أخرج شبح "القاعدة" من القصّة !

أخرج شبح "القاعدة" من القصّة  !

ترجمة: سهيل فيكتور مطر

صرّح توني بلير أمام البرلمان في الخامس من شباط أنّه توجد – ’بلا أدنى شك‘ – ’صلات‘ بين فصائل "القاعدة" برئاسة بن لادن وبين صدّام حسين. وأضاف بلير أنّ "مدى عمق هذه الصّلة هي، بطبيعة الحال، مسألة تخمين"، قال رئيس الوزراء. نحن نعرف الآن أنّ الإجابة ليست بعيدة بالمرّة.

في ذلك الوقت، وفقط قبل الحرب بأسابيع ، كان الجدال يتمحور حول ما إذا كان العراق يملك أسلحة دمار شامل. وما زال الأمر كذلك. لكن، وبينما يتواصل الجدل بعلنيّة وبصوت مرتفع، لم نعد نسمع من أحد عن العلاقات المزعومة بين صدّام و"القاعدة".

وقد كانت هذه الإدّعاءات عاملاً حاسمًا في جعل الرأي العام يقف إلى جانب الحرب، على الرّغم من معارضة الكثير من الأخصّائيين بأنّ مثل هذا التّحالف هو أمر بعيد الإحتمال. يشير إستطلاع رأي أجري في الولايات المتّحدة إلى أنّ غالبيّة الأمريكان يظنّون الآن أنّ معظم مختطفي الطّائرات في 11 أيلول هم عراقيين. حتّى أنّ ضغط صقور واشنطن العنيف انكبّ على المملكة المتّحدةّ حيث استهدفت شخصيّات مرتبطة بالبيت الأبيض صحفيين بريطانيين معيّنين وسرّبت إليهم "إستخبارات نيّئة" ومنتقاة يجسّد مضمونها العلاقات المزعومة.

ويضع التقرير الّذي نشرته اللجنة البرلمانيّة الأمريكيّة، الأسبوع الماضي، هؤلاء، وكل من صدّق هذه الدّعاية، كبلير مثلاً، في موقف محرج. ليس لما يحتويه ذلك التّقرير، بل لما يشطبه ويهمله. ويقع التّقرير في نحو 900 صفحة ويشكّل تقريرًا مفهومًا لحل مكيدة ضرب برجي التّوأم، وهو مفهوم بقدر أي شيء آخر قد ينشر قريبًا بهذا الصّدد. ولكن، وحتّى في القسم الخاص والسّرّي المكوّن من 28 صفحة، لا يذكر التّقرير العراق، فالدّولة الأجنبيّة الّتي اختيرت للإنتقاد كانت السّعوديّة.

إنّ الإدّعائات التي نشرتها الإدارة في واشنطن عن وجود صلة بين صدّام و"القاعدة" قامت على ثلاثة عوامل عامّة. الأوّل منها أنّ "عميل بن لادن" أردني يحمل أسم أبو مساب الزرقاوي كان قد احتمى في بغداد بعد أن هرب من الهجوم الأمريكي على أفغانستان. وبالفعل فقد تواجد الزّرقاوي في العراق، ولكنّه لم يكن حليفًا لبن لادن، وفق ما توضّحه رزمة سميكة من تقارير لتحقيقات مع مزامليه الأقرباء الموجودة على مكتبتي. فقد كان فصيله، "التّوحيد"، قد أُسّس كمنافس للفصيل السّعوديّ. وإنّ خلط الإثنين مع بعضهما البعض يشير إمّا إلى تشويه متعمّد للحقيقة أو يكشف عن جهل عميق لطبيعة الحربيّة الإسلاميّة العصريّة. على أيّة حال، لا يوجد هناك أي ترابط، ولم تظهر كذلك أيّة أدلّة تشير إلى وجود مثل هذا التّرابط منذ نهاية الحرب.

وقد ربط الإدّعاء الثاني "القاعدة" بصدّام عن طريق فصيل حربي أسمه "أنصار الإسلام" والّذي تأسس في شمال العراق. كان لهذا الفصيل بالتأكيد علاقات مع بن لادن – فأتباعه تلقّوا أموالاً وتدريبًا من الفصيل السّعوديّة في سنة 2001 وشكّل ملجأ آمنًا لمائة من أتباعه ومحاربيه في 2002 – ولكن لم تكن لديه أي علاقة مع بغداد. وفي حقيقة الأمر، فقد تأسّس ذلك الفصيل في الجزء الشمالي من العراق الذي كان خارج نطاق سيطرة بغداد أصلاً.

أمّا الإدّعاء الثالث فقد أشار أنّ ثمّة إتّصالات كانت بين "القاعدة" وصدّام منذ عام 1998، إن لم تكن قبل ذلك الوقت. وكان بن لادن قد بعث فعلاً بمندوبين للمحادثات مع مبعوث القائد العراقي الّذي أتى إلى أفغانستان في خريف تلك السّنة. ولكنّه رفض إقتراحات الدكتاتور "المنافق". ومجدّدًا، لم يظهر شيء يثبت وجود أي "تحالف"، سوى وثائق تظهر محاولات أخرى لبغداد بالتّودّد إلى "القاعدة".

وقد أدُّعي كذلك أنّ دبلوماسي عراقي كان قد قابل محمّد عطا، الأكثر شهرة من بين مختطفي الطّائرات، في براغ، قبل الهجوم. وهذا الدّبلوماسي محتجز حاليًّا في الولايات المتّحدة. وهنا أيضًا لم تظهر أيّة معلومات تعزّز الإدّعاء السّابق.

وعوضًًا عن هذا، يوجّه التّقرير أصابع الإتّهام للسعوديّة، في حين تعتبر عائلتها الحاكمة حليفة مهمّة للولايات المتّحدة حتّى اليوم. ويشير التّقرير أيضًا إلى أنه من المحتمل أنّ ّ بعض الموظّفين في الرّياض كانوا قد تعاونوا مع مختطفي الطّائرات،الّذين كان ثلاثة أرباعهم من السعوديّين، في مراحل معيّنة. كما يدّعي التّقرير، وليس بعدم الإنصاف، أنّ تّصدير المؤسّسة السّعوديّة وتأييدها الشّديد للفصائل الإسلاميّة المتطرّفة والمتحفّظة كان – وما يزال – عاملاً مهمًا في تزويد الشّروط الملائمة لـ"الإرهاب الإسلامي".

لن يقلق أيّ من هذا صقور واشنطن. ولكن ماذا مع بلير؟ هل دفعته إقتناعاته إلى دفع مخابرات مشرذمة نحو قالب من الأفكار المسبقة ؟ علينا أن ننتظر ظهور الأدلّة. وحسب تخميني فإنّنا سننتظر طويلاً جدًّا.

-------------------------------------
نشر بتاريخ 27 تمّوز، 2003