"سندفع، لا بد، ثمنا لغلطة المحكمة العليا"..

"سندفع، لا بد، ثمنا لغلطة المحكمة العليا"..

إن التسامح الذي أبدته "المحكمة العليا" تجاه الأحزاب العربية سيشجّع المتطرفين ويهمّش المعتدلين الذين يشكلون في الوقت الراهن الأغلبية. يجب على الديمقراطية أن تتشبث بمواقفها وأن تعتمد القبضة الحديدية ضد من ينادي إلى إبادتها.

ساعدتنا ألعملية العسكرية في قطاع غزة في أن نفهم جيدا أي واقع نعيش. فتوجّهات عدم الإخلاص التي تتبلور لدى العرب في إسرائيل، تثير الذعر حقا ويجدر بنا ألا نهملها، إنما بالعكس، يجب علينا أن نعمل أي شيء لكي نغيرها. ويجب على الديمقراطية أن تتشبث بموقفها، لكن قرار المحكمة العليا، في هذا السياق، بالنسبة للأحزاب العربية، هو خطأ سندفع، لا بد، ثمنه.

إننا نلحظ يوميا تطرفا متصاعدا لقياديي الجمهور العربي ضد أسس دولة إسرائيل، التي يعيشون وينالون فيها حقوقهم. غير أن كثيرين من المواطنين، وأثناء الحرب ضد منظمة إرهابية عنيفة، والتي وضعت نصب أعينها هدفا إبادة دولة إسرائيل، يبدون تضامنا فظا مع العدو. إنه تصرّف يلامس مساعدة العدو أثناء الحرب، لكننا، حتى الراهن، لم نفعل شيئا لمعالجة هذه المسألة التي تهدّد بانهيارنا من الداخل.

من الخطأ الاعتقاد بأن جميع العرب في إسرائيل هم خائنون. هنالك أيضا مواطنون أوفياء الذين يقدرون جيدا المحاسن العظيمة في كونهم مواطنين إسرائيليين، وليسوا مواطنين في رام الله أو غزة. هنالك أساس لبناء علاقات متينة مع هؤلاء، لكن التطرف الذي تقوده جهات مثل لجنة المتابعة العليا يشكل خطرا على نسيج العلاقات الحسّاس بيننا وبين مجمل السكان العرب.

يجب علينا، الآن وأكثر من أي وقت مضى، أن لا نتجاهل هذه المشكلة الخطيرة. يجب على دولة إسرائيل أن تقوّي من يرغبون بالتعايش، ولكن أن تعتمد، في موازاة ذلك، القبضة الحديدية ومحاسبة أولئك الذين ينادون بإبادتها ماديا وروحانيا. الوضع حتى الراهن عبثي: حيث أن غير المخلصين يتجوّلون بثقة وأمان فيما يشعر من يمثّل الصوت العقلاني بأنه مهدّد. فالتسامح الذي أبدته المحكمة العليا بالأمس، سيشجّع المتطرفين ويهمّش المعتدلين الذين ما زالوا يشكلون الأغلبية.

هدفنا الأسمى هو أن نغير الاتجاه حالا. حيث يجب أن يشعر كل من يرغب في التعايش بأنه في أمان وأن يحصل على كامل الحقوق، بينما مكان أولئك الذين لا يتماهون مع دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، على ما يبدو، ليس معنا كمواطني الدولة.

يتذمر أعضاء لجنة المتابعة أنهم "مضطرون لحمل المواطنة الإسرائيلية"، علما أن لا أحد يجبرهم على ذلك. من لا يحمل المواطنة الإسرائيلية بقناعة تامة، من الأفضل أن يتنازل عنها. من يتماهى مع نظام حماس، يمكنه أن يجرب العيش تحت حكمها في غزة. ويستطيع أولئك الذين رقصوا على السطوح عندما كان حزب الله يطلق الصواريخ على شمال إسرائيل، أن يجربوا الحياة تحت حكمه. الديمقراطية الإسرائيلية ليست ملزمة باحترام أولئك الذين يبغون القضاء عليها.


ألوفاء هو حق وواجب. على كل مواطن أن يحترم وثيقة الإستقلال وطابع دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. ويجب أن تكون هذه بلاغا لكل المواطنين دون فرق في الدين والعرق والجنس. وعلى دولة إسرائيل أن تؤكد أيضا على أن الوفاء هو أمر يستحق العناء. ويعني هذا أن يتمتع كل من يبدي وفاء مطلقا بمساواة تامة، لكن لا يمكن لأولئك من غير المخلصين أن ينعموا بمساواة كاملة. فالقاعدة بسيطة: أقل وفاء – أقل حقوقا، وأكثر وفاء – أكثر حقوقا.

عندما نرى مظاهرات التضامن مع حماس أثناء الحرب، وعندما نسمع رؤساء بلدات وأعضاء كنيست يقبضون رواتبهم من الدولة ويمجّدون الشهداء، وإذ نرى الأعلام الفلسطينية ترفع باعتزاز في قلب تل أبيب، فإننا ندرك أن الوقت قد حان للعمل. وقد حان الوقت لأن نبعث بلاغا واضحا للحكومة القادمة: لا مواطنة بدون الوفاء للدولة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"