"ألمركز المخيّب للآمال"..

"ألمركز المخيّب للآمال"..

إن فوز اليمين في انتخابات 2009 أمر لا مناص منه. إذا لم تنشب حرب شاملة في الأسبوع القادم ولم يتم توقيع معاهدة سلام مفاجئة، فإن بنيامين نتنياهو سيكون رئيسا للحكومة. بعد سنوات ثلاث من حكم المركز – اليسار سيقام في إسرائيل نظام المركز – اليمين. وستكون الحكومة، بحسب سيناريو غير معقول، حكومة ليكود – شاس – إسرائيل بيتنا، فيما ستكون، بحسب السيناريو المعقول، حكومة ليكود – العمل – كاديما.

على أية حال، فإن برنامج الأمن القومي سيحل محل برنامج تقسيم البلاد. حيث أن الإسرائيليين الذين صوّتوا في العام 1999 لليسار، وللمركز في العام 2006، سيصوتون الآن لنظام حكم قلبه في اليمين.

لم يكن فوز اليمين واردا. وهو لا ينبع من كون الجمهور عشق المستوطنات وجبال يهودا والسامرة (الضفة الغربية) من جديد. فالأغلبية في إسرائيل بقيت على حالها: واقعية وبراغماتية. وهي تدرك أن لا أمل في الاحتلال، لكنها تبحث عن سبيل آمن لإنهائه. وتدرك، أيضا، أن حلم إسرائيل الكاملة قد انتهى، لكنها تخشى من دولة حماسية على أعتاب كفار سابا.

صحيح أن العملية في غزة قد أثارت تراشقا قوميا عنيفا. وأن مشاعر سوداء تفجرت في أقبية الوعي. لكن هذه المشاعر، التي تظهر لدى أي أمة في وقت الحرب، لم تغيّر التوجّه الأساس للناخب الإسرائيلي. وهو التوجّه الذي كان وما زال توجها مركزيا معتدلا – صارما، يقول بوجوب الخروج من المناطق (المحتلة) وبعدم الوثوق بالفلسطينيين.

وعليه، فإن فوز ليكود المتوقع لا ينبع من كون الناخب الإسرائيلي تحوّل فجأة إلى بيني بيغن. فالناخب ليس مستقيما مثل بيغن، وليس ليبراليا كبيغن، وليس قوميا مثله. إنه لا يحمل أيا من مبادئ وقيم حزب "حيروت" الذي يوشك أن يعود إلى الحكم. والسبب الحقيقي لتصويت الكثير من الإسرائيليين لليمين في العام 2009 هو خيبة أملهم العميقة من المركز. خيبة أمل من قيادة المركز، ومن حزب المركز، ومن كلبية المركز. خيبة أمل من أن المركز لم يحوّل توجهه المعتدل – الصارم إلى وجهة نظر شاملة تتبلور عنها سياسة واضحة.

عندما أقام أريئيل شارون (حزب) كاديما، كان الهدف واضحا: أن يقترح على إسرائيل طريقا ثالثة. وأن يستبدل نبوءة اليمين المسيحانية وكذا النبوءة اليسارية المسيحانية بنبوءة واقعية. لم يكن شارون رجل مبادئ، لكنه عمل بحسب مبدأين بسيطين اثنين: لا للوضع القائم (الخطير)، ولا لتسويات دائمة (ليست ممكنة).

ألبديل العملي لدى شارون لهذين المبدأين كان عملية بعيدة المدى، تمنح إسرائيل أكبر قدر من الأمن في أقل ما يمكن من الإحتلال. بكلمات أخرى: حدود. ليس نهاية النزاع ولا زيادته، إنما حدود تمكّن الإسرائيليين والفلسطينيين من إدارة النزاع فيما بينهم بشكل معقول. حدود تتيح لإسرائيل أن تعيش وأن تتطوّر حتى بدون سلام.

لقد خان كاديما كل مبدأ من مبادئ شارون. فهو لم يعمل شيئا في سنوات حكمه الثلاث لتغيير الوضع القائم الخطير في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). وقد أدار كاديما في العامين الأخيرين مفاوضات خيالية على تسوية دائمة، والتي فشلت بالطبع. وبدل التشبث بالواقع وبلورة عملية بعيدة المدى فقد وعد كاديما وعودا كاذبة عن سلام الآن. كما أن سلوكه (كاديما) السياسي لم يكن بحسب روح شارون، إنما بحسب روح يوسي بيلين. بينما كان سلوكه العسكري بموجب روح فلاديمير بوتين.

وكانت النتيجة السياسية لهذا الخليط الهش فشلا ذريعا وذا أبعاد كثيرة. علما أن النتيجة السياسية ليست أقل فداحة. وبما أن كاديما تحوّل إلى ميرتس – مصبوب، (إشارة إلى عملية الرصاص المصبوب) فإنه يخرّب في اليسار بدل أن يبني المركز. فكاديما 2009 ليس بديلا حقيقيا لليمين، إنما هو حزب آخر من شمالي تل أبيب، والذي يتنافس مع إيهود باراك وحاييم أورون على الناخبين اليتامى لطومي لبيد.

لا يمكن بعد تغيير نتائج العاشر من شباط. لكن من المهم إدراك أن مقولة المركز سيخسر صحيحة أكثر من أن اليمين سيفوز. سيخسر المركز ليس لأنه مركز، إنما لكونه بات لا يشكّل مركزا. سيخسر المركز لأنه لم يف بوعده أن يكون طريقا ثالثة.