لماذا لا تكتشف النساء الفلسطينيات سرطان الثدي مبكّرًا؟

لماذا لا تكتشف النساء الفلسطينيات سرطان الثدي مبكّرًا؟
د. أرسلان أبو مخ

مقال لأخصائي أمراض باطنيّة، واختصاصي أمراض القلب والأوعية الدموية في مستشفى تل- هشومير، د. أرسلان أبو مخ.


فُلانة، فلسطينيّة ربّة منزل في عقدها الخامس، أمّ لأربعة أولاد في مكتمل العمر، تُدير "صحّة" زوجها كالساعة السويسريّة، الحبّة الزهريّة الساعة 10:00 صباحًا، والحبّة المنقمشة الساعة 18:00 مساءً.

في المقابل تُنكِر فُلانة نفسها أوجاعًا وآلامًا بسيطة في منطقة القفص الصدري لمدّة أشهُر قليلة، لتكتشف بعد أن أُغمِي عليها في بيتها، واستفاقت في المستشفى، وجود أورام سرطانيّة في رأسِها وفي الدّماغ حيث خلُصَ الأطبّاء أنّ الورم مصدره الثّدي الأيمَن. في هذه المرحلة من مرضِها لم يتبقَّ لها سوى تخفيف آلام الورم الذي لم يُبقي زاوية من جسدها إلّا وتفشّى به. هذا ما يُسمّى بحالة عُضال من سرطان مُتفشّي لا شِفاء منهُ. هل هذا حتمًا قدر كُلّ من تُصاب بسرطان الثّدي؟

يشكل سرطان الثدي الغالبية العظمى من الأورام الخبيثة المشخّصة لدى النساء في أنحاء العالم عامةً، وفي البلاد خاصةً؛ ففي العام 2015 ووفقًا لبيانات وزارة الصحّة، وصلت نسبة أورام الثدي إلى 33% من الأورام المشخّصة لدى النساء الفلسطينيّات.

على مرّ قرابة عقدين، هناك تزايد مقلق في تشخيص حالات سرطان الثدي الغَزَوي أو ما يُعرف ب-"Invasive Carcinoma" بمعدل 1.9%؜ في السنة لدى النساء الفلسطينيات داخل الخطّ الأخضر، في حين أنّ هناك ركودًا واضحًا في هذه النسبة لدى النساء اليهوديات، فبالرغم من احتماليّة الإصابة المشابهة تقريبًا في كلا المجتمعين (نسبه شبيهة لكل 100 ألف امرأة)، إلّا أن الأورام المُشَخّصة لدى النساء الفلسطينيات هي أكبر حجمًا وأكثر انتشارًا وتفشيًّا منذ بداية التشخيص. بمعنى آخر، تُشَخّص الأورام عن الفلسطينيّات في مرحلة متأخّرة نسبيًّا مما يفسّر ارتفاع نسبة الوفيات وتدني نسبة نجاح العلاج لديهُنّ مقارنةً مع النساء اليهوديات.

(Pixabay)

قد يتساءل القارئ عن أسباب هذه الفجوات وقد يُعزي ذلك إلى عوامل وراثية، جغرافية واقتصادية، التي تخصّ المجتمع الفلسطيني. من شأن هذه العوامل تفسير بعض الفروقات المعروضة إلى حدٍّ ما، ولكن ليس كلها. فلا بُدّ من التطرّق إلى عوامل ثقافيّة واجتماعيّة من الصّعب قياسها وإثبات دورها في إقليم الأبحاث الطبيّة، وعلى رأسِها الكشف المُبَكّر. ففي قراءة ما بين السطور في مُجمل المعطيات هناك إشارة إلى تدنّي وتقصير في نسبة الفحوصات المبكّرة للكشف عن سرطان الثدي لدى النساء الفلسطينيات والتي تعكس نسبة الوفيّات المرتفعة.

إضافةً إلى ذلك، فأثناء البحث عن دراسات طبّيّة أو تصريحات من جهات رسميّة اتّضح أن هنالك "فقر" واضح في كمية الأبحاث التي تتناول سرطان الثدي لدى الأقليّة الفلسطينيّة في الداخل بشكل خاصّ، وما يحيطها من تحديات اجتماعيّة-اقتصاديّة وغيرها من تحديات التي تلعب دورًا أساسيًّا في الفروقات المذكورة أعلاه.

وهذا ما يفسّر عدم وجود برامج خاصّة للكشف المبكّر لدى النّساء الفلسطينيّات، فالدراسات الطبيّة وخاصة تلك التي تبحث في علم الوبائيات (epidemiology) من شأنها البتّ في هذه الفروقات العرقيّة، ومن ثم استخلاص إستراتيجيات علاجيّة تخص الشرائح الاجتماعيّة المختلفة، واضعةً نصب أعيُنِها العراقيل والتحديات الخاصة لهذه الأقليّة. عدم تشخيص المشكلة يؤدّي حتمًا إلى عدم وجود حلّ.

لا شكّ أنّ العامِل الأهمّ في رفع نسبة الشّفاء من سرطان الثّدي هو الكشف المُبكّر، فقد تصِل نسبة الشّفاء إلى أكثر من 90% في حال تمّ تشخيص السرطان مبكّرًا.

من هُنا، لا مجال للتخاذل أمام هذا الوضع المقلق الذي يخُصّ النّساء الفلسطينيّات، فالمسؤولية تقع على الرّجُل والمرأة على حدّ سواء في ضبط وتعيين فحوصات سنوية بهدف الكشف المبكّر ضمن توصِيات صناديق المرضى المختلفة، ابتداءً بفحوصات جسديّة دوريّة لدى طبيب مختص (جراحه عامة/ جراحة ثديين)، وفحوصات أشعّة مختلفة (مثل Mamography)، وأخذ عيّنات في حال لَزم الأمر. في ظلّ التزاماتنا اليوميّة المُنهِكة من المفضّل تحديد تواريخ الفحص مسبقًا وبشكل ثابت سنويًا، مِمّا يضمَن المُواظبة الذاتيّة والكشف المُبكّر. وأخيرًا، "تذكّروا أن تفحصوا" وليس "تذكّري أن تفحصي" فهذه معركة المجتمع كله وليست معركة النساء وحدها.