف عن الوجه الحقيقي لعرفات في كامب ديفيد، وخشية أن تتفجر المفاوضات فهي لا تعرض عباس كرافض للسلام، بالرغم من أن مواقفه مماثلة لمن سبقه. وبذلك تستطيع إسرائيل مواصلة الحوار. ولكن ذلك لا يكفي للتوصل إلى تسوية، فتلك تتطلب إدراك الفجوة القائمة في الرؤية الأساس لدى الطرفين، ومحاولة جسر الهوة ما بين المريخ والزهرة".