افتتاحيتا "هآرتس" و"يديعوت احرونوت" حول تقرير لجنة اور

افتتاحيتا "هآرتس" و"يديعوت احرونوت" حول تقرير لجنة اور

كرست الصحف الاسرائيلية اعدادها الصادرة اليوم (الثلاثاء 2.9) لنشر مقاطع واسعة من ملخص تقرير لجنة اور – اللجنة الرسمية للتحقيق في العدوان البوليسي على الجماهير العربية ابان احداث اوكتوبر 2000، والتي اسفرت عن مقتل 12 مواطنا عربيا من اسرائيل، ومواطنا فلسطينيا من غزة، كان يعمل ويعيش في ام الفحم.

كما تنشر الصحف الرئيسية عددا كبيرا من المقالات والتعليقات التي تتناول التقرير من مختلف جوانبه، والتي تنطوي على كثير من التحريض على المواطنين العرب وقيادتهم، وتوجيه اتهامات لها بالمسؤولية عن مقتل الشبان العرب. وننشر فيما يلي ترجمة لافتتاحيتي "هآرتس" و"يديعوت احرونوت":


"يعرف تقرير لجنة اور، الذي نشر امس، معالجة الوسط العربي على أنها "اكثر المسائل الداخلية أهمية وحساسية، المطروحة على جدول أعمال الدولة". ومن المؤسف ونحن نأخذ هذا التشخيص بعين الاعتبار، أن يثبت لنا بأن اللجنة وقعت في تناقضات بين استنتاجاتها وتوصياتها.

" الصورة التي تعرضها اللجنة أمامنا، مقلقة بشكل غير مسبوق: فهي تشير الى سياسة التمييز المتواصلة التي انتهجتها الدولة ضد الوسط العربي، والى مظاهر التطرف داخل الجمهور العربي والتصرف غير المسؤول لقادته، الذين قادوا اجزاء واسعة من المواطنين نحو الطموح الى الانفصال عن الدولة. كما يعرض التقرير صورة عن ثقافة الادارة والتنظيم في الشرطة التي تذكر بفترة الانحطاط التي مر بها الجيش الاسرائيلي في مطلع الخمسينيات..

"في المقابل نجد ان استنتاجات اللجنة جاءت باردة، او معدومة الأسنان. فهي لا توصي باستنفاد القانون مع ايهود براك، بسبب سوء ادارته للحكومة، وتكتفي اللجنة بالتوصية بمنع شلومو بن عامي من العودة لشغل منصب وزير الامن الداخلي. ولا توصي بفرض اي عقوبات ضد النواب العرب، وتوعز باغلاق ابواب الشرطة امام بعض الضباط الكبار، بينهم القائد العام السابق، يهودا فيلك، الذي استقال من منصبه سابقا، او منع ترقية بعض الضباط الاخرين، لفترة معينة. وكان قائد شرطة المروج، موشيه فالدمان، هو الضابط الوحيد الذي طالبت الللجنة باستقالته..

"ان المسافة الفاصلة بين الحقائق البالغة القسوة التي حددتها لجنة اور، وبين الاستنتاجات التي خرجت بها، ينجم عن الفارق بين طموحها الى عرض صورة شاملة عن تسلسل الأوضاع التي قادت الى اضطرابات اوكتوبر 2000، وبين المعايير القانونية التي فحصت من خلالها، مسؤولية الشخصيات ذات الصلة. وبناء على هذا التوجه، تتهم القيادة السياسية بالفشل الذريع لامتناعها عن استباق الشر الناجم عن اندلاع حالة الغليان طويلة الامد في الوسط العربي، لكنها لا توصي بمعاقبة هذه القيادة، بادعاء ان ذلك هو مسألة يحسمها الجمهور (المقصود في الانتخابات العامة – عرب 48). وبهذه الروح تم التوصل الى ان القيادة السياسية منحت "الضوء الاخضر" للشرطة للعمل بكل طريقة ممكنة من اجل فتح محاور الطرق في وادي عارة، لكنه لم يثبت انها اوعزت اليها بالعمل "بكل ثمن" (بما في ذلك استخدام السلاح الناري)، ولذلك تعفي اللجنة القيادة السياسية من المسؤولية في هذا المجال.

"والنتيجة هي حصولنا على تقرير يتعرض بأقل ما يمكن للجهات المسؤولة: فلقد تم توجيه توبيخ كلامي الى القيادة السياسية وقيادة الاقلية العربية، وتم ايلاء التحقيق في المسؤولية الشخصية عن ظروف موت القتلى، لوحدة التحقيقات الداخلية مع الشرطة، اما التوصيات المتعلقة بتغيير السياسة المنتهجة ضد الاقلية العربية فموجهة الى الحكومة على مستوى الحث فقط. وطولبت الشرطة، فقط، بالقيام باجراء تسوية شاملة لجهازها، بما في ذلك في توجهها نحو الجمهور العربي وفي استعدادها لمواجهة التظاهرات العاصفة – وهو مطلب يعتبر مفهوما بحد ذاته اذا ما اخذنا في الاعتبار اسلوب التنفيذ المربك، كما يتضح من تقرير اللجنة..

"هذا لا يعني أنه لا قيمة لعمل اللجنة. فاستنتاجاتها بالغة الاهمية، كما ثبت من جديد، نجاعتها في تخفيف الضغط وحالة الغضب. مع ذلك، سيتم امتحان الوزن الحقيقي للتقرير من خلال ترجمة توصياته بشكل عملي. فاذا تجاهلتها الحكومة، ستصل العلاقات بين الغالبية والاقلية الى نقطة غليان لا عودة منها".

"خلال أحداث أوكتوبر 2000، وقعت هزة ارضية في البلاد"، هذا ما تكتبه لجنة أور في الفقرة الأولى من تقريرها.

مهما كان هذا التعبير بعيد المدى فإنه لا يعكس مدى حالة الارتعاد والرجفة التي أصابت المواطنين اليهود في دولة إسرائيل، خلال الأسبوع الأول من شهر أوكتوبر الرهيب، قبل ثلاث سنوات.

كان يبدو في حينه أن رؤيا الحرب العربية الشاملة ضد دولة إسرائيل بدأت تتحقق، ليس على طول حدودها الخارجية فحسب، وإنما في داخلها، أيضاً. لقد فاجأتنا حمم الكراهية للدولة اليهودية، التي اندلعت في آن واحد، في مناطق السلطة الفلسطينية وفي الشوارع المكتظة بالمتظاهرين في العواصم العربية، وفي الوسط العربي في إسرائيل. وبدون أي تحضير مسبق للوعي، وبعد أيام قليلة من لئم جراح الأزمة التي حدثت بين براك وعرفات، وجدت إسرائيل ذاتها تواجه خطر الوجود.

إذن، لم تكن "أحداث أوكتوبر 2000" بمثابة هزة أرضية. بل كانت بمثابة هزة في الوعي. عندما تنشق الأرض تبتلع البيوت والجسور. وعندما يتصدع الوعي، تتصدع معه أسوار الاخلاق وموازين المنطق. لقد انهارت مع اندلاع حرب يوم الغفران (حرب أوكتوبر 1973) النظرية التي قالت إنه يمكن لإسرائيل مواصلة السيطرة الأبدية على المناطق التي احتلتها عام 1967، والتمتع بطمأنينة المحتلين. وباندلاع انتفاضة الأقصى و"أحداث أوكتوبر 2000"، انهارت النظرية القائلة إن إسرائيل لم تعد، بعد 50 عاماً من قيامها، وبعد سبع سنوات من توقيع اتفاقيات اوسلو، التي اعترفت بموجبها بمنظمة التحرير الفلسطينية، بمثابة جسماً غريباً في العالم العربي، وعنصراً لا يمكن تقبله، ومن المفضل التخلص منه عاجلاً أم آجلاً.

تحدد لجنة أور أن "أعمال الشغب كان يمكنها أن تتطور، معاذ الله، إلى صراع قاس يشبه الصراعات الطائفية التي حدثت في بلاد بعيدة". إنه تحديد خاطئ. فالصراع اليهودي – الفلسطيني الذي تطور داخل دولة إسرائيل، خلال الأيام العشرة الأولى من شهر أوكتوبر 2000، لم يشبه الصراع الطائفي. بل كان صراعاً قومياً محضاً. وهكذا تعامل معه الشبان العرب الذين خرجوا لاسقاط النظام اليهودي الكريه، وهكذا تعاملت معه الشرطة التي لم تأت لاخماد اضطراب طائفي، وانما للانتصار على العدو العربي.

لقد اعتبرت "أحداث أوكتوبر 2000" بمثابة جزء لا يتجزأ من اندلاع انتفاضة الأقصى. وقدمت تعبيراً عنيفاً عن اليقظة القومية والاسلامية لدى الجمهور الفلسطيني الذي يعيش في دولة إسرائيل اليهودية. وهذه هي الخلفية الحقيقية لمقتل دزينة من المواطنين العرب على أيدي الشرطة. إن لجنة أور تحاول اخفاء الحقيقة تحت بساط من الكلمات، لكننا طالما لم ندرك، نحن اليهود والعرب في إسرائيل، كيف ننظر بشجاعة إلى عيون الحقيقة المفتوحة على مصراعيها، لن نتعلم كيف يمكننا تنظيم حياتنا المشتركة هنا.

هذا لا يعني، طبعاً، تطهير الوحش الذي يتكشف من خلال تقرير لجنة أور. إن استخدام الرصاص المطاطي والنيران الحية ضد جمهور المتظاهرين العرب (والعرب فقط) هو جريمة غير مبررة. لقد سلطت لجنة أور الاضواء على تجاهل الشرطة للأوامر، وعلى ترسخ ثقافة عدم قول الحقيقة في الشرطة، وعلى التأتأة الملتوية للقيادة السياسية في وقت تحتم فيه إتخاذ قرارات واضحة واظهار قيادة شجاعة، وعلى التهرب من المسؤولية عبر طرح الادعاءات الكاذبة ، على نمط "لم نعرف، لم يكن بامكاننا ان نعرف"، وعلى الكسوف الأخلاقي الخطير. ولا يمكن لأي مجتمع طبيعي، ديموقراطي ويرغب بالحياة، تقبل هذه الظواهر. بعض هذه الظواهر تلامس حدود دولة الشرطة، وبعضها الآخر يلامس حدود الفوضى.

لكن علينا ألا نوهم أنفسنا. فحتى بعد أن يتم استنفاد القانون بحق من ستتم ادانتهم، ومن الضروري استنفاد القانون معهم، وحتى بعد أن تبدأ، أخيراً، عملية ازالة وصمة التمييز غير المحتمل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، عبر تخصيص موارد الدولة (المعطيات تشير إلى ان مواطناً واحداً من بين كل مواطنين عربيين في إسرائيل، يعيش تحت خط الفقر)، لن تجد المشكلة المصيرية التي تواجهها دولة يهودية تعيش فيها أقلية فلسطينية كبيرة، حلاً لها من تلقاء ذاتها.

لا يمكن للمتعة الاقتصادية أن تشطب الاعتراف القومي. ولكي لا تتكرر أحداث أوكتوبر 2000، يتحتم التوصل إلى إتفاق سياسي، إسرائيلي – فلسطيني، شامل وإلى سلام ومصالحة تاريخية بين الشعبين. وهذا ليس من مهام اللجان، وانما من مهام قادة الأمم.