"لماذا وقف اليسار متفرجا؟"..

"لماذا وقف اليسار متفرجا؟"..

بقي دوّار المدينة (تل أبيب) خاليا أثناء "الرصاص المصبوب"، وانكشف اليسار في جميع تلوّنه. وتبيّن أن ما يردده عن حقوق الإنسان هو تكتيك سياسي لاحتياجات إسرائيلية داخلية فقط.

ها هي الحرب على غزة انتهت، أكثر من ألف قتيل فلسطيني، وأضعاف ذلك من الجرحى. والمدينة - دمار وخراب. وقصفت بناية الأنروا، وإضافة إلى كل المصائب، فقد طبيب، صديق للإسرائيليين، ثلاثا من بناته في أثناء بث مباشر في القناة العاشرة. وتصبغ مسألة الخراب من يوم إلى آخر علاقات العالم بإسرائيل. ودوّار المدينة؟ فارغ. لا احتجاج لحركة "السلام الآن" في ساحة رابين في تل أبيب أثناء القتال، ولا مسيرات نساء بالسواد مقابل بيت رئيس الحكومة في القدس، ولا رسالة لرفض الخدمة، أو احتجاج، أو عرائض من ضباط تنادي بوقف العملية (العسكرية) التي قصفت أعمار فلسطينيين بما يساوي أضعاف المذبحة التي لم تشارك فيها إسرائيل مطلقا، في صبرا وشاتيلا.

يحجم النظام الإسرائيلي، منذ سنين، عن تفعيل جيش الدفاع الإسرائيلي لقطع دابر الإرهاب خشية من "احتجاج الضباط"، حيث أن هذا الإبتزاز السياسي من الجيش يوضح له (ألنظام) أن من الممكن أن لا يستجيب العمود الفقري للقيادة إلى الأوامر وذلك في حالة أن السياسة الأمنية لم ترق له. ويدرك أي وزير أمن من المحسوبين على اليمين أن يديه مكبلتان، حيث أن الشرعية الجماهيرية التي سيحظى بها إذ يشنّ حربا دفاعية ستكون محدودة، وأنه في موازاة الحافلات التي تنقل جنود الإحتياط إلى قواعد التدريب، هنالك حافلات تنتظم وهي مليئة بالشعارات وبالمتظاهرين في طريقها إلى باحة بلدية تل أبيب.

إذن ما الذي جرى؟ لماذا لم يؤدّ قتل آلاف الفلسطينيين الأبرياء إلى احتجاج فيما مذبحة نفذها الكتائب بالفلسطينيين في لبنان قادت على ما يبدو أربعمائة ألف لإقامة لجنة تحقيق ولإطاحة وزير أمن؟ كيف أن سياسة إحباط (العمليات ضد إسرائيل) أدّت إلى رسالة الضباط بينما لم يستطع القصف الهائل على نمط كوسوفو أن يخرج ولو رافضا متقاعدا واحدا إلى وسائل الإعلام؟

صحيح أننا ندرك المفارقة بأن اليسار بالذات هو من يحظى بمناخ مريح أكثر للقتال فيما يحظى اليمين بشرعية أقوى للتنازلات، لكن يجب ألا نكتفي بهذا التفسير. فقد تأكّد هذه المرة أن الفلسطينيين هم سبب الغضب لدى اليسار الإسرائيلي.

أليسار الذي أيّد "غزة وأريحا أولا"، والتي أدت إلى اتفاق أوسلو، الذي استبدل بـ "الإنفصال" (عن غزة)، هذا اليسار حظي بتحقيق جميع تخيلاته وفي مركزها قلع مستوطنين، لكن الفلسطينيين لم يزوّدوا "البضاعة. فقد استمرت القسامات في السقوط على بساتين الأطفال في سديروت بينما سقطت صواريخ الغراد في المركز التجاري في أشكلون، كما كان حذّر من اعتبروا ككبار المرعبين والهاذين.

ها هي أجواء الإعتذار من الجمهور الصهيوني – المتدين الذي تحفل به صفوف جيش الدفاع، والتفكير بإعادة الإستيطان في قطاع غزة، وعدم الإستعداد للعودة إلى سياسة التنازلات وكمّ هائل من النكات على من وثق بعرفات، أو سيّد حماس – واعتقد أنه في خروجه أحادي الجانب إنما يعيد الأمن إلى إسرائيل.

وها هو اليسار، الذي يفترض بأنه يبدي تعاطفا مع الجانب الفلسطيني، والذي يفترض بأنه الوصي على خطاب حقوق الإنسان والمواطن، والمفترض أنه مخلص للقانون الدولي وللقيم الأخلاقية العالمية – يقف الآن متفرجا، فليقصفوا وليشوّهوا، من ناحيته، وجه غزة. أولئك الغزيون الذين جعلوه أضحوكة ومسخرة السياسة الإسرائيلية.

لا، لا يوجد ندم هنا، كما أنه لن يسمع طلب للصفح من الذين اقتلعوا من مستوطني قطاع غزة. من في المجتمع الإسرائيلي على استعداد لأن يعترف بالخطأ؟ فكم بالحري أن المسؤول عنه (ألخطأ) هما رئيس الدولة ووزيرة الخارجية والمرشحة لرئاسة الحكومة. إذن فقد صبّ هؤلاء غضبهما، وإحباطهما، وحنقهما على كسر التصوّر والإدراك على الفلسطينيين هذه المرة. إذا كان منهم من اعتمد على تضامن إنساني على شكل احتجاج إسرائيلي في ساحة رابين – فقد أخطأ.

لا تعتمدوا على اليسار الإسرائيلي في كل ما يتعلق بحقوقكم الإنسانية، أيها الفلسطينيون الأعزاء. فالحديث يدور عن كلام من طرف اللسان إلى الخارج ويهدف إلى وضع العصي في دواليب الحكومات اليمينية على الأكثر. وإذا كنتم قد جعلتم صياغات اليسار خيالية لا تمت بصلة إلى الواقع – أولئك الليبراليين الذين يمولون نساء ووتش الناشطات من أجل احترام حقوقكم على الحواجز يمنحون تأييدهم ومساندتهم لمروحيات الأباتشي التي يقودها خيرة أبناء الصهيونية المتدينة كي يحطموا عظامكم.

لقد تكشف اليسار في هذه الحرب بكل تلونه، وتبين أن ما يتفوه به عن حقوق الإنسان هو تكتيك سياسي لاحتياجات إسرائيلية داخلية فقط. والذي يقلّل من قوة معسكر اليسار – يحظى منه بمقعد كامل وبوزير أمن من قبله، وبقصف جوي وبنار المدفعية المنفلتة.

لن يحظى أي رئيس حكومة أو وزير أمن من اليمين بأجواء مريحة بهذا الشكل في حربه ضد الفلسطينيين. وإذا ما تطلّب الأمر من أحد من اليمين أن يفعّل الجيش، إزاء احتجاج الضباط الذي سيجري – فجدير به أن يذكّرهم بتصرّفهم في عملية "الرصاص المصبوب"، عندما بقيت ساحة المدينة فارغة.