معلق الشؤون القضائية في "هآرتس": عزمي بشارة إقترب من "الحدّ المحظور"..

 معلق الشؤون القضائية في "هآرتس": عزمي بشارة إقترب من "الحدّ المحظور"..

قبل ثلاثة أسابيع نشرت تسويغات المحكمة العليا للقرارات التي أجازت لعزمي بشارة (التجمع الوطني الدمقراطي) وأحمد طيبي (الجبهة- العربية للتغيير) وباروخ مرزل (حيروت) المشاركة في الانتخابات للكنيست ال 16. كل واحد منهم جمع اعتراضات وتشطيبات من قبل المستشار القضائي للحكومة ولجنة الانتخابات المركزية ورئيس اللجنة, القاضي ميشئيل حيشين. وقد الغت المحكمة العليا جميع التشطيبات وأعادت الجميع الى الملعب السياسي.

من جهة يظهر الامر وكأنه قرار دمقراطي يحتذى به. لكن من جهة أخرى فان هذا هو "ملف قرائني, ممل, مبتذل ومخيب للآمال. والجانب القضائي- القيمي فيه- هل نحن نقر بيهودية مدافعة عن نفسها وليس فقط بدمقراطية تدافع عن نفسها- حظي بنقاش في الحد الأدنى", حسبما تقول د.سوزي نافوت, من مدرسة الحقوق في كلية الادارة. وتواصل شارحة :" النقاش بين القضاة في القرار, وأساسًا في ملفي بشارة ومرزل, كان حول السؤال هل تم إثبات أو عدم إثبات أن بشارة يرفض وجود إسرائيل كدولة يهودية, وهل هو يؤيد كفاحًا مسلحًا لمنظمة إرهابية, وهل صحيح ما يدعيه مرزل من أنه غيّر طريقه منذ أن كان رئيساً لحركة "كاخ". وسبعة قضاة لم يقتنعوا بأنه ينبغي شطبهما, بينما اقتنع أربعة قضاة بقضية الشطب".

تحدثت نافوت في الاسبوع الماضي في مؤتمر خصص لهذا القرار, جرى تنظيمه من قبل جمعية القضاء الجماهيري وكلية الادارة في الحرم الجامعي في "ريشون لتسيون". وشارك في المؤتمر أيضاً البروفيسوران مردخاي كريمنتسر وكلود كلاين ود. عامي فدهتسور.

وإن الصفحات ال 108 للقرار المذكور, المليئات بالشروح والتوثيقات, غايتها التغطية على حقيقة بسيطة هي أن المحكمة ليست مستعدة لتطبيق دوافع الشطب التي أقرها المشرّع في البند 7 أ من قانون أساس الكنيست بالنسبة لمرشح أو قائمة ألم بها واحد من الأمور التالية: 1- التنكر لوجود دولة إسرائيل كدولة يهودية ودمقراطية, 2- التحريض على العنصرية, 3- تأييد كفاح مسلح لدولة عدوة أو لمنظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل.

القرار المركزي كتبه رئيس المحكمة العليا, أهارون براك.
النتيجة المنشودة من جانبه يتوصل إليها من خلال الاقرار بأنه لم يتم إثبات أن بشارة ينفي وجود إسرائيل كدولة يهودية.
"صحيح - يقول براك- أن نزعته بشأن أن تكون دولة إسرائيل "دولة جميع مواطنيها" تقترب بصورة خطيرة من إمكانية نفي وجود إسرائيل كدولة يهودية, مع ذلك فليست أمامنا بيّنات مقنعة, واضحة وحاسمة بأن الحدود تم إجتيازها".

مقترب دائم
نافوت :" طيركل وكدمي (قاضيان في المحكمة الاسرائيلية العليا- المحرر) قررا بالنسبة لبشارة, في قرار من سنة 1999, أنه يقترب من الحد الذي يوجب الشطب. منذ ذلك الوقت لم يتراجع بل وحتى صعّد من تصريحاته. لكن من ناحية براك فانه لا يزال قريباً. إنه "المقترب الدائم". يتجول مع شارة مُحذَّر. قضاة الأقلية قرروا أنه اجتاز الحدود. وطيركل, الذي حذر في 1999 من الاقتراب, أعلن الآن عن اجتياز الحدود". لكن براك يحرك طوال الوقت الحدود كي لا يجتازها بشارة, الذي يقترب من ذلك دائماً.

يواصل براك, في قراره, التمسك باختبار الاحتمالات- الاختبار الذي يتفحص إحتمالات تطبيق البرنامج بمفاهيم التيقن القريب, البعيد أو الملموس, ولا يكتفي فقط بتفحص الأفكار والأهداف. وعادة يطبق براك الاختبار في كل مرة يوازن فيها بين حقوق الانسان (الحق في أن ينتخب, في الحالة الراهنة) وبين تفعيل القوة السلطوية. وليس هناك إتفاق بين قضاة المحكمة العليا بشأن تطبيق إختبار الاحتمالات في قضية إلغاء قوائم.

تقول نافوت :" يسعى براك لاستعمال إختبار الاحتمالات بالاضافة الى البينات. كما لو أنه يقول للمشرّع : ابقوا لي فحص إحتمال الخطر المنعكس من الحزب. وإختبار الاحتمالات يصون, برأيه, الدمقراطية بصورة أفضل. والشعور لديّ أنه يطبق هذا الاختبار كي يسهل مهمة التسويغ التي تتيح للحزب أن يواجه. وعندما تكون البينات ضده مقنعة يجندون مقابلها إختبار الاحتمالات".

لكن الخلاف حول استعمال إختبار الاحتمالات لم يحسم بعد. وإن قبوله ودلالته تجعلان بند 7 أ من قانون أساس الكنيست وكذلك لجنة الانتخابات المركزية زائدين عن الحاجة. وفي الأحوال جميعاً فان كل شيء سيصل الى المحكمة, التي ستقرر مدى الخطر المنعكس من مرشح أو حزب, وستجيز أو تحظر مشاركتهما في الإنتخابات.


ما حدث قبيل الانتخابات الأخيرة حدّد هذه المعضلة.. وارتسمت لجنة الانتخابات المركزية كما لو أنها متمحورة حول إبعاد العرب عن الكنيست والسياسة. وبند 7أ, الذي عدل قبل الانتخابات, أضاف تأييد منظمة إرهابية كسبب للشطب. وقضاة الأقلية في المحكمة العليا عزوا لبشارة "دولة المواطنين" كفكرة تقويضية مرفوضة.

القاضي شلومو ليفين كتب :" الكلام عن دولة إسرائيل باعتبارها "دولة جميع مواطنيها" هو في فم النائب بشارة.. شيفرة لالغاء الصهيونية, إلغاء كون دولة إسرائيل البيت القومي للشعب اليهودي والغاء الدولة كدولة يهودية واستبدالها بدولة أخرى تأتي مكانها إذا لم يكن فوق ذلك". ليفين وأيضاً القاضية طوفا شطرسبرغ- كوهين يشددان على نفي الصهيونية من قبل بشارة, في حين أن البند 7 أ يكتفي فقط بنفي يهودية الدولة.

البروفيسور مردخاي كريمنتسر يختلف معهما :" هل ينبغي أن نطرد من اللعبة السياسية قائمة تسعى لإلغاء طوابع يهودية- مثلاً من خلال السعي الى "دولة جميع مواطنيها"؟. هذه نزعة قمعية. لا ينبغي بالعرب أن يكونوا صهيونيين لكن يتوقعون منهم انعدام رأي محدد حول طابع الدولة. إنني أؤيد الرموز اليهودية, لكن من أجل أن تكون دمقراطياً أيضاً لا ينبغي طرد أفكار أخرى. فكرة "دولة المواطنين" يشتقها بشارة من التزامه بالمساواة. فهل بسبب هذا الإلتزام يتوجب طرده من الحلبة السياسية؟".

البروفيسور كلود كلاين اقترح تحصين طابع الدولة في الدستور. "في دساتير كثيرة في العالم يحصنون طابع النظام والدولة. بدأ بهذا الامر الفرنسيون عندما حظروا منذ القرن ال 19 تغيير الطابع الجمهوري في الدستور. والألمان حظروا تغيير الدستور في مواضيع مثل المبدأ الفيدرالي وحقوق الانسان.
عندما تهاجم الدمقراطية وتدافع عن نفسها امام مختلف الأعداء, فان هذه الأشياء تشكل وسائل دفاعية عنها".

لم يقل كلاين فيما إذا كان أساس قلقه موجه لحماية الطابع اليهودي أو حماية الطابع الدمقراطي لاسرائيل, لكن جملة واحدة بدرت عنه - "المشكلة الدمغرافية قائمة وينبغي مواجهتها بطريق دمقراطية"- أكدت حقيقة أنه متضايق في الأساس من الخطر على الطابع اليهودي للدولة.

وكلاين, خلافاً لكريمنتسر, يؤيد شطب أحزاب :" في تركيا تم شطب قائمة, والشطب صودق عليه في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي إسبانيا أيضاً التي تعاني إرهاباً في منطقة الباسك, تم شطب حزب".

كريمنتسر :" في معظم الدول الدمقراطية لا يشطبون قوائم, ولا ينبغي التأثر بنماذج كلاين. تركيا هي بصعوبة دولة دمقراطية. وإسبانيا اليوم هي دولة دمقراطية, لكن مع تقاليد دمقراطية مشكوك فيها".

في هذه الأثناء فان المحكمة (الاسرائيلية) تلبي توقعات كريمنتسر, الذي يشكرها غير أنه واع أيضاً للثمن: "لأنه توجد لدينا محكمة ذكية وقلقة على الدمقراطية, فانها أخرجت الكستناء من النار، لكن يحظر علينا نسيان من قذفها إلى هناك. ويجب تذكر أن لهذا الأمر ثمناً. أحد جوانب ذلك هو التصادم مع الجهاز السياسي".

الساسة هم الذين قذفوا الكستناء. والمحكمة العليا قلبت التشطيبات الثلاثة للجنة الانتخابات المركزية. واللجنة سببت ذلك لنفسها بسبب الطابع البهلواني والمنفلت الذي أدارت به شؤونها, لكن المحكمة العليا, خلافاً لرغبة رئيس الكنيست رؤوبين ريفلين وآخرين, سجلت إلغاء آخر لقرارات هيئة سياسية. وقد فعلت ذلك ليس باسم "دمقراطية مدافعة" أو "دمقراطية مقاتلة" (وهو العنوان الذي أطلق على المؤتمر) وإنما باسم "دمقراطية مشاركة", تؤثر أن ترى المتطرفين أيضاً في إطار الشرعية الدمقراطية وليس خارجه.

وإن أغلبية سبعة ضد أربعة في المحكمة العليا تشهد على هشاشة ومصادفة هذا الموقف إلى جانب إمكانية أنه في تشكيلة أخرى, في الانتخابات المقبلة, ستتبلور أغلبية لتسليط سيف الشطب. في تركيبة مستقبلية كهذه يمكن, مثلاً, أن يجلس إلياكيم روبنشطاين الذي أيد, باعتباره مستشاراً قضائياً للحكومة, ثلاثة تشطيبات في الانتخابات الاخيرة (إثنان منها ضد عزمي بشارة وضد قائمة التجمع الوطني الدمقراطي).