مجزرة بيت حانون قتل متعمد..

مجزرة بيت حانون قتل متعمد..

كتب غدعون ليفي في صحيفة "هآرتس":

لقد جرى قتل ضحايا مجزرة بيت حانون بشكل متعمد.. لا يوجد طريقة أخرى لوصف ظروف مقتلهم، فمن يلق بأعواد الثقاب المشتعلة في قلب الغابة، لا يستطيع الإدعاء بأنه لم ينو إحراقها.. ومن يقصف بالمدافع الأحياء السكنية لا يستطيع الإدعاء بأنه لم ينو قتل سكان مدنيين. وحتى لو حصل خلل في التوجيه أو في الرادار أو خطأ في إدخال المعطيات أو خطأ بشري، فإن الحقيقة القاطعة والمروعة هي أن الجيش يقوم بقصف السكان المدنيين العزل. وحتى القذائف الموجهة إلى مسافة تبعد 200 متر عن البيوت لما يسمى "مناطق مفتوحة"، فإن هدفها القتل. ومن هذه الناحية فما حصل يوم الأربعاء الماضي ليس بجديد، فالجيش يقوم بذلك منذ شهور..

وليست الإشارة هنا فقط إلى الجيش والحكومة وإسرائيل الذين يتحملون المسؤولية، وإنما يجب القول صراحة بان التهمة تقع بشكل مباشر على أصحاب المناصب، أناس من لحم ودم، وعليهم أن يدفعوا ثمن مسؤوليتهم عن القتل العبثي. لقد تمت إدانة المحامي أفيغدور كلغسبيلد لكونه تسبب مقتل أم وابنتها (في حادث طرق) بشكل غير متعمد، وبالرغم من ذلك فهو يقبع في السجن.. فماذا بشأن قتلة الأطفال والنساء في بيت حانون؟ ألا يحاكم أحد منهم؟

يقول يوآف غالانط، بدون أن يرف له جفن، أن ما حصل نتيجة مشكلة في التوجيه، على ما يبدو.. أما افرايم سنيه فيقول إن الجيش يتحمل مسؤولية عسكرية وليس أخلاقية..

فمن يتحمل المسؤولية عن تجدد العمليات؟ حركة حماس فقط؟..

لا يوجد متهم في إسرائيل.. رئيس الحكومة المسؤول عن السياسة الوحشية تجاه الفلسطينيين، وزير الأمن الذي كان يعرف وصادق على القصف، رئيس هيئة الأركان والقائد العسكري وقائد الكتيبة الذين أصدروا الأوامر، والضباط الذين أطلقوا، والجنود الذين شدوا حبال المدافع.. جميعهم ليسوا متهمين، وسيواصلون مهمة القتل كأن شيئاً لم يحدث. وتشرق الشمس ويواصلون حياتهم الإعتيادية في المجتمع، ويبقون في مناصبهم بالرغم من الدماء على أياديهم.. وبينما يلف الذهول قطاع غزة، ينفذ سلاح الجو عملية اغتيال لإظهار أن الكارثة لا تتصل بنا أبداً..

بعد الكارثة انقسمت إسرائيل، كان هناك من اعتذر مثل رئيس الحكومة ووزير الأمن، ومنهم من سارع إلى إلقاء المسؤولية على الفلسطينيين، مثل وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ونائب وزير الأمن، سنيه. أما غالبية الجمهور الصامت فلم تبادر إلى الخروج من حالة اللامبالاة، وواصلت برامج التسلية إضحاك الجمهور في التلفزيون، وبادرت إحدى الإذاعات إلى بث أغنية "أنت مدفع" لـ سريت حداد. ولم تطرح إسرائيل دفع تعويضات للعائلات الثكلى، ولم تقدم أية مساعدة، سوى نقل بعض الجرحى إلى مستشفيات في إسرائيل. في حين قدمت إسرائيل المساعدة لضحايا الهزة الأرضية في المكسيك.. غالبية وسائل الإعلام لم تتأثر بعملية القتل، وخصصت وقتاً أكبر لمسيرة "الكبرياء" للمثليين..

دخلت الكارثة في عداد النسيان بعد يوم أو يومين، لتفسح المجال لقضايا آخرى.. وإذا كانت المحكمة الدولية في هاج بعيدة حتى الآن عن إسرائيل، ويستطيع كبار الضباط التجول بحرية في العالم، فهذا لا يعني أنه لم تنفذ هنا جرائم حرب..

ربما يكون الجيش الإسرائيلي "مدفعاً"، ولكن الجيش المسؤول عن القتل العبثي بأعداد واسعة مثلما حصل في الأشهر الأخيرة في لبنان وغزة، هو جيش فاشل وخطير. فجيش الدفاع لا يقتل فقط العرب عبثاً، وإنما هو يشكل خطراً مباشراً على أمن إسرائيل، ويحقرها في العالم ويورطها مرة أخرى وأخرى.

رد الفعل اللامبالي والمندفع تجاه مثل هذه الأعمال ينطوي على رسالة خطيرة من الناحية الأخلاقية والقيمية. وإذا كان بالإمكان التملص من القتل الجماعي بذرائع تقنية، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتهمين الحقيقيين، عندما تقول إسرائيل أنه بالنسبة لها لم يحدث شيء، سوى الجزء المعطوب في أجهزة الرادار أو التشويش في محو معطيات الأهداف، إلا أن ما حصل في بيت حانون، وما حصل في إسرائيل في الغداة، وما يتواصل حدوثه في قطاع غزة يومياً، هو تشويش مخيف أكثر بكثير من محو معطيات الأهداف..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018