"الصّدمة الإسرائيليّة من الممارسات جيش الاحتلال: إستراتيجيّة تنكّر للاحتلال"

"الصّدمة الإسرائيليّة من الممارسات جيش الاحتلال: إستراتيجيّة تنكّر للاحتلال"

في عصر ما قبل اليوتيوب، الفيسبوك، وكاميرا الهاتف النّقّال، كانت الصّور وتوثيق الجنود أثناء خدمتهم العسكريّة ضئيلين، إلاّ أنّ المعايير انقلبت رأسًا على عقب حين دخول هذه الآليّات إلى أيدي المواطن العاديّ والجنديّ، ولكافّة الطّبقات، الآن تبدو الصّورة أوضح وأقرب، وتأخذ شكلاً وصياغات مختلفة عنها في السّابق، آخر هذه الفضائح، كانت فضيحة المجنّدة الإسرائيليّة، عيدن أفرجيل، التي التقطت لنفسها صورًا إلى جانب فلسطينيّين مكتوفي الأيدي ومعصوبي الأعين، وقامت بنشرها على صفحتها الخاصّة بالفيسبوك، لتضع تعليقها أسفل الصّور المهينة: "أجمل فترة في حياتي".

أتاحَ الاختراق التّكنولوجيّ لهذه الفضائح أن تُبَثَّ على الملأ، فجاءت الشّبكات الاجتماعيّة على صفحات الإنترنت ومواقع بثّ الأفلام (كاليوتيوب) لتشكّل منبرًا جديدًا يعيد صوغ النّظرة الإسرائيليّة للاحتلال المتواصل منذ أكثر من أربعة عقود. عن تحليل الموقف الإسرائيلي عبر الممارسات المرئيّة للاحتلال، تحدّث كل من بروفسور يتسحاق شنيل وتشارلي جرينباوم عن مواقف الإسرائيليّين من الاحتلال عبر المرئيّ المسكوت عنه والمسبّب للصدمة، وذلك في حوار لهما لصحيفة هآرتس الإسرائيليّة.

يدرّس بروفسور يتسحاق شنيل في قسم الجغرافيا الإنسانيّة في جامعة تل-أبيب، يبحث شنيل تأثيرات الاحتلال على مواطني إسرائيل، وقريبًا سيصدر كتابه الذي ألّفه بالتّعاون مع بروفسور دانيئيل بار طال "تأثير الاحتلال على المجتمع الإسرائيليّ". أمّا البروفسور تشارلي جرينباوم فيدرّس في قسم علم النّفس في الجامعة العبريّة في القدس، وعمل في السّابق كأخصائّي نفسيّ اجتماعيّ وتنظيميّ في الجيش الإسرائيليّ.

يوافق كلا المحاضرين على أنّ الصّدمة التي سبّبتها الصّور الأخيرة التي نشرتها المجنّدة أفرجيل، تدلّ على إنكار الإسرائيليّين للصورة الأكبر، على حدّ تعبيرهما. "منظومة التنكّر تشبه غرضًا يعلم النّاس بوجوده، إلاّ أنّهم ينقلونه إلى المخزن ويقفلون عليه هناك. ولذلك فهو يتوقّف عن كونه جزءًا من المعلومات التي يستخدمونها في حياتهم"، يقول شنيل ويقسّم الجمهور لاثنين، الأوّل هو اليمينيّ الذي يفضّل أن يحكم الإغلاق على الغرض تحت عنوان "لا أنسنَة الفلسطينيّ وتبنّي موقف الضّحيّة"، أمّا جمهور اليسار فيوصد قفل "غرضه" تحت عنوان الإنسانيّة والصّدمة من أعمال العنف".

يصف بروفسور شنيل المجتمع الإسرائيليّ على أنّه مجتمع يقع تحت صدمة النّزاع السّياسيّ الطّويل (الذي لا تلوح في الأفق بادرة لإنهائه) الأمر الذي يفرض عليه تبنّي واحدة من إستراتيجيتين، الأُولى هي "لا أنسنة الفلسطينيّ (الفلسطينيّون ليسوا بشرا)، والثّاني هو تبنّي خطاب الضّحيّة (نحن ضحايا هؤلاء "الحيوانات")، ومن هنا تأتي الصّدمة من أفلام اليوتيوب ومن صور الفيسبوك، من نابع اللا-أنسنة وتبنّي خطاب الضّحيّة. وحينما يتمّ بثّ هذه المناظر نُصْدَمُ لأنّها ترينا ما نتنكّر له".

أمّا بروفسور جرينباوم فيعلّق على استراتيجيّات الجمهور للتعامل مع الصّدمة التي تؤدّي لها فضائح ممارسات الاحتلال، فيقسّم تعامل الجمهور مع هذه الموضوعات إلى ثلاثة أنواع من التّعامل، الأوّل هو الإنكار، ويوافق زميله على كونها إستراتيجيّة واعية لذاتها، يحاول الجمهور عبرها أن يُبْعِدَ عن نفسه واقعًا معيَّنًا. التّعامل الثّاني هو العَقْلَنَة، أي "منظومة تساعدنا بالحفاظ على نظرة إيجابيّة للذات، في ذات الآن الذي نقوم فيه بأعمال لا تتوافق مع هذه النّظرة"، أمّا الطّريقة الثّالثة في التّعامل مع فضائح الممارسات الاحتلاليّة، هو خفض مستوى عدم التّوافق، فـ "الأعمال التي نقوم بها نشاز، ونحن نحاول أن نلغي هذا النّشاز وفق تعليلات مختلفة. "نقوم بفعل ذلك من أجل الأمن"، "كان العرب سيفعلون بنا أفظع من هذا"، "نقوم بالأمر كما يقوم به الآخرون"، حتّى أفرجيل ذاتها قالت، "كلهم يفعلون ذلك، فلماذا التصقتم بقصّتي؟".

يعلّق شنيل على التّنكّر الإسرائيليّ للممارسات الإحتلاليّة مفسِّرًا إيّاه: "بالنّسبة لمعظمنا فإنّ التّنكّر يمكّننا من الحفاظ على نظرة إيجابيّة أخلاقيّة نحو أنفسنا، في الوقت الذي نقوم فيه بقمع من نعتبرهم حيوانات".

يقول شنيل إنّه وفي عصر اليويتيوب والفيسبوك فإنّ هذين الوسيطين يقرّبان المساحة بين إسرائيل وبين الأراضي المحتلّة، الأمر الذي لربّما سيؤدّي إلى التّوقّف عن إنكار الممارسات الاحتلاليّة البشعة. لكنه يستدرك: "فائض المعلومات قرين لنقص المعلومات. الكشف المتزايد سيجعلنا ننغلق مرّة أُخرى".

يضيف شنيل أنّ الاحتلال لم يعد للدفاع عن الذّات، فالأمر اختلف منذ عقد اتّفاقيّات أوسلو والدّخول إلى ساحة المفاوضات، ويقول: "كان الجيش طيلة الوقت منافقًا، وهو أمر نشأ منذ بدايات الاحتلال"، وذلك في سياق التّنكّر الممنهج الذي يقوم به الجيش أيضًا، فدومًا يأتي النّطاق بلسان الجيش بعد فضح هكذا ممارسات همجيّة لا إنسانيّة، ليشدّد على كون الأمر شذوذًا، ولا يتعدّى سوى طفرة في أخلاقيّات الجيش الإسرائيليّ المحتلّ.

يصرّ بروفسور شنيل على أنّ هذا النّهج المتواصل من التّنكّر لما يقوم به جيش الاحتلال، سواء جاء من المواطنين أو من أفراد الجيش ذاته، هو نهج لن يختفي قريبًا، إذ أنّه ليس متفائلاً في هذا الصّدد: "يصعب جدًا التخلّص من منظومات التّنكّر. لا أتوقّع أن نصل ذات مرّة لمرحلة ندم. إذا تواجد مكان للأمل فهو متعلّق بعقد تسوية سياسيّة يوقّع عليها الطّرفان، وبعد مرحلة طويلة من المصالحة، لربّما أمكننا أن نفهم سلوكيّاتنا".

يحصي التّقرير الكثير من الأمثال والحوادث التي وثّقها جنود وفلسطينيّون، تشهد على الاختراق اليوميّ لحرمات المواطَنَة في حدّها الأدنى، كقصّة الشّاب وسام تيام، الذي انتَظَرَ على حاجز في نابلس، ليأتي دوره ويفتشّ الجنود آلة الكمان التي رافقته، وليضطرّ أن يعزف لهم. مواقف محرجة كثيرة، مسبّات وإهانات يوميّة، للصغير والمسنّ، للرجل والمرأة، على حدٍّ سواء، تشهد على أنّ الواقع الإسرائيليّ لا ينجح بالتّعامل مع نظام الاحتلال الذي خَلَقَه، ويقف مبَلبَلاً أمام سلوكيّاته.