الكسل "مؤامرة" دماغية لآثار تطوّرية!

الكسل "مؤامرة" دماغية لآثار تطوّرية!
توضيحية (pixabay)

هل أنت معتادة على اتخاذ "قرار" بالاشتراك في نادٍ للرياضة لتجدي نفسك في نهاية الأمر في سريرك نائمة دون ممارسة التمارين الرياضية؟ هل تقرّر بشكل يومي أن "تبدأ اليوم بممارسة الرياضة بشكل يوميّ وتلتزم بنمط حياة صحيّ" ثمّ ينتهي بك الأمر على الأريكة مؤنّبًا نفسك على كسلك؟ قد لا تكون كسولًا تمامًا!

فقد بيّنت دراسة حديثة نشرت مؤخرًا في دورية "نيوروسايكولوجيا" أنّ عقل الإنسان قد يكون سببًا رئيسيًّا في "نمط الحياة غير النشط" الذي يبدو في العادة "نشاطًا مستقرًّا"، ليصير العقل أكثر انجذابًا إليه، ويتطلب الابتعاد عنه مجهودًا أكبر، ليشرح الفرق بين رغبة الإنسان بحياة أكثر نشاطًا وصحية، وبين ما هي عليه في الحقيقة.

وعرَّف الباحثون في الدراسة "السلوكيات المستقرة" على أنها نمط حياة يمارس فيه الفرد القليل من النشاط البدني أو لا يمارسه على الإطلاق. ويميل الأشخاص الذين يتبعون السلوكيات المستقرة إلى الجلوس أو الاستلقاء خلال عمل بعض الأنشطة كالقراءة، وألعاب الفيديو، ومشاهدة التليفزيون، واستخدام الهاتف الجوال أو الحاسوب. 

ووفقًا لدراسات سابقة، فإنّ نحو 30٪ من البالغين و80٪ من المراهقين اليوم، لا يلبّون الحد الأدنى من مستويات النشاط البدني اليومي للبقاء بصحة جيدة، وهي المستويات الموصى بها من قِبل منظمة الصحة العالمية (WHO).

ويُرجع الباحثون ذلك إلى الصراع بين إرادتنا العقلانية الواعية التي تود أن يصبح صاحبها أكثر نشاطًا، وإرادتنا الإندفاعية وبقايا تطورنا البيولوجي التي تدفعنا إلى الراحة، من أجل الحفاظ على طاقتنا للبقاء على قيد الحياة، إذ يبدو أن أدمغتنا لديها ميل طبيعي نحو الحفاظ على الطاقة؛ إذ يرجّح الباحثون أنّ الحفاظ على الطاقة كان أمرًا مهمًّا لأسلافنا من أجل زيادة احتمالات البقاء على قيد الحياة. وقد لاحظ الباحثون أن التقليل من استهلاك الطاقة مسؤول عن العديد من السلوكيات والسمات الشكلية عند البشر وغيرهم من الكائنات.

وللوصول لهذه النتائج، أجرى الباحثون اختبارًا طلبوا فيه من عدد من المشاركين الاختيار بين ممارسة الرياضة أو الامتناع عن ممارستها طلبًا للراحة والاسترخاء، وذلك بغرض رصد نشاط أدمغتهم في أثناء عملية اتخاذ القرار. إذ يترافق تجنُّب نمط حياة مستقر، يرنو إلى الراحة، مع مستويات عالية من مراقبة الصراع وتثبيطه من قِبَل الدماغ. 

وثبَّت الباحثون أقطابًا كهربائية على أسطح أدمغة 29 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 20 و26 عامًا ممن يمارسون الرياضة وممن هم غير نشطين بدنيًّا ولكن لديهم نية أن يصبحوا أكثر نشاطًا، وذلك لتسجيل النشاط الكهربائي في المخ عند التغيُّر في الجهد داخل الخلايا العصبية باستخدام تقنية تخطيط كهربية الدماغ (EEG).

وفرت تلك التقنية المعلومات لدراسة نشاط قشرة المخ، ووفقًا للمعلومات التي توفّرت حول المشاركين، فإنّ النشاط الكهربائي أعلى عندما تجنَّب المشاركون الصور التي تمثل الراحة أكثر من تجنُّبهم للنشاط البدني، خاصة في قشرة الفص الجبهي الأمامي الوسطى بالدِّماغ وقشرة الفص الأمامي المركزي.

وأوضحت دراسات سابقة اعتمد عليها الباحثون وذكروها في دراستهم، أنّ الأنشطة التي تسجل في قشرة الفص الجبهي الأمامي الوسطي تنتج عند مراقبة صراع في إدراك المعلومات التي تُرسَل إلى المخ، ما يعني أنّ النشاط المتزايد الذي لوحظ في هذه المنطقة الدماغية كان مطلوبًا لمراقبة الصراع بين النية لتكون نشطًا جسديًّا والانجذاب التلقائي للراحة.

وتتماشى نتائج هذه الدراسة مع نظرية جديدة نُشرت في بداية هذا العام في مجلة "جيرمان إكسرسيز أند سبورت" العلمية، تطرح نظرية تسمى النظرية "الانفعالية التأملية"، والتي تقول إن ممارسة التمارين الرياضية قد تكون نتاجًا للتفاعلات بين قوى تقود إلى ممارستها وأخرى تقيد النشاط البدني وتدعو إلى الراحة.

كذلك، فإنّ الدراسة توفر أدلة بيولوجية عصبية على أن التدخل النفسي لا ينبغي أن يركز حصريًّا على الدوافع التحفيزية -على سبيل المثال: تحديد الأهداف، والسلوك المتعمد- ولكن يجب أيضًا البدء في معرفة المزيد عن ردود الفعل التلقائية، واللاواعية، والاندفاعية، تلك العمليات التي تعوقنا عن العمل العقلاني المخطط له.

يأمل باحثو الدراسة أن يدرك الناس الآن أن عقولهم تنجذب تلقائيًّا إلى الراحة، وذلك استنادًا إلى النتائج التي توصلوا إليها في دراستهم، ومن ثَم عليهم تطوير إستراتيجيات لتجنُّب "خداعهم" من قِبَل دماغهم، ما يعني أنّ على الأشخاص الذين يملكون النية في أن يكونوا نشيطين بدنيًّا، أن يتحكموا في دماغهم ولا يسمحوا لدماغهم بتوجيههم إلى المصعد عند وجود درج إلى جواره، على سبيل المثال.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية