"رصاص ذائب"

"رصاص ذائب"

ألأمر الذي يحدد نجاح القتال هو سلوك العدو عند انتهائه وبعده لأمد طويل. وبما أن العدو، ومباشرة مع انتهاء العملية، واصل نشاطه كما كان من قبل – فإننا أمام فشل لا تستطيع أية فذلكة كلامية أن تحوّله إلى إنجاز.

إستئناف إطلاق النار في الجنوب هو تحقّق لما كان نبّه إليه كاتب هذه السطور مباشرة مع انتهاء عملية "الرصاص المصبوب". عندها كتبت هنا أنه " فقط النصر المطلق يخلق صورة النصر المطلق"، وأن على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يتمّم العملية (العسكرية) حتى طرد زعماء حماس من القطاع أمام عدسات التلفزة والصحافة.

لكن ما حصل، وليس مفاجئا، أن الحكومة الحالية اختارت أن توعز للجيش بأن لا يتمّم المهمة. وسيفرض عليها الآن، أو على بديلتها القيام بالعمل ذاته مرة أخرى، لكن ليس بالشروط المثلى التي تهيّأت في الأيام الأولى لـ "الرصاص المصبوب".

يمكن مع مرور الزمن إدراك أن العملية في غزة لم تهدف إلى أمر أبعد من عرض (أو فضح) جوهر حماس وشركاء دربها. ويبدو أن من أدار العملية أراد تحقيق المستحيل، مرة ثانية – خلق حالة ردع دون المخاطرة بالأرواح.

لكن الإستعراضات تبقى استعراضات،ولأنها كذلك فلا يمكنها أن تقنع الخصم بتغيير أساليبه. فلا يمكن تغيير أساليب الخصم إلا إذا خلقنا تهديدا مباشرا وملموسا على متّخذي القرارات من زعمائه. وإذا ما فحصنا الغاية من "الرصاص المصبوب" وطريقة إدارة العملية فيما بعد، لوجدنا أنها وقبل أن تبدأ، قد كتب لها أن لا تفي ليس فقط بما هو ممكن تحقيقه لو أنها (العملية) أديرت بالشكل الصحيح، إنما بغايته الأساسية – "تغيير الواقع الأمني". ما هذا بالضبط؟

من اعتقد أن بالإمكان تحقيق إنجاز، أيا كان، بالإكتفاء باستعراض القوة العسكرية فقط، فإنه يثبت أن تفكيره كان متماثلا لتفكير أولئك الذين حاولوا إخضاع حزب الله بواسطة "تأثيرات" تتحقّق بالنار فقط. فما عدا القوة المحسّنة جدا للقوات البرية، فإن عملية "الرصاص المصبوب" عانت من التقصيرات ذاتها كما في "لبنان 2". حيث أن الحديث يدور في كلتا الحالتين عن تجاهل فظ للقواعد الأساسية للمهنة العسكرية، والذي أدى إلى عدم قدرة للإيفاء بتحقيق أي هدف معقول.

كما في لبنان، هكذا في غزة أيضا، حاول مديرو المعركة تحقيق النصر عن طريق الإعلان عن نصر، بدل تحقيق النصر بشكل ملموس، وتحقيق حسم دونما إصابات كأن إسرائيل تملك كل الوقت الذي في الدنيا. مثل هذه الأخطاء الإستراتيجية الجوهرية لا يمكن لها أن تتقلّص عن طريق تفعيل صحيح للقوى التكتيكية، مهما بلغت هذه من التميّز.

لا تدار الحرب في مستوى العلاقات العامة والإنطباعات إنما على مستوى الإنجازات الملموسة. ولذا، فمن غير الممكن التعويض عن غياب الإنجازات الملموسة بإنتاج أشباه انتصار. حيث أن الأمر الذي يحدد نجاح القتال هو سلوك العدو مع نهايته وفيما بعده إلى أمد بعيد. ولأن العدو استمر في نشاطه بعد انتهاء القتال كما كان قبله، فإن الحديث يدور عن فشل، لا يمكن لأي فذلكة كلامية أن تحوله إلى نجاح.

بيّنت عملية "الرصاص المصبوب" أن المستوى العسكري التكتيكي قد استخلص العبر من حرب لبنان الثانية، لكن من الصعب قول الأمر ذاته على المستوى الإستراتيجي الديبلوماسي. حيث برزت ثانية على هذا المستوى جميع قصورات الحرب السالفة تقريبا. مرة أخرى تم تحديد غاية مبسطة للعملية تتيح وقف القتال في أي وقت وليس بحسب تحقيق الهدف الملموس والصريح. مرة أخرى تمّ تجاهل عامل الزمن، الذي يعمل دائما ضد أي قوة عسكرية وخاصة ضد جيش الدفاع الإسرائيلي. مرة أخرى لم يتم استغلال إنجازات المفاجأة الأولية. مرة أخرى برزت المحاولة لخلق صورة لنجاح بدل نجاح حقيقي، ومرة أخرى فشلت المحاولة لخلق حالة ردع دون المبادرة إلى التحام مباشر مع العدو.

ألصورة إيجابية في نظر حماس، دون علاقة للظروف التي بسببها تبدو هكذا. فعلى مدى ثلاثة أسابيع لم يفلح جيش الدفاع الإسرائيلي بالوصول إلى مركز غزة ليبعث من هناك زعامة المنظمة إلى اللجوء أو إلى ملاقاة أصحابهم "ألشهداء". لهذا، فإن باستطاعة المنظمة أن تسجل لها ، وبحق، نجاحا استراتيجيا. وكلما كان هذا النجاح قصيرا فهو أفضل لإسرائيل. والأمر بأيديها.