"ثمن معقول يجب دفعه"..

"ثمن معقول يجب دفعه"..

[[لقد تأخر نوعام شاليط وزوجه بـ 992 يوما. إنهما من النبلاء لكنهما ساذجان. فقد آمنا أنهما إذا منحا إيهود أولمرت الهدوء ولم يزعجاه، وإذا لم يتظاهرا قبالة بيته، فإن ابنهما غلعاد سيعود سريعا إلى بيته، علما أن أولمرت قد وعد بأن يبذل أي مجهود وأنه لن ينسى الموضوع ولو حتى يوما واحدا – وقد صدّقاه.

لذلك، فقد تأخرا في نصب الخيمة قبالة بيت رئيس الحكومة. لأنهما لو كانا نصباها مباشرة بعد الإختطاف لكان من المرجح وجود غلعاد اليوم في البيت. حيث أن الحقيقة المرة هي أننا نعيش في عالم يسوده العنف والقوة، وتحكمه المصالح السياسية والحسابات الضيقة. إنه عالم لن تستطيع أن تحركه إذا لم تصل صرختك إلى قلب السماء. فللسياسيون دائما حساباتهم المختلفة، حسابات غريبة، وكذلك ميل إلى إرضاء الجمهور.

مباشرة بعد اختطاف شاليط قال أولمرت، البطل المغوار، إنه لن يخضع لطلبات حماس.. وقد أمر بخطف بعض من أعضاء البرلمان من الضفة الغربية، لكن ذلك لم يترك أثرا كبيرا على حماس. بعض هؤلاء ما زال يقعد في الاسر عندنا. بعد ذلك، هدد رئيس الوزراء بأن جيش الدفاع سيدخل إلى غزة. وفعلا، فقد دخلت بعض وحدات النخبة من جيش الدفاع إلى غزة بل إنها حاولت القضاء على من بادروا إلى خطف (شاليط). ومن حسن الحظ أن شاليط بقي حيا بعد هذه العمليات.

لقد توقفت العمليات بعيد اختطاف (الجنديين)) إلداد ريغيف وإيهود غولدفاسر على الحدود الشمالية – حيث أن أولمرت قام عندها لـ "إعادتهما بالقوة"، والنتائج معروفة.

ومرت الأيام، واستمرت عائلة شاليط بالحفاظ على الهدوء. لم يزعج أحد أولمرت لأن يعقد اتفاقية، لكن رئيس الحكومة لم يشأ أن يدفع الثمن اللازم. وبعد مفاوضات مضنية وصعبة ( وكان جديرا إدارة مفاوضات صعبة) توصل يعقوب ديكل إلى صيغة معقولة: إطلاق سراح شاليط في مقابل 450 أسيرا من العيار الثقيل إضافة إلى بضع مئات من الأسرى العاديين. لكن أولمرت قال إنه لا يوافق على إطلاق سراح كل هذا العدد من القتلة الذين "تلطّخ اياديهم الدماء".

إنه أحد الشعارات الفارغة وأكثرها إغاظة. فمن بالضبط ليس هناك دم على يديه في هذه الحرب الطويلة الجارية في الشرق الأوسط؟ ما الفرق بين القائد الذي يبعث القاتل وبين القاتل نفسه؟ وهل القائد السياسي الذي يقرر الحرب أو عملية تفجير، هل يداه نظيفتان من الدم؟ فقد تعانقنا مع ياسر عرفات ووقّعنا مع أنور السادات. للطرفين دم على الايدي. هكذا هو الأمر في الحرب، وما عدا ذلك – نفاق.

بعد ذلك كانت العملية في غزة. لقد قصفت إسرائيل القطاع وقتلت 1300 شخص، لكن هذا أيضا لم يقنع حماس بإعادة شاليط. وفشل جيش الدفاع في العثور عليه. ومن حسن الحظ أنه بقي حيا وسط الإنفجارات. بل إنه محظوظ أن آسريه أتاحوا له البقاء حيا، في هذه الأثناء.

تثبت الـ 992 يوما منذ اختطاف (شاليط)، أنه تم تجريب كل شيء، وأن جميع حذلقات التفاوض قد اتخذت. وقد حان وقت القرار: أن ندفع الثمن، أو أن ندع شاليط يموت في الأسر.

صحيح أنه يجب أن لا ندفع "أي ثمن"، لكن الحديث ليس عن "أي ثمن"، إنما عن صفقة معقولة لتبادل أسرى، والتي تتمّ دائما في أعقاب الحرب. فليس الحديث عن طلب بعيد المدى يمس بجوهر وجودنا. حماس تطالب بتبادل للأسرى، ونحن نملك من هؤلاء 12 ألفا بينما هم يملكون أسيرا واحدا. وهذا لن يغير ايضا في ميزان القوى بيننا وبينهم. ولا يوجد أي مسّ استراتيجي بأمن إسرائيل.

إزاء هذا، وإذا لم نجر حالا عملية التبادل، فإن مصير غلعاد سيلاحقنا مثل مصير رون أراد المرير. سيختفي يوما ما، ولن ندري ماذا كان مصيره.
لكن المهرجانات، والمظاهرات والسفرات ستستمر. وستضعف الشكوك وتقضم في المجتمع من الداخل. سيفكر الجنود مرتين إذا كان مجديا أن يتجندوا في وحدات قتالية – لأن هذه ستكون المرة الثانية التي تهمل الدولة جنودها. علما أن هنالك عقدا شفويا بين الدولة والجندي؛ يلتزم هو بالمخاطرة بروحه من أجلها، فيما تعمل هي كل شيء من أجل تخليصه، سواء كان مصابا أو أسيرا.

هنالك فعلا خطورة معينة في تحرير قتلة، لكنه الخطر الذي نعيشه يوميا في الستين عاما الأخيرة. فنحن نتحرك من حرب إلى حرب، ومن تفجير إلى تفجير، وندفع أثمانا غالية جدا. وثمن إطلاق سراح 450 أسيرا مع "دم على الأيدي" هو جزء من هذه الأثمان.

شعب إسرائيل على استعداد لدفع هذا الثمن. ويثبت هذا سيل الزائرين إلى خيمة نوعام وأفيفة شاليط الذي يزداد يوميا. كذلك فإن المفاوضات مع حماس بدأت تتصاعد وتيرتها. لكن بنيامين نتنياهو سيعرض الأربعاء القادم حكومة جديدة، وهنالك إمكانية لتوقف العملية كلها.

بقيت أيام معدودة فقط لأولمرت كي يصحّح ولو واحدة من مجمل الطبخات التي حرقها.