د. مجادلة: تداعيات كورونا الصحية والاجتماعية ستلازم البشرية طويلا

د. مجادلة: تداعيات كورونا الصحية والاجتماعية ستلازم البشرية طويلا
من محطة فحص الكورونا بالناصرة

وجه مدير قسم الطوارئ في مستشفى "الشارون"، د. رياض مجادلة، نداء للمواطنين العرب، بالتزام منازلهم والتقيد بتعليمات وزارة الصحة والأطباء، وذلك للحد من انتشار فيروس كورونا في البلاد.

وحذر مجادلة، وهو من سكان مدينة باقة الغربية، من إمكانية تفشي الفيروس في البلاد وخاصة في البلدات العربية ومراكز التجمعات السكنية للحريديين، وذلك في حال لم يتم الامتثال لأوامر الطوارئ وتعليمات وزارة الصحة.

وأبدى الطبيب المتخصص في طب الطوارئ والأمراض الباطنية، قلقه من إمكانية فقدان السيطرة على الفيروس وتحوله إلى وباء، خاصة في القرى والمدن العربية التي شخصت في غالبيتها إصابات بالفيروس.

وأعرب عن اعتقاده أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة بكل ما يتعلق في احتواء فيروس كورونا، مبينا أنه حتى نهاية شهر نيسان/ أبريل الجاري، وفي حال الالتزام التام بالتعليمات والإبقاء على الإغلاق والحجر الصحي والعزل بالمنازل، سنشهد تراجعا في الإصابات وارتفاعات بالشفاء من الفيروس، وستكون بداية لرفع متدرج للتقييدات.

"عرب 48": ما هو واقع انتشار فيروس كورونا في البلاد والمجتمع العربي على وجه الخصوص؟

د. مجادلة: هناك انتشار واسع للفيروس في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في المناطق السكنية للحريديين الذين لم يلزموا منازلهم ولم يمتثلوا لتعليمات وزارة الصحة، يوميا تسجل مئات الإصابات بالفيروس، وهذا الدالة التصاعدية سترافقنا خلال الأسابيع المقبلة ومع مضاعفة الفحوصات لاكتشاف الفيروس.

أما فيما يخص المجتمع العربي، ومع البدء بإجراء الفحوصات تسجل يوميا إصابات بالفيروس، ويلاحظ انتشار ملحوظ للفيروس في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية، ما يعني أن الفيروس متواجد في غالبية القرى والمدن ولو حتى بحالة واحدة. وإذا ما نظرنا للحالات التي اكتشفت، مؤخرا، نلاحظ أن بعض المدن والقرى تتربع على سلم الإصابات، أبرزها طمرة، سخنين، الناصرة، رهط، الطيبة، جت، وبالتالي لا بد من تشديد الإجراءات والتقييدات لمنع انتشار الفيروس.

"عرب 48": فقط عشرات الإصابات في المجتمع العربي، هل هذه معطيات واقعية؟

د. مجادلة: بما يخص المجتمع العربي، بتأخير أسابيع تم البدء بإجراء فحوصات لاكتشاف الفيروس، وأجريت في الأيام الأخيرة مئات الفحوصات وستجرى خلال الأيام المقبلة المزيد منها، وإلى الآن لم يعلن عن النتائج، ما يعني أننا سنشهد ارتفاعا في معدلات الإصابة بالفيروس.

كما يلاحظ أن المئات من المواطنين العرب تظهر عليهم أعراض الإصابة بالفيروس، لكن دون أن يخضعوا للفحوصات والعلاجات، وبالتالي أتوقع أن تسجل البلدات العربية المزيد من الإصابات، وبالتالي احتواء وتقليل الإصابات يكون من خلال الالتزام بالمنازل والامتناع عن المخالطة والاحتكاك بالناس والتجمهر.

"عرب 48": كيف تقيّم نهج المجتمع العربي والتعامل مع أزمة كورونا؟

د. مجادلة: حوالي 90% من أبناء المجتمع العربي يلتزمون بالتعليمات والإرشادات ويتصرفون من منطلق كامل المسؤولية تجاه صحتهم وصحة المجتمع والجمهور، كما أنهم يستمعون للنصائح والإرشادات الطبية ولا يخترقون الإجراءات والتقييدات المشددة للحد من حرية التنقل، لكن للأسف الشديد هناك 10% في كل قرية ومدينة عربية لا يلتزمون بالتعليمات ويتصرفون بنوع من اللامبالاة واللامسوؤلية تجاه أنفسهم أولا وعائلاتهم وأيضا تجاه مجتمعهم، فهؤلاء هم الذين يتسببون في انتشار الفيروس في كل قرية ومدينة، لا يعقل أن ثلة من الأشخاص تتسبب بتفشي الوباء.

"عرب 48": هل نحن أمام واقع مبهم ومستقبل غامض؟

د. مجادلة: بداية للتوضيح فإن حوالي 50% إلى 60% من الناس يحملون فيروس كورونا، لكن هذا الفيروس غير نشط، وعليه لا تظهر عليهم أعراض الإصابة، كما أن جهاز المناعة القوي يمنع تدهور الصحة، وبالتالي الجسم يطور المناعة ضد الفيروس، لكن هذا الإنسان الذي يحمل الفيروس دون أن يشعر ودون أن تظهر عليه أعراض المرض يمكنه من خلال المخالطة والاحتكاك والتجمهر نقل الفيروس إلى العشرات، وعليه التزام المنازل مهم وضروري لمنع انتشار الفيروس ونقل العدوى.

الأسابيع المقبلة مرحلة مفصلية بكل ما يتعلق في محاصرة واحتواء الفيروس، لذا التقيد بالتعليمات والإرشادات والإجراءات المشددة سيسهم في منع تفشي الفيروس والسيطرة عليه، حتى نصل إلى وضع استقرار في دالة الإصابات وانخفاضها، ومن ثم نصل لوضع يكون الشفاء من الفيروس أكثر من الإصابة به.

د. رياض مجادلة (عرب 48)

"عرب 48": ما هي الإجراءات الصحية التي تقومون بها لاحتواء الفيروس؟

د. مجادلة: مواصلة الإرشاد وتعميق الوعي والإجراءات الوقائية والعلاجية للحالات المستكشفة وجهوزية الطواقم الطبية والمتشفيات والمراكز الصحية والعيادات هي من أهم وأبرز الإجراءات بغرض تقليص عدد الإصابات ومنع أن يتحول الفيروس لوباء، وبالتالي الوصول لمرحلة من الإصابات والعدوى يكون بمقدور الجهاز الصحي والمستشفيات استيعابها وعلاجها.

إذا استمرت الدالة بالإصابات على ما هي عليه دون مؤشرات لمضاعفة الإصابات ووصلنا لمرحلة الاستقرار بانتقال الفيروس والعدوى، عندها سيكون بمقدور المستشفيات استيعاب جميع الإصابات وتوفير العلاجات لها وأجهزة التنفس حتى لو كانت بالآلاف.

وبالتالي فإن الإجراءات المشددة والتقييدات تحول دون تفشي الفيروس وفقدان السيطرة عليها مثلما حدث في إيطاليا، إذ أستبعد أن يحصل ويكرر سيناريو إيطاليا في البلاد، لكن كافة الاحتمالات واردة في حال الاستخفاف بالتعليمات وعدم الجهوزية. وعليه، تخطيط وزارة الصحة في الأسابيع المقبلة تجهيز 80% من الأسرّة في كل مستشفيات البلاد لمرضى الكورونا، وإبقاء 20% منها للمرضى العاديين، ليكون بالمنظومة الصحية معالجة جميع الإصابات دون انهيار للمستشفيات وقطاع الصحة.

"عرب 48": ما احتمال أن تصل البلاد إلى ما تشهده إيطاليا؟

د. مجادلة: كل سيناريو وارد بالحسبان إذا لم يلتزم الجمهور بالتعليمات والإجراءات المشددة، وفي حال لم يتم فرض الإغلاق الشامل وحظر تنقل وتجول المواطنين. الأسابيع المقبلة حاسمة وبالتالي على الجميع، كل من موقعه ومسؤوليته، أخذ الأمور على محمل الجدية.

الاستعمال الصحيح للتعقيم والتطهير وحتى القفازات والالتزام باستعمال الكمامات حتى الخروج من المنازل، كلها وسائل وقاية وإجراءات احترازية تحد من انتشار الفيروس وتمنع سيناريو كارثي.

لعل الإجراءات المشددة والتقييدات تمنع الإصابات التي قد تفوق قدرة المستشفيات على الاستيعاب والعلاج، كما تساعد المنظومة الصحية لتجنب حالات الاكتظاظ وتوفير الأجوبة للحالات المرضية لتكون بأعلى الجهوزية وعلى أهبة الاستعداد لأي طارئ، وتوفير الأسرّة والمعدات الطبية، وبذلك أستبعد أن نصل في البلاد للوضع الذي تشهده إيطاليا.

"عرب 48": كيف سينتهي هذا الوباء، هل من خلال اكتشاف لقاحات أو عبر التطعيم مثلا؟

د. مجادلة: وباء كورونا سينتشر حول العالم أسوة بأوبئة أخرى عرفتها البشرية، وسيواصل الانتشار وسيكون له تداعيات صحية لحين اكتشاف لقاحات، ولن يختفي من العالم عبر "تطعيم القطيع". حتى الآن، ما يقدم من علاجات وأدوية متوفرة بهدف منع التدهور الصحي للحالات المتوسطة والطفيفة.

هناك العديد من مراكز الأبحاث حول العالم، في أوروبا وأميركا وحتى مراكز إسرائيلية في البلاد، تنشط في البحث والتجارب العلمية لاستكشاف اللقاحات، إذ وظف الاتحاد الأوروبي 25 مليار يورو للأبحاث، بينما في أميركا رصدت مئات مليارات الدولارات.

وبلغت شركة "جونسون أند جونسون" الأميركية عن اختراق بالبحث العلمي ووجودها في مرحلة متقدمة من اكتشاف اللقاح، الأمر من شأنه الذي أن يساهم باكتشاف التطعيمات ضد فيروس كورونا لغاية نهاية العام الجاري.

"عرب 48": ماذا عن الأبحاث في البلاد وفرضية "تطعيم القطيع"؟

د. مجادلة: يوجد مركز أبحاث خاص في شمالي البلاد يجري تجارب وأبحاث مخبرية لتطوير لقاح للفيروس، كما يجري معهد و"أيزمان" للعلوم والمعهد البيولوجي لبحث الأوبئة في "نيس تسيونا" مجموعة من الأبحاث بمشاركة العشرات من العلماء لتطوير تطعيمات ولقاحات ضد فيروس كورونا.

أما بما يخص فرضية "تطعيم القطيع" فإنه لتكون الفرضية عملية فهذا بحاجة لإصابة 50% من المجتمع ليحملوا الفيروس دون أن يكون لديهم أي أعراض مرضية تلزمهم العلاج في المستشفيات، وفي البلاد نتحدث عن إصابة 5 ملايين مواطن في هكذا حالة، فهذا كارثي على الجهاز الصحي الذي لن يكون بمقدوره تقديم الخدمات والعلاجات وسينهار.

وإذا ما نظرنا إلى نسبة الوفيات من الإصابات بالفيروس من جراء تطعيم القطيع، وفقا لنسبة 3% فإن حوالي 150 ألف من السكان سيموتون من جراء الفيروس. مثل هذه النتائج كارثية. وعليه، يجب تشديد الإجراءات لتكون صارمة وقاسية. كان الأجدر فرض الإغلاق الشامل منذ 3 أسابيع، لكن لم يتحقق ذلك تحت ذريعة عدم انهيار الاقتصاد.

"عرب 48": متى سنشهد تراجعا بانتشار الفيروس في ظل التقييدات الحالية؟

د. مجادلة: للتوضيح فقط، من يدير أزمة كورونا في البلاد هو المستوى السياسي وليس المستوى المهني في وزارة الصحة، وبالتالي الكثير من القرارات التي اتخذها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، كانت خاطئة، ولعل أبرزها عدم فرض الإغلاق الشامل على البلاد خلافا للموقف المهني في وزارة الصحة، وهذا خلق حالة من الإرباك والتردد ولربما حفز انتشار الفيروس.

وفي ظل الإجراءات والإغلاق الجزئي وبحسب التقديرات، فإنه في الأسبوع الأخير من شهر نيسان/ أبريل الجاري، في حال تم التقيد بجميع الإجراءات وحظر التجمهر، سنبدأ نلمس التراجع بعدد الإصابات بالفيروس، ومن ناحية ثانية ارتفاعا بعدد ممن يشفون من كورونا.

"عرب 48": متى سنعود إلى حياتنا الطبيعية؟

د. مجادلة: حتى نهاية شهر نيسان/ أبريل الجاري، ومطلع أيار/ مايو المقبل، سيكون بالإمكان العودة للحياة الطبيعية. العودة ستكون من خلال رفع التقييدات والإجراءات المشددة بشكل تدريجي أي عودة بطيئة جدا ومغايرة للحياة التي اعتدنا إليها في السابق.

سنختار حالة من العزلة الطوعية، ولن يكون هناك تجمهر ومؤتمرات وسياحة وطيران وتنقل حر، ولا حتى المناسبات الاجتماعية والأفراح والأتراح والجنازات لن تعود كما عهدناها بالسابق، وستكون مقيدة ورهينة لتداعيات كورونا والفيروس. لن يسارعوا في افتتاح المدارس والجماعات والكليات، وستكون هناك حاجة لإعادة النظر بالتعليم في الصف التقليدي، وتقليل عدد الطلاب والطالبات في الصفوف.

لن تكون عودة لحياة طبيعية مثلما كانت ما قبل كورونا، العالم تغير وكورونا يرسم ملامح جديدة للعالم. وسترافق تداعيات فيروس كورونا الصحية والاجتماعية البشرية لسنوات طويلة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"