"من يحارب الإجرام المنظم في إسرائيل؟"..

"من يحارب الإجرام المنظم في إسرائيل؟"..

كتب ألوف بن في صحيفة "هآرتس":

[[.. للمهمة العامة الحيوية مطلوب سياسي طموح، متعطش للتغيير يحلم أن يكون رئيس حكومة وعلى استعداد لتعريض مسيرته السياسية بل حتى حياته إلى الخطر. هذه المهمة هي محاربة الإجرام المنظم، والانتخابات تمنح فرصة للسياسي ليرى في وزارة الأمن الداخلي في الحكومة المقبلة خشبة قفز إلى القيادة.

ولم يُظهر آفي ديختر، الذي كان رئيساً قوياً وكاريزماتياً للشاباك، في محاربة الإجرام الكفاءة القيادية التي أظهرها في مواجهة العمليات الانتحارية الفلسطينية في الانتفاضة الثانية. وسنذكر فترته في وزارة الأمن فقط بسبب التعيينات والإقالات الإشكالية في قيادة الشرطة وليس بفضل مواجهة حازمة لمنظمات الإجرام المنظم.

ديختر مولع بالإحصائيات والأرقام. والمعطيات في مصلحته: خلال فترته انخفض عدد حالات القتل من 182 عملية قتل عام 2006 إلى 125 في العام الماضي و109 من بداية هذا العام حتى نهاية الشهر الماضي.

لكن مشكلة الشرطة هي أن شعور الجمهور لا يتأثر بالإحصائيات، إنما بأحداث دراماتيكية يتناولها الإعلام.. كل المعطيات في العالم تتقزم إزاء قتل أم على مرأى أطفالها وزوجها على شاطئ البحر. وكل بيانات التهدئة لوسائل الإعلام لا تساوي شيئاً عندما يصاب عابرو سبيل في حروب التصفية الجسدية لمنظمات الإجرام. معطيات الشرطة بشأن إحباط ست محاولات قتل في العامين الأخيرين لا تطمئن أحداً. الإجرام العنيف في نيويورك أكثر خطراً منه في إسرائيل لكن بحسب الاستطلاعات فإن الجمهور هناك يثق بالشرطة وهنا لا.

في إسرائيل 2008 الجناة وليس أفراد الشرطة هم أبطال الثقافة. ولّت الأيام التي قدم فيها بتسالئيل مزراحي دعوى تشهير ضد "هآرتس" وربحها بعد نشرت اسمه في قائمة رؤساء الإجرام المنظم الـ 11. اليوم واحد مثله كان يلجأ إلى تشغيل خبير في العلاقات العامة ليضمن عدم نشر اسمه. الإعلام ينشر عن التحركات داخل قيادة عائلات الإجرام المنظم كأنه يتحدث عن تولي مدراء في القطاع الاقتصادي مناصب رفيعة. رؤساء الإجرام أضحوا شخصيات مشهورة مستحبة في ملاحق النميمة في الصحف، مثل عارضات الأزياء ورجال الأعمال والسياسيين. جنازة يعقوب الفرون حازت على تغطية تلفزيونية وكأنها حدث رسمي جلل، بما في ذلك التغطية عن رؤساء منظمات الإجرام الذين شاركوا في الجنازة كأنهم رؤساء دول.

هذا التغيير الثقافي ملحوظ في انعدام الخجل لدى الجناة الذين كانوا ذات مرة يصفّون بعضهم البعض في غرف مظلمة ويقبرون الجثث تحت الرمال. اليوم التصفيات تتم في الشارع الرئيس وحرب العصابات تجري في ردهات الفنادق.

ما من حاجة للتمحيص في ملفات الاستخبارات للشرطة ولا حتى في صفحات الجنايات في الصحف للإدراك أن المشكلة الأخطر التي أوجدها منظمات الإجرام اليوم هي في "المحسوبيات" تحت الاسم المغسول "شركاء في المصالح التجارية". يكفي أن تصغي بالصدفة لمحادثات خلال الوقوف في الطابور أو في لقاءات اجتماعية لتسمع عن أصحاب مصالح صغيرة مطالَبين بالدفع للجناة، عن منطقة صناعية تعمل فيها "شركة حراسة" لا تشغّل أي حارس لكن من يدفع لها هو صاحب مصلحة تم اقتحام مصلحته، عن معركة شركة كبيرة ضد جناة اقتحموا قطعة الأرض التي في حوزتها وأقاموا عليها موقف سيارات، وعن مواطنين كانوا ضحية تهديدات وتوجهوا إلى المجرم الأكبر ليطرد المهدد بدلاً من التوجه للشرطة.

وتظهر الشرطة في أعين الجمهور كمن لا حول لها إزاء هذه الظواهر، وحتى أن انجازات السنوات الأخيرة المتمثلة بإلقاء القبض على زئيف روزنشتاين وتسليمه للولايات المتحدة وعملية تسليم يتسحاق ومئير أبرجيل، تظهر كلها بوجه حق أو لا، كأن الشرطة الأميركية رمت بعظمة لنظيرتها الإسرائيلية الفاشلة. والأميركيون للأسف الشديد لا يعنيهم إحباط الإجرام في تل أبيب إنما منع تهريب المخدرات إلى ميامي وكاليفورنيا.

بعد اغتيال ألفرون أجرى رئيس الحكومة مداولات خاصة حول المعركة ضد الإجرام، والشرطة من جانبها طالبت بميزانيات إضافية لشراء تكنولوجيا للتتبع والاستخبارات. لكن التكنولوحيا لا تهدئ الجمهور القلق. لأجل ذلك مطلوبة قيادة وزعامة ليست موجودة اليوم. وايهود اولمرت لا يستطيع أن يقود المعركة على الإجرام خلال فترات الاستراحة بين التحقيقات معه كمشبوه، وآفي ديختر عاجز.

المعركة على الإجرام تحتاج إلى من يريد ان يتبنى القانون والنظام ويصل مكتب رئيس الحكومة ليستغل الإمكانيات الهائلة المتوافرة في وزارة الأمن الداخلي ليقود ويظهر في الإعلام. الشرطة تنتظر ايهود باراك، سيلفان شالوم، مئير شيتريت، دان مريدور أو شاؤول موفاز. هذه فرصتهم لإعادة بناء مسيرتهم السياسية، بالضبط مثلما أعاد نتانياهو بناء حياته السياسية المسحوقة في وزارة المالية التي اعتبرت ذات مرة مقبرة لطموحات السياسيين]]..

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ