غلاء لا يحتمل للأسعار: من يأمن الدواء للمصريين؟

غلاء لا يحتمل للأسعار: من يأمن الدواء للمصريين؟

شكل تطوعي جديد، أقدمت عليه جمعية خيرية مصرية لمواكبة حاجات المجتمع، لاسيما الفقراء منه، في ظل الارتفاع الشديد في الأسعار الذي تشهده البلاد في الآونة الأخيرة.

المهمة تتمثل في جمع الأدوية المتبقية لدى مرضى بعد شفائهم من عللهم، أو عدم حاجتهم لها لأسباب أخرى، ثم إعادة ترتيبها داخل صيدلية، ومن ثم توزيعها على من لا تسعفه قدرته المالية على مواجهة تكاليف علاج مرضه، بعد التأكد من صلاحيتها.

داخل مقر جمعية "الشرق" الخيرية بضاحية حلوان، جنوبي القاهرة، يمكن إدراك قيمة هذه المبادرة، عند الاستماع لسيدات فقيرات وهن يتحدثن عن حاجتهن لدواء فقدن القدرة على شرائه، قبل أن تعرف الابتسامة طريقها إلى وجوههن حين يدخل الطبيب الصيدلي وهو يوزع عليهن الأدوية من داخل "صيدلة الشرق" بمقر الجمعية، مصحوبة بنصيحة وابتسامة.

على مقعد بالركن البعيد من غرفة الانتظار الضيقة، كانت الخمسينية شادية محمد، تروي لمن يشاركنها نفس المطلب، ظروفها المعيشية الصعبة، وكذلك حاجتها كمريضة للسكري إلى الدواء بانتظام، من دون أن تنسى أن تًضمن حديثها بالدعاء المتكرر للقائمين على الجمعية.

تحتاج شادية، حسبما أوضحت، إلى علاج شهري تزيد تكلفته عن الـ300 جنيه، بأسعار ما قبل الزيادات الأخيرة التي أقرتها وزارة الصحة.

سابقًا، كان بإمكان شادية أن توفر هذا المبلغ، لكنها باتت عاجزة عن ذلك، بسبب غلاء المعيشة، مع ارتفاع أسعار الأدوية.

وشهد سوق الأدوية في مصر، خلال الشهور الماضية، أزمة كبيرة، نتيجة لقرار الحكومة في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بتحرير سعر صرف الجنية مقابل الدولار، ما أدى لانخفاض قيمة العملة المحلية بنسبة تجاوزت 100% .

وإثر ذلك، ارتفعت أسعار الأدوية المستوردة بنسبة 15%، والمحلية بنسبة 20%، بعد اتفاق بين الحكومة والشركات العاملة في هذا المجال، وفق تصريح أدلى به وزير الصحة، أحمد عماد الدين، لوسائل إعلام محلية مطلع كانون الثاني/ يناير الجاري.

وفضلاً عن تأثيره في الأسعار، تسبب انخفاض قيمة العملة في نقص الأدوية المتوافرة في بالأسواق، وفق ما ذكرت نقابة الصيادلة.

وشمل النقص نحو 2000 صنف دوائي، مع اختفاء نحو 400 مستحضر حيوي لعلاج الأورام والكبد والضغط والسكري والقلب.

بالنسبة لشادية، كان الأثر مضاعفًا، كون دخلها الشهري لا يتجاوز ألف جنيه (50 دولارًا)، تتحصل عليه كراتب تقاعدي منذ وفاة زوجها، و"هذا مبلغ لم يعد يكفي لا الحاجات الضرورية للحياة ولا الدواء"، حسب قولها.

وتأكيدًا لمعاناتها، أضافت شادية أنها تعول ولدين معاقين ذهنيًا، وتضطر كلما حضرت للجمعية أن تتركهما عند ابنتها المتزوجة، كي لا يتعرضا للخطر في غيابها.

وعند حضورها للجمعية، لا تحتاج شادية، مثل غيرها من المعوزين، غير الانتظار قليلاً حتى يأتي الصيدلي بعد صلاة المغرب يوميًا، لتقدم له "وصفة" الطبيب التي يصرف على ضوئها العلاج المطلوب، حتى لو كان من فوائض الآخرين".

الحاجة أم "المبادرة"

يقبل على صيدلية "الشرق" كثيرون مثل شادية، وهؤلاء كانوا يحصلون في السابق على أدوية جديدة توفرها الجمعية من ميزانيتها، غير أن ارتفاع الأسعار إلى جانب الأزمة التي تعانيها الجمعيات الخيرية في مصر وضعف تمويلها، دفع القائمين على هذه الخدمة، في اتجاه بديل.

حدث ذلك خلال اجتماع لبحث أزمة نقص الأدوية، عندما طرح عضو بالجمعية فكرة تجميع الزائد منها لدى المرضى، على أن يعاد فرزها وتوصيلها لمن يحتاج إليها ولا يستطيع شرائها، فتمت الموافقة وانطلقت المبادرة، حسبما روى صالح عمران، رئيس الجمعية.

وأضاف: "حصلنا على موافقات بالعمل من قبل الجهات المختصة".

وأشار إلى أن صيدلية "الشرق"، التي تم إنشاؤها لهذا الغرض، تركز بدرجة أكبر على المصابين بالأمراض السرطانية والمزمنة وفيروس سي والسكري.

وتابع عمران موضحا "هذه الأمراض تحتاج علاج شهري بأسعار باهظة لا يستطيع الفقراء تحملها".

وتابع قالًا "في وقت قصير، انتشرت فكرة الصيدلية بمجرد إنشاء صفحة تعريفية بها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حيث انضم إليها الآلاف من شتى محافظات مصر، فضلاً عن آخرين مقيمين بالخارج".

وحسب رئيس مجلس إدارة الجمعية، فقد تبرع بعض المصريين المقيمين بالسعودية وأميركا بأموال للمساعدة في شراء الأدوية.

أما طريقة عمل الصيدلية، فتبدأ بتلقي اتصالات الراغبين في التبرع بأدوية، ليتم الاتفاق معهم على تسليمها لمندوب من الشباب المتطوع.

ولفت عمران أن "مجموعة من طلاب كلية الصيدلة أو أطباء ممارسين يتولون تنظيم الأدوية ووضعها على الرفوف المخصصة داخل الصيدلي حسب نوعية الدواء، لتسهيل صرف العلاج دون أن يقضي المريض وقتا طويلا في الانتظار".

ووفق، عمران، تستقبل الصيدلية مرضى من جنوب وشمالي مصر، و"للتسهيل عليهم، تقرر توصيل الأدوية عبر أقاربهم من الدرجة الأولى"، بعد الاطلاع على هوياتهم.

لكن تزايد أعداد المرضى المقبلين على الصيدلية، تسبب بنقص في أنواع معينة من الأدوية، فاضطر القائمون على المشروع لإعداد قائمة شهرية بالنواقص المطلوبة والإعلان عنها عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ومطالبة المتبرعين بتوفيرها إما بإرسالها بواسطة المندوبين، أو تحويل مبالغ مالية لشرائها، على ما أوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية.

وحديثا اتجهت صيدلية "الشرق"، كما ذكر، عمران، إلى فتح فرع آخر لها في محافظة الفيوم (وسط)، كما تعمل الجمعية حاليا على فتح فروع آخري بعدد من المحافظات، فضلا عن عقدها بروتوكولات تعاون مع عدد كبير من الجمعيات الخيرية وشركات الأدوية لتوفير أكبر قدر من الأدوية لمساعدة المرضى الفقراء.

حل جزئي

رغم ما عرضه رئيس مجلس إدارة جمعية " الشرق" من نماذج تؤكد أهمية العمل الأهلي في مواجهة مشكلة نقص الأدوية وغلائها، يبقى هذا الحل جزئيًا، في ظل وجود أطراف أخرى أكثر تأثيرًا في سوق الدواء.

ومؤخرًا، أعلنت نقابة الصيادلة عن غلق الصيدليات بداية من اليوم الأحد، اعتراضا على تحريك أسعار الأدوية للمرة الثانية خلال عام واحد، والتسعير بشكل عشوائي.

وحسب رأي رئيس شعبة صناعة الدواء بنقابة الصيادلة، الدكتور صبري الطويلة، فإن الأزمة موجودة منذ فترة ولكنها ظهرت على السطح مع صراع جهات كثيرة كان يفترض أن تتعاون لخدمة المريض.

وتابع الطويلة، موضحًا، أن تلك الجهات هي "منظومة الصناعة والتوزيع، والصيدليات، والجهاز التنفيذي والرقابي، فجميعها المسؤولة عن توفير الدواء الآمن والفعال بداية من تصنيعه وإنتاجه والحفاظ عليه حتى وصوله إلى المريض".

وأشار، إلى "وجود خلل في منظومة تسعير الدواء تسبب في تفاقم الأزمة، والتي نتج عنها نقص في عديد من أدوية الأمراض المزمنة".

وتعليقًا على تجربة صيدلية "الشرق" قال الطويلة، إنها "تعد عملاً تطوعيًا خدميًا ويمكن أخذها بعين الاعتبار وعرضها على مجلس نقابة الصيادلة للنظر في أمرها".

وأضاف: "يجب أن نعرف ما إذا كانت لم تخل بالقانون رقم 127 لسنة 1955، الخاص بمزاولة المهنة أم لا".

وفضلاً عن تحديده الإطار العام للعمل الصيدلاني، يقضي القانون المذكور، بأنه "لا يجوز لأحد أن يزاول مهنة الصيدلة إلا إذا كان اسمه مقيدا بسجل الصيادلة بوزارة الصحة وفي جدول نقابة المهنة".