حرب لبنان الثانية وحرب الـ73 وأوجه التشابه بينهما في المشهد الإسرائيلي..

حرب لبنان الثانية وحرب الـ73 وأوجه التشابه بينهما في المشهد الإسرائيلي..

هناك شعور إسرائيلي مشابه لذاك الشعور الذي ساد في أعقاب حرب الـ73، الشعور بالفشل والصدمة والتوجس من المستقبل والقلق على الوجود.
لقد تحدث كثير من المحللين عن أوجه الشبه بين الحربين، رغم أن الحرب الأولى كانت مفاجئة لإسرائيل بينما الأخيرة كانت بقرارها ومبادرتها. وشكلت الأولى خطرا جديا على وجودها بينما الحرب الأخيرة هي اختيارية ولا تهدد وجود إسرائيل بشكل فعلي. إذن لماذا يصر الكثيرون على الربط بين الحربين. ورغم اختلاف الوقت والظروف وحجم المعارك فإن الإسرائيلي العادي الذي لا شان له في التحليلات السياسية ربط بشكل تلقائي بين الحربين، على الأقل هذه ما شعر به.

نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت لقاءات أجرتها مع خبراء في الإعلام والاتصال وحاورتهم حول هذا الرابط بين الحربين.

ويقول تقرير يديعوت:" الحرب ليست نفس الحرب، وهذه ليست نفس الدولة، وهؤلاء ليسو نفس الجنود وبالتأكيد ليس نفس العدو. 33 سنة تفصل ما بين حرب الغفران وبين حرب لبنان الثانية. الأولى حرب وجود أمام الجيوش العربية، والثانية حرب اختيارية أمام تنظيم غريلا. لماذا يتحدث الكثيرون في هذه الأيام على إحساس مشابه للكسر في المجتمع، والصدمة، والحاجة إلى رموز مناهضة للسلطة، كموطي أشكنازي ولجنة تحقيق ضد السلطة".

ويضيف التقرير:" حوار مع خبراء إعلام وثقافة تبين أن لهذا الإحساس أساس. ليس حجم المعركة هو من يحدد وليس أيضا عدد الضحايا والجرحى، بل الشيئ اللاملموس الذي يسمى " إحساس الجمهور". عايش سكان إسرائيل في أغسطس 2006 "يوم غفران" صغير، ولكن هام، ويحدد فهمهم للسلطة ولمن يمسك بزمام الأمور، والجيش ومستقبل الدولة".

ويضيف التقرير: يعتقد د. دافيد غوربيتس، رئيس قسم الاتصالات في معهد الإدارة، أن حرب73 وحرب لبنان الثانية متشابهتان من ناحية التصدع الذي حصل لصورة إسرائيل القوية والمهيمنة. وقال:" لم تهزم إسرائيل في أي من حروبها ولكن تضررت صورتها كثيرا في حرب73 وفي حرب لبنان الثانية. ويضيف:" عمليا انتصرنا ولكن الإحساس السائد هو أننا هزمنا. والمفهوم هام جدا وهو ما يحدد، لا يهم ما هي النتيجة على الأرض بل المهم هو شعور الناس، وهذه هي إحدى سمات هذه الفترة. لا يوجد "جيد" واحد وواضح، كل واحد يعرف ما هو الأفضل بالنسبة له لهذا يريدون تغيير القيادة. لا يوجد هنا علاقة بالصدفة، والرغبة في التغيير مشتركة للحربين".

وحسب رأي دان عيرف، باحث اتصال:" نتحدث عمليا عن نفس الموضوع- صدمة حرب الغفران التي اندلعت من جديد في لبنان. الصدمة هي وسيلة وعنصرمؤثر في الهوية الوطنية الإسرائيلية، لذلك هناك محاولة دائمة لتخليدها. نحن كشعب مختار، ووجد في تنقل دائم ولديه تاريخ رائع في البقاء، يخلد الصدمة".

ويضيف: " نحن نحافظ على الصدمة. والحاجة للحفاظ عليها والعناية بها موجودة لدينا في الـ (D.N.A). وهذه هي العلاقة بين الهوية والذاكرة. الصدمة في إسرائيل هي آلية لانتاج التوجس. الخوف هو مصيدة تعرفنا ولكن تخلد نفسها أيضا. خلقنا ثقافة شاذة، مريضة وواهمة فيها حنين للصدمة. لا أقول أنه ليس لدينا أسباب للتوجس، ولكن السؤال هو لماذا نحن متعلقون باصطلاح "خراب الهيكل الثالث؟".


ويقول:" التَوَجُّس موجود، وهو شيئ نحمله معنا حيث نذهب، وبرأيي أنه حقا ليس عاملا جغرافيا بل عاملا ذهنيا. ذلك أن عنوانك هو حيفا وعنوانه تل أبيب- من ناحية التوجس والصدمة الجماعية لا تشكل فارقا".

"ويضيف: " تتميز حرب لبنان الثانية من ناحية إعلامية بالأساس في التكنولوجيا المتطورة التي مكنتنا من مشاهدة الحدث على شاشات التلفزيون. ليس غريبا أنها حملت لقب " حرب البلازما". كلنا نحب مشاهدة التلفزيون، كلنا نشارك في رونق التكنولوجيا لأنها تمنح شعورا بالسيطرة. التكنولوجيا الحديثة هي شيئ يمكن عرضه بطريقة مراقبة زمسيطر عليها. التكنولوجيا الحديثة التي تمكن من مشاهدة الحرب كباقي الجنود عبر شاشات التلفزيون. في حرب لبنان الثانية الضباط أيضا هم مشاهدو تلفزيون يجلسون في غرفة التحكم ويشاهدون المعركة ويشعرون أنهم يسيطرون على الأرض. ولكن كلما زاد تطور أجهزة التحكم تضعف السيطرة على الأرض. وكلما ابتعدت أكثر ترى أكثر ولكنك تسيطر بشكل أقل".

يقول د.غوربيتش "يقولون أنه في الصورة النهائية الشاملة وخلال المعارك في لبنان كانت هناك انجازات ليست قليلة، ولكن الإحساس الذي تملك الجمهور العريض هو الدمار، لأن الذي يحدد هو المفهوم ." ويضيف" مني سلاح الجو القادر بالهزيمة، ومني قائد هيئة الأركان بالهزيمة، والشعور العام هو أن إسرائيل هزمت، وحولت وضع "قادرون على كل شيء" إلى حالة مهزومة. ولكن من المهم أن نفهم أن الصورة كانت مشوهة قبل أن تندلع الحرب. فقد تم عرض حزب الله على أنه عصابة ارهابية عديمة القدرات الحقيقية على القتال. فإذا اهتم الجيش أن يمنح صورا كتلك للطرف الآخر، ولا يتمكن خلال المعارك من التعامل مع هذه العصابة، فبالتأكيد صورته ستتضرر بشكل كبير. الصورة المشوهة في هذه الحرب تذكرنا بالصورة التي تتم فيها عرض العرب بعد حرب الأيام الستة، ونفس الصورة تفجرت لنا في وجوهنا في الـ73. هناك انهيار للسياق الذي عرفناه، لا نفرق عمن يحيطون بنا. الآخر دائما في عيوننا متخلف وفجأة ينكشف أمامنا بشكل آخر، حكيم ولديه قدرات تساوي قدراتنا القتالية".

ويضيف: " الخط الموازي لذلك هو الإحساس بضياع الثقة في الجبروت الإسرائيلية. الإحساس اليوم لاذع أكثر مما كان عليه حينما حاربنا جيوشا نظامية. الكسر يتضح اليوم أكثر فأكثر لأننا نحن من بادرنا إلى الحرب في حرب لبنان الأخيرة. وبعكس الـ73، خرجنا إلى الحرب بتوقيت مناسب لنا ... ورأينا النتيجة. استعدادنا للتضحية اليوم أقل بكثير. فنحن مجتمع مترف، مجتمع مجمعات تجارية".

ويضيف: " في الـ73 كان هناك إحساس بأن إسرائيل "ظهرها إلى الحائط" لهذا ولد هناك أبطال خلال الحرب. وفي حرب لبنان الأمر مختلف. إسرائيل هي من أرسلت جنودها إلى المعارك ولم يفرض عليها شيئ. فحينما ترسل الجنود إلى الموت وتفشل.. يبدو ذلك كنكتة قاسية. قصص البطولات حول جوالة القيادة العامة (المتكال) يصنعها الإجماع، وحينما يتخلخل الإجماع ، تتطاير قصص البطولات".

ويضيف: " ربما الاحتجاج الجماهيري يغير شيئا؟ " الاحتجاج هو أيضا وهم فما هو الاحتجاج إذا لم يكن قصة جيدة في مركزه صراع بين طرفين وفي داخله الإنسان. الاحتجاج أيضا يمر في تركيبة معادة ونحن نتعلق بها. في حرب الغفران كان حقا احتجاج حقيقي ولكن بنظرة ارتجاعية يمكننا أن نقول أنها أخذت وزنا أكثر بكثير مما هي عليه من ناحية تاريخية، على ما يبدو من منطلق الرغبة في الإصلاح- لقد كان العنوان على الجدار ولم ترونه. ولكن الاحتجاج لم يكن عصيانا مدنيا ولم تكن مظاهرات في ساحة "ملخي يسرائيل". كانوا يتظاهرون في محيط مبنى رئيس الحكومة، موطي أشكنازي وجنود احتياط آخرون، ولكن كان هذا محدودا- وهذا ما يحدث أيضا اليوم. الاحتجاج اليوم ليس حقيقيا لأنه لا يحاول أن يعترض على الدارج والطريقة. في المجتمع المترف الاحتجاج هو بذخ ومخصص لقلة، لأن هذه تماما هي تصرفات مجتمع مترف- هو يمتلك لنفسه الاحتجاج. انظروا ماذا حدث مع رافضي الخدمة العسكرية- اليوم الرافض للخدمة العسكرية مرغوب به ويخرج مع عارضات أزياء، وفي الماضي كانوا يعلقونه في الساحة العامة".

ويضيف: " من المهم أن نفهم أن الاحتجاج هو أيقونه – وخانة تتموقع في تجربة الحرب. وهي تبقى جزء من اللغز- من يوم الغفران حتى حرب لبنان. لديه دور في القصة التي تعرض المجتمع كمجتمع منفتح، ليبرالي، مفتوح للنقد وللأراء الاخرى والاستثنائية. ولكن بقلب المعادلة يمكن الادعاء أن الاحتجاج هو تثبيت للوضع القائم أكثر من كل شيئ آخر. فمجتمع يعيش بالسيف ويحارب على وجوده، يجعل الرفض للحرب يتصرف كاحتجاج مؤسس وداخل إطارات ومفاهيم محددة. الاحتجاج في البلاد هو أمر نسبي – وهو مقطع من الفيلم . هناك عدة جهات تمتلك الاحتجاج لنفسها. أنتم فاسدون- حصلتم على حرب. قمتم بفك الارتباط- حصلتم على حرب. فبالتالي يخضع الاحتجاج لأجندة معينة".

عيرف مقتنع أن أن كل ثقافة "لجان التحقيق" تخلد الأسلوب. نحن موجودون في ثقافة الحرب والخروج إلى القتال. لجنة تحقيق لن تغير دائرة السحر تلك بل ستخلدها. وهذا تعبير عن توجه تملكنا منذ يوم الغفران. يوجد مشاكل؟ نلتقي في المحكمة . كان فشل؟ سنفحص. يعطون للمحاكم القوة. لا يمكننا التباحث فيما بيننا بل فقط بنظارات قضائية.

وينهي:" تحقيق حقيقي هو تحقيق أخلاقي، ليفحص لماذا نحن داخل تلك الثقافة والمفاهيم وهذه الدائرة. هل حقا لا يوجد مخرج؟ لماذا نقدس الدم؟ ونفضل التسرع والقول- فليفحصوا. هل هذه حقا هي مشكلتنا؟ أن يستقيل حالوتس أو يستقيل أولمرت... لا فرق في من يأتي بدلا منهما، لأنه سيعمل في نفس الطريقة. هذه ثقافة الخالع والمخلوع".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018