"تايم": الفيلم المسيئ للرسول أطلق شرارة الغضب المتراكم ضد سياسات أمريكا في المنطقة

"تايم": الفيلم المسيئ للرسول أطلق شرارة الغضب المتراكم ضد سياسات أمريكا في المنطقة

نشرت مجلة "تايم" الاميركية، اليوم السبت، تحليلا يتساءل عما اذا كانت الولايات المتحدة تستطيع عمل اي شيء لوقف الاحتجاجات الاسلامية ضد سفاراتها، ويستكشف الاسباب الكامنة وراء تفجر غضب العرب والمسلمين عند ظهور اي بارقة اهانة لدينهم حتى لو كانت مكشوفة الهدف ومحدودة. وتشير المجلة الى ان المظاهرات العنيفة المحتجة على فيديو مسيء للاسلام امتدت بسرعة الى انحاء كثيرة من العالم العربي والاسلامي:

"هل هناك اي شيء تستطيع الولايات المتحدة عمله لوقف موجة المظاهرت التي كثيرا ما تكون عنيفة في انحاء العالم الاسلامي هذا الاسبوع والمستهدفة لسفاراتها وسفارات حلفائها؟ الجواب المختصر هو لا. سيتعين عليها ان تتحمل الغضب الذي يذكيه انتهازيون في العواصم الاسلامية يتطلعون لتحقيق مكسب سياسي من وراء غضب شعبي حقيقي من فيلم مهين للنبي محمد – وان تأمل (اميركا) الا يقتل المزيد من الدبلوماسيين او المحتجين، وهو ما سيصعد من المواجهة.

لقد شهد يوم الجمعة احتجاجات في بلدان بعيدة تباعد سري لانكا ونيجيريا وجزر المالديف، بالاضافة الى مواجهات قاتلة في تونس حيث قتل ثلاثة اشخاص بعد ان اخترق مجمع السفارة الاميركية، وفي العاصمة السودانية الخرطوم حيث قتل شخص بعد اختراق مماثل. ولكن يوم الجمعة لا بد ان يكون دائماً يوماً سيئاً جداً، اذ يمثل عادةً، لكونه يوم صلاة المسلمين، ذروة اي دورة احتجاج اسلامية عامة ويجمع صفوف الامة الاسلامية في العالم في الجوامع ويؤكد عرى جماعة مؤمنين مسلمين لاله ابراهيم. وتعيد صلاة الجمعة رمزيا تأكيد وحدة المؤمنين ويمكن استخدامها لتذكيرهم بفكرة ان هجوما على المسلمين في اي مكان او على رموز دينهم يجب الشعور به كهجوم على المسلمين في كل مكان. لذا فان يوم الجمعة كان دوما في السنوات الاخيرة ذروة للاحتجاج، سواء على غزو العراق، او تعذيب السجناء في سجن ابو غريب، او قصف اسرائيل لقطاع غزة، او تدنيس جنود اميركيين في افغانستان للقرآن او على يد قس مغمور في فلوريدا. وكما الحال في كل دورات الاحتجاج السابقة، من المأمون المراهنة على ان السخط بشأن فيلم "براءة المسلمين" سينحسر في نهاية الامر – بالرغم من ان موت محتجين يخلق مظالم جديدة يمكن ان تديم القضية.

ولكن الناطق باسم البيت الابيض جي كارني ربما تجاوز حده عندما اصر يوم الجمعة على ان الاحتجاجات نشأت "ردا لا على سياسة الولايات المتحدة، ولا على الادارة، ولا على الشعب الاميركي (وانما) ردا على فيديو، على فيلم حكمنا عليه بانه يستحق الشجب ومثير للاشمئزاز. وهذا لا يبرر باي شكل رد الفعل العنيف عليه، ولكن هذه ليست باي حال احتجاجات موجهة ضد هيبة الولايات المتحدة او سياساتها".

إن اللأمر ليس ابدًا بهذه البساطة.

ان السبب في ان نتفة "دليل" على العداء الاميركي للاسلام – كتدنيس القرآن، مثلاً، او نشر فيديو يعطي صورة ممسوخة عن النبي محمد – تشعل الغضب نحو مؤسسات الولايات المتحدة في نفوس مثل هذا العدد الكبير من المسلمين هو الطريقة التي نظر بها اولئك المسلمون وخبروا سياسة الولايات المتحدة. ان الاهانات المباشرة للاسلام كتلك التي يحتوي عليها الفيلم المسيء هي اداة فعالة في ايدي اولئك الذين يهيجون ضد تورط الولايات المتحدة في الشرق الاوسط – وضد اولئك العرب الذين يمكن ان يعملوا مع واشنطن – لانهم يضعون كل مظالم العالم العربي واهانات الولايات المتحدة الشنيعة مثل فيلم "براءة المسلمين" لن تترجم بسهولة الى غضب على قوة الولايات المتحدة لولا الغضب الذي يغلي منذ وقت طويل تجاه واشنطن بسبب غزواتها لبلدان اسلامية، ودعمها للحكومات الاسرائيلية والحكام العرب الطغاة، وضرباتها بالطائرات من دون طيار واكثر.

ان الغضب العميق من السياسة الخارجية للولايات المتحدة هو الحالة القائمة سابقا منذ مدة طويلة التي فشلت جهود اوباما في تغييرها بصورة تغييرا مهما. والسخط ازاء فيلم مسيء هو الفيروس الانتهازي الذي يخلق ازمة عندما يختلط بالحالة القائمة من قبل. وتستخدم حالات الاهانة الاميركية للاسلام لاثبات ان سياسات وافعال الولايات المتحدة الاكثر اثارة لغضب العرب العاديين ليست مجرد خيارات السياسة الخارجية المدفوعة بالمصلحة الذاتية واجندات اخرى وانما تعبيرات عن عداء اعمق تجاه الاسلام نفسه – وهو دليل يعمل كمحفز كيماوي يسبب غليان الغضب المترسب.

نعم، ان هذا امر يستغله دائما انتهازيون اشرار تحركهم اجندات ساسية ضيقة، ولكن الغضب نفسه حقيقي، وهو ليس مقتصراً على فيلم. ومن دون الغضب الموجود من قبل، سيكون الفيلم في الواقع مثل صاعق من دون ديناميت. واتحاد العنصرين وحده هو الذي يسبب الانفجار.

وهكذا، بهذا المعنى، لا يمكن اعتبار منتقدي الرئيس اوباما الجمهوريين مخطئين في ايحائهم بان الارتفاع هذا الاسبوع في الاحتجاجات يمثل، على الاقل جزئياً، ردا على تعامل الادارة مع شؤون الشرق الاوسط او حتى على ما سماه المرشح لمنصب نائب الرئيس بول رايان يوم الجمعة "اشارات مختلطة" من البيت الابيض. ولكن المجال الذي يخطيء فيه رايان واولئك الذين يرددون كلامه – خطأً شنيعاً، وهائلاً – هو الايحاء بان الاحتجاجات هي رد فعل على التراجع عن "الوضوح الاخلاقي والحزم في تحديد الاتجاه"، وهي كلمات كانت شائعة في عهد ادارة بوش. على العكس من ذلك، هب العالم الاسلامي غضبا على الولايات المتحدة بصورة مستمرة خلال معظم مدة رئاسة بوش تحديداً بسبب حربيها على العراق وافغانستان، ودعمها غير المشروط لاسرائيل بينما هي تضرب الفلسطينيين، وبسبب النفاق الواضح في اتباعها سياسة تنادي بالديموقراطية والحرية بينما هي تعانق اصدقاء مستبدين.

واذا كان العرب يشعرون بالغضب نتيجة "الرسائل المتباينة" التي تصدر عن ادارة اوباما، فان ذلك يعود الى ان الرئيس (الاميركي) تعهد في القاهرة في العام 2009 بكسر حاجز سياسة فترة بوش، لكنه فشل مرات كثيرة في تنفيذ تعهداته. ولا يرجع الغضب الذي يعتمل في صدور العرب من التغييرات التي اجراها اوباما منذ فترة ادارة بوش، وانما من استمرار ادارته أكثر من مرة في تنفيذ سياسات فترة بوش في الشرق الاوسط. ويطالب رايان ان يظهر اوباما "الريادة الاميركية" بالتعامل بمزيد من التقارب والخطى المتطابقة مع خطى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. فهل سيساعد ذلك على تهدئة مشاعر الجماهير المندفعة نحو سفارات الولايات المتحدة في العالم العربي؟.

يتراوح الذين يقررون السياسة الاميركية الخارجية المدروسة ما بين احد اشداء الصقور روبرت كاغان، وكان مستشارا رئيسيا لادارة اوباما خلال فترة حرب العراق، وبين خبراء ليبراليين من امثال ناثان براون من معهد كارنيغي، حيث انهم يتفقون على دعم القيام برد فعل محسوب يعترف بالازمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها العالم العربي في ذات الوقت الذي نسعى فيه الى التواصل مع الحكومات الاسلامية الناشئة حتى نتمكن من دفعها الى اتجاه عملي الى حد اكبر.

ويبدو ان الاخوان المسلمين في مصر حاولوا ارسال اشارة، وان كانت غير جلية، بانهم ايضا يسعون للتواصل ولعلاقة جديدة مع الدول الغربية. لكنهم لا يستطيعون اغفال سورة الغضب التي اطلقها البث على شبكات التلفزيون السلفية لمقاطع من استفزازات الفيدو الفجة. وهذا هو ما دعاها الى دعوة اتباعهم للقيام باحتجاج على الفيلم، ولكن باساليب سلمية داخل مساجدهم. وبكلمة اخرى، ليس ضد السفارة الاميركية. وهناك ما يشعرني ان مثل هذه الجهود غير المباشرة لتهدئة الاوضاع بتشجيع الاحتجاجات وبتحديدها في الوقت ذته، كاجراء ذي حدين مثلما يبدو الامر لجمهور وسائل الاعلام الاميركية، قد توفر افضل امل في تغيير الحركة. ثم ان الاحداث التي وقعت الاسبوع الماضي في ليبيا ومصر وتونس واليمن تعتبر تذكيرا بان المنطقة، وعلاقة واشنطن بها، قد دخلت مجالاً مجهولا في السنتين الماضيتين.

فلا التأفف من "النقاء المعنوي" ولا تحاشي التناقض والغموض المتواصل في السياسة الاميركية يمكنه ان يوفر قدرا كافيا من التوجيه. ذلك انه مع التغييرات التي تطرأ على العالم العربي، تُطرح تساؤلات جديدة تتعلق بها وبالدولة العظمى في خضمها ايضا. والحديث الذي لن يكون مريحاً بدأ للتو فقط.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018