كيف يمكن أن نستغل وقف إطلاق النار بشكل صحيح؟

كيف يمكن أن نستغل وقف إطلاق النار بشكل صحيح؟

وقف إطلاق النار يثبت هشاشته في مرحلة مبكرة، والإثبات على ذلك هو الصواريخ التي سقطت، بعد ظهر يوم الاثنين، في النقب. وعلى ضوء ذلك يمكن أن نفهم خيبة أمل قائد المنطقة الجنوبية وقائد فرقة غزة العسكرية حيال الاتفاق الجديد بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. هما ورئيس الشاباك، وعدد من الوزراء، مقتنعون أن عملية عسكرية واسعة على غرار " السور الواقي" كان يمكن أن تؤدي خلال عدة أشهر إلى تراجع ملحوظ في إطلاق الصواريخ الفلسطينية، وكانت ستمكن من وقف عملية "حزبلنة" (من حزب الله) حماس وباقي التنظيمات في القطاع.

من الصعب أيضا نقض الادعاء أنه رغم الخسائر التي كانت ستلحق بالطرفين في عملية عسكرية واسعة، كان مبرر تنفيذها الآن، بدلا من التعرض لخسائر أكبر بعدة مرات في المستقبل، بعد أن تستكمل التنظيمات الفلسطينية تسلحها وإعادة التقييم. ولكن حاليا يبدو أن الإمكانية لتغيير الواقع العسكري من أساسه في القطاع بوسائل عسكرية، قد فاتت.

من الممكن أن تعود تلك الإمكانية من جديد بعد عدة أسابيع. فالفوضى في قطاع غزة والتدخل الإيراني السوري من الممكن أن ينسفا وقف إطلاق النار بعد وقت ليس طويلا. وبرغم ذلك فحتى لو صمد وقف إطلاق النار لعدة أشهر فقط، سيعطي الفرصة لحماس للاستمرار بالتزود بصواريخ حديثة مضادة للدروع والطائرات، وتحسين القدرة التدميرية ومدى ودقة اللصواريخ، وبناء نظام غريلا فعال دون مضايقة تقريبا.

ويمكن الافتراض أن تنتهز حركة الجهاد الإسلامي، ولجان المقاومة الشعبية والحمائل المسلحة في جنوب القطاع، التهدئة من أجل تحسين قدرتهم فوق وتحت الأرض . ولكن سيكون خطأ فادحا أن نرى نصف الكأس الفارغة. فالتهدئة من الممكن أن تعود بالمنفعة على إسرائيل بدرجة ليست أقل من الفلسطينيين، إذا استغلتها الحكومة والجيش بشكل فوري وصارم.

أول شيء يجب أن تقوم به الحكومة بدءا من صباح يوم غد هو البدء بحملة تحصين عاجلة وشاملة للبلدات في النقب الغربي وفي شمال أشكلون(المجدل). ومن أجل تمويل هذه الحملة ممكن ويجب تجنيد يهود الشتات أيضا.

الشيء الثاني هو البدء وبشكل فوري بفتح قطاع غزة لحركة البضائع والناس وبضمن ذلك دخول عمال من غزة إلى إسرائيل. فخطوة من هذا النوع لا تضعف فقط المعنويات لتجديد النار في الشارع الفلسطيني بل وتبين للفلسطينيين الثمن الذي سيدفعونه إذا ما تجددت العمليات العدائية. ودون الدخول في تفاصيل يمكن أن نقدر أن الشاباك والجيش أيضا سينالان حصة استخباراتية جيدة من فتح معابر القطاع بشكل مُراقب ومُوَجّه. ومن الممكن ايضا أن يمنح الاتصال المباشر مع عدد كبير من الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة، الشاباك والجيش، غنائم استخباراتية مشابهة لتلك التي يمكن الحصول عليها في حملة عسكرية واسعة.

وهذا ليس كل شيء. الجيش بحاجة إلى تحضيرات ليست قليلة قبل أن يبدأ في حملة عسكرية واسعة. التهدئة هي فرصة لتجهيز قوة كبيرة، تشمل الاحتياط، لتكون مستعدة وجاهزة استخباراتيا وعملياتيا لليوم الذي تعود فيه الحاجة من جديد لحملة عسكرية واسعة.

وقف إطلاق النار هو أيضا فرصة لتعزيز قوة أبو مازن. وتمكينه من نشر قوات الحرس الرئاسي على معابر القطاع ، وتسليمه ميزانيات يمكنه بواسطتها توسيع تأثيره في الشارع الفلسطيني وترميم حركة فتح المقسمة المتخاصمة.

التهدئة تسمح أيضا بعلاج قضية محور فيلدلفي. إذا استغلت إسرائيل الوقت من أجل تجنيد الإدارة في واشنطن لضغط مكثف على مصر، من الممكن جدا أن نرى تحسنا ملحوظا في هذا المجال أيضا. يدور الحديث ليس فقط عن تحسين وتعميق الجهود المصرية للكشف عن أنفاق التهريب، بل أيضا عن تعاون مصري فعال لمنع قيام المخربين بتهريب معلومات تخريبية، وأموال عن طريق معبر رفح. في الوقت الحالي المصريون ليسو شركاء في المراقبة على المعبر الحيوي ويتركون المهمة لرجال أبو مازن وللمراقبين الأوروبيين.

على المدى الأبعد، إذا استمر وقف إطلاق النار واستقر، يمكن دراسة اتفاق بعيد المدى مع الفلسطينيين، تعمل من خلاله قوات دولية في قطاع غزة من أجل منع إطلاق الصواريخ وتهريب السلاح، على غرار اليونفيل في جنوب لبنان.

ما يمنع فعله هو الرضوخ لمطالب الفلسطينيين بتوسيع اتفاق وقف إطلاق النار بشكل عاجل ليشمل الضفة الغربية. وإذا كان توسيع من هذا النوع يعني وقف اعتقالات المطلوبين وجمع المعلومات الاستخباراتية، يجب رفض ذلك بشكل قاطع. وإلا واجهنا بعد فترة ليست طويلة موجة عمليات انتحارية، يصعب حتى على جدار الأمن وقفها. وقف إطلاق نار في الضفة الغربية يمكنه أن يأتي فقط في إطار اتفاقية سياسية يتعهد الجهاد الإسلامي وحماس بقبولها وتنفيذ شروطها. إن موافقة متسرعة لوقف إطلاق نار يشمل وقف العمليات الوقائية في الضفة، قد تكلف إسرائيل ثمنا باهظا.

ولكن في قطاع غزة الوضع مختلف. فإذا نفذت حكومة إسرائيل عدة خطوات مناسبة، من الممكن أن يثبت لنا أن التهدئة عادت علينا بالفائدة ليس أقل، وربما أكثر، مما عادت بالفائدة على الفلسطينيين.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018