"وصمة شاليت"

"وصمة شاليت"

خدم جلعاد شاليت في الجيش الإسرائيلي ضمن طاقم دبابة على حدود قطاع غزة. قبل ثمانية أشهر، وتحديدا في 25 حزيران/ ينيو 2006، أصاب صاروخ، أطلقته خلية فلسطينية مسلحة، الجزء الخلفي من دبابته. قُتل قائد الدبابة وجندي آخر على الفور، وجُرح جنديان آخران - أحدهما جلعاد شاليت. شاليت اختطفه فلسطينيون مسلحون من الدبابة وهو مصاب في كتفه ويديه، ونُقل إلى داخل قطاع غزة. واختفت آثاره منذ ذلك الوقت.

ينتمي مختطفو شاليت على ما يبدو لعدة منظمات "ارهابية" فلسطينية شاركت في الهجوم. وباسمهم قدم مطلب تحرير آلاف الأسيرات والأسرى من السجون في إسرائيل. وبدأ تفاوض، شارك فيه رؤساء حكومات، وأعضاء برلمانات، وشخصيات عامة، ورؤساء، ووسطاء، والأمم المتحدة. كل ذلك دون جدوى: ثمانية أشهر بعد الاختطاف لا يوجد أي تقدم. جلعاد شاليت في أيديهم. كيف يمكن ذلك؟

كيف يمكن لمنظمة "إرهابية" من طراز متدني، قضي على رؤوسها وقادتها منذ زمن، أن تنجح في إخفاء جندي إسرائيلي مختطف في مكان ما داخل قطاع غزة، دون أن تصل إليه الذراع الطويلة لأجهزة الأمن الإسرائيلية؟ فغزة ليست أفغانستان؛ الدولة الجبلية التي تعتبر شبكة جغرافية جغرافيتها تمتد على مساحات واسعة. وغزة ليست بغداد أيضا بأزقتها، وأحيائها المختلطة وبيوتها المكونة من طوابق. ليس فيها ملايين السكان. فمعظم مساحتها صحراوية وجزء صغير منها ضواحٍ مهملة ومخيمات لاجئين بائسة.

في الواقع، صحيح أن الجيش الإسرائيلي انسحب من غزة، لكن لا أعتقد أنه يوجد مكان على وجه المعمورة كلها مصور ومراقب أكثر غزة. من الجو، والبحر، واليابسة - كل متر مربع تقريبا من أرض غزة يتواجد في كل لحظة تحت عين عدسة تصوير إسرائيلية. لم نعد نسيطر على غزة لكننا لا نزال نسيطر على غزة.

وعلاوة على ذلك، عندما تم التخطيط للانسحاب (الذي يسمى فك الارتباط)، أُخذ في الحساب الوقت والميزانية اللازمة لإبقاء شبكة استخبارات قوية في المكان، راسخة ومنتشرة بشكل جيد، كان يفترض بها أن تزود الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" بجميع المعلومات المطلوبة في الأزمات كالعمليات التفجيرية والاختطافات. سمعت بأذني مسؤولين في أجهزة الأمن يطمئنون الساسة عشية فك الارتباط: "سيكون الأمر على ما يرام، ستكون عيوننا الحادة مفتوحة بلا انقطاع على غزة وفي غزة. سنعلم بكل حركة فيها، ونستطيع تعقب كل حدث عن قرب، سواء كان كبيرا أم صغيرا، خفيا أم جليا. وما لا يصلنا عن طريق التكنولوجيا سيصل من الميدان، من العملاء".

يتضح أن تلك أقوال تبجح تُثمِل وتكذب. جلعاد شاليت، جندي في الجيش الاسرائيلي، وأحد أفراد طاقم دبابة ومقاتل اختطف جريحا قبل ثمانية أشهر من داخل منطقة إسرائيلية، وهُرب فورا عن طريق الحدود الى غزة وابتُلع فيها. ومنذ ذلك الحين لم يره أي وسيط، ولم يتحدث إليه، ولم يأت منه بتحية حقيقية مباشرة موثقة ومثبتة. لا فكرة لدينا أين يحتجز وما هو وضعه. من حين لآخر تُسرب روايات عن أنه قبل ثلاثة أشهر أو نصف سنة احتجز غلعاد شاليت في مكان أو في آخر. تهدف تلك التسريبات إلى لق انطباع بأن هناك تعقب إسرائيلي دائم لمصيره. الانطباع خاطئ: لا يوجد تعقب كهذا، أو على الأقل لا توجد له نتائج ملموسة.

تسأل نفسك مرة تلو الأخرى، كيف يمكن ذلك؟ كيف يمكن أن يقف من يدعون أنهم جهاز الأمن الأفضل في العالم ومن أفضل وكالات الاستخبارات في العالم، وقفوا لمدة 240 يوما عاجزين وملاتبكين إزاء عملية اختطاف وإخفاء لمنظمة "ارهابية" فلسطينية صغيرة، ومضروبة، وخائفة، تعمل في الحقيقة تحت أنف وعيني اسرائيل؟ ماذا حدث للمليارات التي استثمرت على تقنيات التعقب الأكثر تقدما ونسيج شبكة العملاء الموثوق بهاً؟. كان يفترض أن تكون هذه الوسائل وأشباهها جاهزة ومعدة ليوم الامتحان. من اجل ذلك أُجريت تدريبات ومناورات، في جميعها كانت يدنا هي العليا وتم إطلاق سراح المختطفين. ولكن تبين في يوم الهجوم، الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو 2006، أن ليس في مقدور جهاز الأمن تزويد البضاعة. فغر الإخفاق فاه كما في تشرين الأول/أكتوبر 1973.

إن حقيقة كون إسرائيل، الامبراطورية العسكرية - الأمنية، لم تنجح حتى الآن في إطلاق سراح جلعاد شاليت من أيدي خاطفيه هي ليست فقط وصمة في معاييرها كدولة تُعيد أبناءها المقاتلين إلى البيت دائما؛ بل أيضا علامة على ضعف أجهزة الأمن والاستخبارات وتآكل القدرات المهنية لدى الوحدات العسكرية المختارة، ورغم الاعتقالات لقادة الإرهاب من الجهاد في مناطق الضفة الغربية سطر أعداؤنا هذا أمامهم.




ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018