"خيانة الدولة.."

"خيانة الدولة.."

[[ كل لجان التحقيق لن تنجح في التكفير عن الجرائم الحقيقية التي حصلت أمام نواظرنا في حرب لبنان الثانية. فقد اختفت الدولة، كأنما ابتلعتها الأرض. لم تكن حاضرة في بلدات الشمال في الساعات الصعبة التي مرت على السكان الذين ظلوا في بيوتهم. الدولة تمتحن في اللحظات الصعبة، وفي هذا الإمتحان فشلت إسرائيل.

لقد كشفت الجثث الطافية في نيوأورليانز بعد عدة أيام من إعصار كاترينا عن الوجه الحقيقي للولايات المتحدة. فالدولة العظمى أظهرت عجزاً أكثر ما يناسب دولة مثل بنغلادش. فالرئيس جورج بوش، الذي يتخذ قراراته بسرعة عندما يكون الحديث عن الحرب، يحتاج إلى أربعة أيام حتى يقرر زيارة لويزيانا.

لقد كشف الإعصار كاترينا ضعف الأيديولوجية التي "تنظر" لإضعاف الدولة لصالح مؤسسات اقتصادية خاصة في السوق الحر. وطالما يسود الرخاء الذين يتمتع به الجميع، فكل شيء على ما يرام، ولكن في اللحظة التي تندلع فيها أزمة إنسانية، تتكشف هذه المفاهيم بكل قسوتها.

وهذا ما حصل في بلدات الشمال أثناء الحرب. فقد دخلت الدولة إلى لبنان، وفي المقابل هربت من بلدات الشمال، وهي تأمل أن تقوم الجمعيات والهيئات غير الحكومية بالوظيفة التي كان يفترض أن تقوم بها.

هذا الهروب عكس بالضبط الوجه الحقيقي لإسرائيل. في انتصارات حكومات اليمين واليسار، أهملت الدولة في العقدين الأخيرين وظائفها الأساسية وحولتها إلى السوق الحر والهيئات التطوعية والجمعيات الخيرية.

كانت المشاهد التي تكشفت في بلدات الشمال ينكسر لها القلب. فقد بدأ النزوح في اليوم الثاني والثالث للحرب. ومن كان بمقدوره أخذ عائلته والنزوح فعل ذلك. رأيت قوافل من آلاف السيارات تهرب من حيفا بعد أيام من بداية الحرب، كل واحد ينجو بنفسه، كل بحسب قدرته.

وبقي في المؤخرة عشرات الآلاف ممن لم يكن بإمكانهم الهروب. سواء بسبب وضعهم الإقتصادي، أو الصحي. وفي الأيام الأولى للحرب لم يقل لهم أحد ما العمل. وبعد أن طلب منهم النزول إلى الملاجئ، تبين أنه لا يمكن المكوث في الملاجئ. لقد تركزت الدولة في الحرب وأهملت الجبهة الداخلية..

اختفت السلطات المحلية أيضاً مع اختفاء الدولة. وفي ظل غياب التوجيهات، هرب بعض الموظفين في السلطات المحلية أيضاً. وحتى السلطات المحلية التي حاولت القيام بدورها وجدت "الحوض مكسوراً".

فقبل الحرب كانت غالبية السلطات المحلية غارقة في أزمات مالية، وبالكاد تمكنت من دفع رواتب مستخدميها. وعندما طلب منها معالجة شؤون آلاف المتبقين في الملاجئ، تبين أنه لا يوجد لديها القدرات المادية والإقتصادية. وتوجه رؤساء السلطات المحلية إلى الحكومة بطلبات مساعدة، ولكن لم يكن من مجيب.

وهكذا وجد عشرات الآلاف أنفسهم بدون ملاجئ (يمكن المكوث فيها)، وبدون طعام أو شراب، وبدون علاج طبي أو مراقبة طبية. وطوال فترة الحرب لم تكن هناك أية سلطة حكومية واحدة ذات صلاحيات يمكنها معالجة شؤون الجبهة الداخلية، فكل الأجهزة الإجتماعية قد انهارت.

ودخل إلى الفراغ الذي نشأ عدد من الجمعيات والشركات والهيئات التطوعية التي اكتشفت أمامها دماراً اجتماعياً لم يسبق أن حصل أسوأ منه منذ قيام الدولة.....

...... ويقول أحد المتطوعين:" كان لدي إحساس بأن هذه نهاية الدولة.. كأنما لم تعد قائمة في كريات شمونه وشلومي ونهارية ومعالوت وصفد وعكا وعشرات البلدات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، اليهودية والعربية والدرزية والشركسية.. انهار كل شيء"....

........

هذه الجريمة الإجتماعية التي ارتكبت أثناء الحرب، حصلت بسبب أيديولوجية تطمح بتحويل إسرائيل إلى أمريكا صغيرة. وفي هذه الأثناء لا تبدو أكثر من كاريكاتير لها. ففي العقدين الأخيرين تآكلت شبكة الأمن الإجتماعي وواجب الدولة تجاه الطبقات الضعيفة، وحدث خلل في التوازن بين مصاريف الأمن وبين المصاريف الإجتماعية، في غير صالح الأخيرة، ووصل أوجه في السنوات الخمس الأخيرة، في ظل الليكود وحكومة شارون.

من الصعب التصديق أنه قبل أقل من 6 شهور جرت انتخابات، كان يقف في مركزها الطموح لتصحيح مجتمع تشوه بسبب الفجوات الإجتماعية. وحظي إيهود أولمرت، سوية مع عمير بيرتس، على ثقة الجمهور على أساس التعهدات بالتصحيح.

هذا القصور الإجتماعي في الشمال هو جريمة أصابت الخلايا الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي. ومن الصعب تقدير عدد المواطنين الذين ماتوا جراء الوضع الذي علقوا فيه. ولن يقيم أحد نصباً تذكارياً من أجلهم.]]


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018