بين اهداف الحملة على رفح: "اعادة الارهاب الى مستوى يمكن احتماله"!

بين اهداف الحملة على رفح: "اعادة الارهاب الى مستوى يمكن احتماله"!

زعمت الصحف الاسرائيلية الصادرة صباح اليوم، الثلاثاء، ان الهدف المركزي من الاجتياح الاسرائيلي الهمجي لرفح، الحاصل في هذه الايام، هو القضاء على تهريب الاسلحة التي تدعي اسرائيل ان مجموعات فلسطينية تقوم بذلك عبر انفاق تمر تصل رفح الفلسطينية بالاراضي المصرية. ويسود الانطباع لدى قارئي الصحف (وكافة وسائل الاعلام الاسرائيلية الاخرى، المرئية والمسموعة) ان في هذه المنطقة هناك عدد لا نهائي من هذه الانفاق أو ان هناك شوارع واسعة حفرها الفلسطينيون تحت الارض. وجدير بالذكر هنا ان اسرائيل "بعظمة" اجهزتها الاستخباراتية وشبكة العملاء المحليين الفلسطينيين الواسعة للغاية، اعلنت قبل اشهر ان هناك 13 نفقا كهذه لتهريب الاسلحة. وتحديد عدد الانفاق يعني ان الاستخبارات الاسرائيلية تعلم تماما مكان هذه الانفاق. وبالامكان المراهنة هنا على ان اجهزة الاستخبارات بالغت بعض الشيء في عدد هذه الانفاق. ومنذ الاعلان عن وجود الانفاق الـ13 المزعومة، نفذت قوات الاحتلال عددا كبيرا من الحملات العسكرية واسعة النطاق، التي تطلق عليها وسائل الاعلام العربية وصف "عمليات توغل" في رفح، التي تخللها هدم عشرات من بيوت الفلسطينيين خصوصا عند الشريط الحدودي مع مصر. الا ان المحللين العسكريين والسياسيين الاسرائيليين لا يذكرون هذه الحقائق امام جمهور قرائهم بالرغم من انهم يتمتعون بذاكرة قوية قلما يتمتع بها محللون من غير الاسرائيليين.

وكتب الصحفي أليكس فيشمان في "يديعوت أحرونوت" (بالمناسبة فيشمان هذا كان وصف الفلسطينيين بـ"أكلة لحوم البشر" – كانيبالز- بعد عملية تفجير المجنزرة الاسرائيلية في الاسبوع الماضي)، كتب ان "تركيز القوات (الاسرائيلية) بهذا الحجم لم تشهد غزة مثيلا له منذ حرب الايام الستة". لكنه اردف انه بالرغم من ان القيادة العسكرية لا تخطط لحملة "سور واق" ثانية، "لكن عندما تبدأ الدبابات بالزحف وعندما يبدأ جنود المشاة يجوبون الازقة، فان كل شيء يكون مفتوحا".

وبحسب المعلومات التي بحوزة فيشمان، فان طالحملة العسكرية (في رفح) ستتدحرج بشكل تدريجي، لتشكل سلسلة من الضغوطات العسكرية المتصاعدة. وثمة محطة في نهاية كل مرحلة يمكن خلالها وقف الحملة وكبح آلة الحرب. وتكمن الغاية من هذه المحطات بتمكين اي جهة، دولية او عربية، كمصر مثلا، من تقديم المساعدة لانجاز الهدف المحدد للحملة: وقف اعمال التهريب بواسطة الانفاق في رفح. ولكن لان الاحتمال بان يكون هناك تدخلا هو احتمال ضئيل للغاية، يبدو انه سيتم تنفيذ العملية العسكرية الاسرائيلية حتى نهايتها".

وافاد الصحفي ان "المرحلة القادمة ستشمل دخول (القوات الاسرائيلية) الى المناطقة المكتظة بالسكان، عزل خلايا ميدانية، بحث عن اسلحة، معالجة امر (اي قتل) المسؤولين عن اعمال التهريب والعائلات التي تسيطر على الانفاق، اعتقال مسلحين ومطلوبين وتنفيذ تحقيقات تقود الى الكشف عن (مكان تواجد) مطلوبين واسلحة اخرى(!)". وتابع انه في "المراحل الاولى سيحاول الجيش الامتناع عن قتال من بيت الى بيتوسيتركز القتال ضد اهداف مختارة. لكن الخطط في الحرب تبقى في الغالب خططا على ورق، ولا تكون هناك علاقة كبيرة بينها وبين ما يحصل على ارض الواقع. فقد اعلن الفلسطينيون انهم سيقاتلون من بيت الى بيت".

ولفت فيشمان الى ان "الجيش يريد معالجة امر قادة الارهاب الفلسطيني المحليين"، مشيرا الى ان القيادة العليا يتم "تصفيتها" من الجو.

ويتجاهل الكاتب الاضرار الكبيرة للغاية التي تلحق بالمدنيين الفلسطينيين. اذ اعتبر ان "الجيش الاسرائيلي يملك اليوم خبرة واسعة جدا في القتال داخل مناطق مأهولة. وطور نظريات قتال متقدمة (!)، وانشأ اجهزة سيطرة ومراقبة في غاية التطور واقتنى وسائل خاصة لاستخدامها في هذا النوع من القتال، وبضمن ذلك جمع معلومات استخباراتية خلال الحدث في النهار وفي الليل. واعتبر ايضا، انه كانت هناك نجاحات في هذا النوع من القتال خلال اجتياح الضفة الغربية قبل سنتين في ما يعرف بحملة "السور الواقي". اذ "اوضح القتال الدموي في جنين مستويات الخطر والتورط التي قد تنشأ في مثل هذا النوع من القتال داخل مناطق مأهولة بازدحام شديد ومعادية".

وقال ان مدة حملة التطهير العرقي التي يمارسها جيش الاحتلال منوطة بالمقاومة الفلسطينية داخل رفح. "فاذا اختار المسلحون القتال بعناد، فان الحملة على ما يبدو ستستمر مدة اسبوع او اكثر. فالمسلحون يعرفون المنطقة جيدا، الطرق المختصرة، والطرقات للهروب. وستكون هناك عبوات ناسفة، صواريخ ضد الدبابات وقناصة بانتظار الجيش وعندها سينتقل القتال ليصبح قتالا من بيت الى بيت".
شكك فيشمان فيما اذا كان للجيش الاسرائيلي "نفسا طويلا" و"مهلة من الناحية السياسية" كافية لتنفيذ الاهداف المركزية التي وضعها لنفسه. "اذا لم ينو الجيش الاسرائيلي المكوث فترة طويلة في الخلايا الميدانية التي سيحتلها، ويبدو ان النية كذلك، معنى ذلك اننا نتحدث عن انجازات محدودة في حجمها، تتعلق بشكل اكبر بوعي الخصم. والمقصود انزال ضربة قاسية تلحق ضررا بالقيادة المحلية، هدم البنى التحتية للارهاب، تخرج الخصم من توازنه وتجعله مصعوقا ومزعزعا ليعود الى مستوى ارهاب "يمكن احتماله" (اي عدم المس بالجيش والياته ومعنوبات الجنود!)، على الاقل لفترة معينة. وسيعزز الجيش، من ناحيته، ثقته بنفسهوسيخترق "الحاجز النفسي" من خلال السيطرة على الخلايا الميدانية في مدن القطاع. لكن من الواضح تماما انه في اللحظة التي ينسحب فيها الجيش الاسرائيلي، ستعود الاعشاب البرية للنمو"..

واشار الكاتب الى هدف اخر للحملة العسكرية الاسرائيلية وهو توسيع محور فيلادلفيا الحدودي. وكتب انه "عندما تكون رفح معزولة ومحاصرة، وفيما يقاتل المسلحون بضراوة، فان على الجيش ان يستغل الفرصة لتوسيع محور فيلادلفيا". واشار الى ان مخطط حفر قناة مياه مالحة على طول هذا المحور لن ينجح. اذ يتم بحث هذا المخطط منذ عامين وتبين ان تنفيذ هذا المخطط سيؤدي الى تغلغل المياه المالحة الى المياه الجوفية في المنطقة وستلحق ضررا كبيرا بالمياه الجوفية التي يستخدمها المواطنون في جانبي الحدود بين غزة واسرائيل، الفلسطينيون والاسرائيليون. واضاف ان رصف القناة بالاسمنت او بمادة اخرى سيكلف مبالغ طائلة بالكاد تتمكن من تنفيذها دول عظمى اقتصاديا. "لذلك سيبقى مخطط قناة المياه هذه على الورق فقط".

وكتب بهذا الصدد ان "الجيش يطالب باقامة شريط عازل بعرض الف متر، مما يعني، اذا سمح بذلك القانون، هدم مئات البيوت على طول محور فيلادلفيا . ومن شأن اقامة محور بعرض 800 الى 1000 متر ان يضع صعوبات تقنية معقدة امام الجانب الاخر (الفلسطيني) لحفر انفاق طويلة. كذلك فان محور عريض كهذا يوفر الحماية الجيدة للمن يسير فيه (من الاسرائيليين، جنودا ومستوطنين)".

كتب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، زئيف شيف، ان ثمة هدفين للحملة العسكرين التي تشنها اسرائيل على رفح: "المهمة المركزية هي عزل المدينة في محاولة لمنع تهريب الاسلحة من تحت محور فيلادلفيا؛ ومطلب الجيش باعتقال مقاولي حفر الخنادق من سيناء الى رفح". واضاف انه لم يتم تحديد المدة الزمنية للحملة سلفا "لكن من الواضح ان الجيش الاسرائيلي لا ينوي البقاء مدة طويلة في رفح".

واكد شيف على ان "العمليات العسكرية على طول محور فيلادلفيا تهدف الى توسيع المحور وتفجير بيوت محاذية اطلق مسلحون فلسطينيون منها النار على الجنود الاسرائيليين". لكنه زعم ان "هدف الحملة العسكرية يختلف عند الحديث عن داخل رفح. في هذه الحالة لا توجد نية بهدم بيوت او توسيع محاور".

وتابع شيف ان "الهدف هو خلق حاجز اضافي، مؤقت، يتم من خلاله منع توزيع الاسلحة التي جرى تهريبها بواسطة الانفاق تحت محور فيلادلفيا". وادعى ان تعليمات صدرت للقوات مفادها "العمل بحذر بالغ من اجل منع حدوث مشاكل انسانية صعبة. لكن رغم ذلك من الواضح ان السكان الفلسطينيين سيعانون بسبب جهود الجيش الاسرائيلي الرامية لمنع تهريب الاسلحة".

ولم يخجل هذا المحلل العسكري الذائع الصيط، الذي يبدو انه اصبح ينسى بسبب كبر سنه وجود عدسات التلفزيون التي توثق الجرائم الاسرائيلية البشعة، خصوصا ما يتعلق بجرف البيوت، عندما كتب انه "قبل بدء الحملة في القطاع ولم تطلق بعد رصاصة واحدة، وصلت شكاوي الى الانروا حول هدم بيوت في رفح. ولدى جهاز الامن معلومات بخصوص حالات ازال فيها اصحاب البيوت (الفلسطينيون) اسطح بيوتهم المصنزعة من الصفيح وطالبوا بتعويضات جراء هدم البيت"!!

وكتب ان "الحملة العسكرية لن تنتهي باقامة حزام دفاعي الى الشمال من رفح، غايته منع تهريب الاسلحة الى شمال القطاعز بل ان النية انعقدت على اعتقال مقاولي وخبراء حفر الانفاق المتواجدين في مدينة رفح او في مخيم اللاجئين. ويعد هؤلاء بضعة عشرات من مقاولين الذين يمولون حفر الانفاق، مهندسين وخبراء اخرين"!

ولصرف النظر عن الجرائم التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي في رفح، من قتل وهدم وتدمير، راح شيف يضع تفاصيل حول عمل من يحفرون الانفاق والاسلحة المهربة من صواريخ آر بي جي وبنادق كلاشينكوف... ولابتزاز مشاعر الانتقام لدى الاسرائيليين على تفجير المجنزرتين في الاسبوع الماضي كتب شيف انه "يبدو ان كميات كبيرة من المتفجرات تم تهريبها عبر هذه الخنادق" وذلك على الرغم من ان مصادر اسرائيلية كانت اعلنت بعد تفجير المجنزرتين ان الفلسطينيين استخدموا موادا بسيطة بينها كتلك الموجودة في الاسمدة الزراعية، اضافة الى ان الدمار الهائل الحاصل للمجنزرتين سببه وجود كميات كبيرة من المتفجرات بداخلها، لاستخدامها في تفجير الانفاق..
زعمت صحيفة "معاريف" ان مدينة رفح هي "مستورد السلاح لكافة المنظمات الارهابية الفلسطينية. بالامكان ان تجد مطلوبين، اسلحة وعبوات ناسفة في كل مدينة بقطاع غزة. لكن ثمة اهمية استراتيجية لرفح تجعلها تؤثر على مشهد القتال بأكمله، سلبا او ايجابا. تدمير الانفاق سيؤدي الى تجفيف مصادر الاسلحة واهمال رفح سيدخل الى المنطقة اسلحة بمقدورها ان تقوض اسس المواجهة بشكل اكبر، مثل جلب بضعة صواريخ مضادة للطائرات او كاتيوشا"!

وادعت الصحيفة ان "الحملة العسكرية تتطلع الى وقف الظاهرة الموجودة في رفح منذ اكثر من 20 عاما"، اي بعد تقسيم رفح بموجب اتفاقية "كامب ديفيد" بين اسرائيل ومصر. واضافت انه "جدير ان نتذكر ان اسلحة ومتفجرات بكميات كبيرة موجودة في رفح، ولذلك فانه على المدى القريب لن يساعد توسيع محور فيلادلفيا وتدمير الانفاق على تغيير شكل القتال داخل غزة".