مجزرة رفح اشبه بـ"عمليات الانتقام" التي قادها شارون في قبية وقلقيليا

مجزرة رفح اشبه بـ"عمليات الانتقام" التي قادها شارون في قبية وقلقيليا

نقلت جميع الصحف الاسرائيلية الصادرة صباح اليوم، الخميس، رواية الجيش الاسرائيلي للمجزرة البشعة التي اقترفتها قوات الاحتلال، امس، في رفح وراح ضحينها عشرة شهداء فلسطينيين على الاقل. واعترفت رواية الجيش بان دبابة اسرائيلية اطلقت قذائفها على المتظاهرين الفلسطينيين. وغلفت هذه الحقيقة ببعض الكذب حيث قالت ان الدبابة اطلقت قذائفا على منزل خال قريب من المتظاهرين "في الوقت الذي لم يلاحظ فيه القائد العسكري الاسرائيلي الميداني وجود المتظاهرين الفلسطينيين في المكان لانه لم يحسن تقدير عدد المتظاهرين الكبير (!)". وقالت هذه الصحف، نقلا عن مصادر عسكرية اسرائيلية، ان "القوات تضع خطا احمر في حال وجود متظاهرين مدنيين يقضي بعدم السماح للمتظاهرين بالاقتراب مسافة تزيد عن 300 متر من موقع القوات".

رغم مزاعم الجيش الاسرائيلي، الا ان بعض المحللين وجهوا انتقادات للمارسات الجيش. وكتب المراسل العسكري في "هآرتس، عاموس هارئيل، "ان هذه الممارسات هي استمرار لبلادة الحواس التي تميز تعامل الجيش الاسرائيلي مع الضحايا المدنيين الفلسطينيين والتي اخذت تتفاقم وحسب مع استمرار المواجهة. وقد بدأ ذلك من خلال تعليمات اطلاق النار الشرسة في القطاع مع بداية الاعمال القتالية – عندما اقترب عشرات الفلسطينيين من جدار فاصل او من مستوطنة دفعوا حياتهم ثمنا لذلك – مرورا بقرار تصفية القيادي في حماس صالح شحادة بالرغم من وجود عشرات المدنيين حوله. ويرافق هذه الممارسات لا مبالاة من جانب النيابة العسكرية التي تبرز بالعدد القليل من التحقيقات. وعندما يعتادون على ان الامر ليس فظيعا عندما يقتل مواطن او اثنين في كل عملية اغتيال، لا يصبح اطلاق قذائف مدفعية من الدبابات خطا احمر".

وكتب الصحفي اليكس فيشمان في "يديعوت احرونوت"، انه "حتى لو صدقنا توضيحات الجيش بان خطأ قد وقع بالامس، ونحن نرغب كثيرا بان نصدق ذلك، فان الساعة الرملية لشرعية مواصلة عملية الجيش الاسرائيلي في رفح اخذت بالانتهاء". ومضى قائلا ان "القتال في تل السلطان واماكن اخرى سيتواصل وحتى انه سيتصاعد. حتى وقوع الخطأ القادم. حتى يجبر ضغط دولي الجيش الاسرائيلي على الانسحاب. وهكذا فان السعة الرملية للشرعية آخذة بالانتهاء".

في صحيفة "معاريف" كتب الصحفي بِن كسبيت مقالا حاول فيه، بغباء يميني شديد، تبرير المجزرة تبرئة القيادة العسكرية الاسرائيلية من الجريمة النكراء. وهاجم النائب طلب الصانع لانه قال: "لقد اتضح انه لا يتوجب على المرء ان يكون المانيا ليصبح نازيا". لكن كسبيت المعروف بغبائه المتعجرف رد على ذلك بوقاحة: "لحظنا ان يوجد امريكان، الذين يفعلون كل ما نفعله نحن، لكن فقط مع كمية اكبر من المتفجرات"، في اشارة الى سقوط 40 قتيلا عراقيا في قصف امريكي لحفل عرس، امس. وزعم ايضا ان ععدا من اسماء الشهداء "كانت معروفة للجيش"، اي انهم من "المطلوبين"!

كتب الصحفي سيفر بلوتسكر، في افتتاحية "يديعوت أحرونوت" على انه "بدلا من فك الارتباط من غزة حصل العكس هذا الاسبوع: احتلال غزة من جديد". واضاف في ايحاء واضح جدا: "بدلا من الانسحاب من غزة، دخل الجيش الاسرائيلي لينفذ عملية انتقامية. لكن دولة اسرائيل اليوم ليست هيئة اركان للعمليات الانتقامية"، في اشارة الى "العمليات الانتقامية التي نفذتها الـ"كتيبة 101" سيئة الصيت التي اقامها وقادها اريئيل شارون واقترفت العديد من المجازر ضد الفلسطينيين وابرزها في قرية قبية ومدينة قلقيليا.

وبالامكان الفهم من مقال بلوتسكر ان بصمات رئيس حكومة اسرائيل، اريئيل شارون، موجودة في الاحداث الجارية في قطاع غزة. بل انه بالامكان ملاحظة بصمات شارون منذ الاعلان عن خطته لـ"فك الارتباط" وما تلاها من اعمال قتل وتدمير في القطاع خلال الاشهر الاخيرة.

واضاف بلوتسكر ان "لدى اسرائيل اهدافا استراتيجية وغايات قومية. واذا كانت خطة فك الارتباط من قطاع غزة هي حقا غاية قومية من الدرجة الاولى، كما اعلن رئيس الحكومة (شارون)، توجب عليه اخضاع الخطوات العسكرية الانية لذلك. كان عليه ان يخلي القطاع والا يصدر اوامر للجيش باحتلاله من جديد".

وواصل بلوتسكر وصف الحملة العسكرية في رفح على انها "عملية انتقامية" ليؤكد بذلك ان عقلية شارون تقف من ورائها. وكتب: "
لقد رافقت العملية الانتقامية في غزة ظاهرتان لا يمكن ان يتحملهما العقل والضمير: العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين، المدنيين والمتظاهرين؛ ووضع العراقيل امام المساعدات الانسانية للجرحى والذين فقدوا بيوتهم. كذلك فان العقل والضمير لا يمكن ان يتحملا مجموعة الكلمات التي تميز هذه الحملة منذ بدايتها". واضاف: "عندما تبدأ شخصيات اسرائيلية باتهام الفلسطينيين بانهم يهدمون بيوتهم بانفسهم من اجل خلق رأي عام سلبي ضد اسرائيل وعندما يعلن قادة الجهاز الامني ان هدم البيوت في رفح هو لمصلحة السكان المحليين وعندما يعلن متحدثون رسميون ان المتظاهرين الفلسطينيين قتلوا من قذائف دبابة باتجاه بيت خال، فانه يتوجب علينا كيهود وكصهيونيين ان نسأل انفسنا: هل فقدنا القدرة الاخلاقية الاساسية للتمييز بين الخير والشر، بين الاخلاقي والقاسي، بين حقيقة و"الحقيقة"؟ هل ضربنا على رؤوسنا؟ هل اصبحنا مكفوفين في غزة؟ وما الذي نفعله هناك اصلا؟"..

وتناول بلونسكر، ايضا، خطة شارون "الجديدة" او "المعدلة" لـ"فك الارتباط" من غزة. واكد ان "التعديلات تحولها من خطة للانسحاب من غزة الى خطة للبقاء في غزة- ولسنوات طويلة". واوضح ان "اخلاء المستوطنات وفق الخطة الجديدة سيتم خلال فترة طويلة. اذ سيتم اخلاء كل مستوطنة على حدة وفقط بعد نشوء الظروف التي تسمح بذلك. وتضمن هذه الطريقة استمرار وجود المستوطنات مدة اطول، اذ قبل كل قطعة انسحاب ستكون هناك نقاشات جماهيرية صاخبة، تصويت في الحكومة، مظاهرات الشوارع. وكل عملية انتحارية ستؤخر ذلك. وتغيير الخارطة السياسية سيلزم بفحص الخطة من جديد".

واختتم بلوتسكر مقاله بان "النظرية القائلة يتوجب قبل الانسحاب من غزة الدخول اليها بشكل اعمق وبقوة عسكرية كبيرة هي نظرية غير جديدة. فقد جربت في الماضي، مثلا، في حرب لبنان في العام 1982: بدلا من الاكتفاء بـ40 كيلومترا وفق قرار الحكومة، تم اصدار امر للجيش (من قبل وزير الامن في حينه، اريئيل شارون) للتوغل في عمق لبتات والوصول الى بيروت واكثر من ذلك. لقد كان الهدف من اجتياح لبنان، طبعا، خلق ظروف تمكن من "فك الارتباط" من لبنان عندما يحين الوقت. الا ان الوقت لن يحن وانسحبت اسرائيل من لبنان بعد 18 عاما. وهكذا قد يحصل ايضا في قطاع غزة".

واشارت "هآرتس" الى انعدام رد فعل الانظمة العربية على مجزرة رفح امس. وقالت انه بالرغم من ان شبكات التلفزيون العربية افتتحت نشراتها الاخبارية في الايام الاخيرة حول ما يجري في رفح، "الا ان الانظمة العربية لم تعقب على حادث الامس".

واضافت الصحيفة ان "الشبكات العربية نقلت صور جرحى المظاهرة وجثث القتلى فيها. واجرت شبكات كثيرة لقاءات في بث حي مع مواطنين فلسطينيين من غزة الذين كرروا الادعاء بان اسرائيل تقترف مجازر بحقهم". ونقلت عن احد المواطنين الفلسطينيين الذي قال في مقابلة مع احدى الفضائيات العربية انه "معروف ان اسرائيل هي دولة نازية. انه ينفذون المجازر بحقنا ولا يساعدنا احد. اين الحكام العرب؟".

وقالت "هآرتس": "غير ان الحكومات العربية لم تعقب. رغم ذلك، وصلت في الايام الاخيرة بيانات طالبت اسرائيل بالانسحاب من رفح فورا. ولكن الزعيم العربي الوحيد الذي ظهر امس في البث كان ياسر عرفات"..