حوار | كيف يؤثر فيروس كورونا على الصحة النفسية؟

حوار | كيف يؤثر فيروس كورونا على الصحة النفسية؟
توضيحية من بيروت (أ ب)

بعد انتشار فيروس كورونا المستجد، فرضت حكومات الدول حول العالم إغلاقًا شبه تام للحد من انتشار الفيروس، وكان لهذا التغيير الإلزامي والمفاجئ تأثيرا على سلوك الناس طاول جوانب مختلفة من الحياة.

تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية، وعدم وضوح الرؤية في ما يتعلّق بالتعامل مع الجائحة، كل ذلك أدى إلى تراجع الصحّة النفسية لدى الأفراد وبالتالي إلى ازدياد معدلات البطالة والطلاق والعنف المنزلي وحالات الاكتئاب والانتحار.

د. نبيل جرايسي

وفي هذا السياق، أكد مدير قسم الصحة النفسية في مستشفى الناصرة، الأخصائي النفسي د. نبيل جرايسي، أن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف عن ازدياد عدد المتوجهين إلى مراكز الصحة النفسية طلبا للعلاج مما يسمى بـ"صدمة ما بعد كورونا".

وقال د. جرايسي في حديث لموقع "عرب 48" أن استمرار جائحة كورونا التي قد تطول إلى أكثر من سنة، أدت إلى ارتفاع معدلات المعاناة النفسية لدى الجمهور بشكل عام، وتفاقم المعاناة النفسية لدى الفئات التي كانت تعاني من حالات نفسية معينة.

وأوضح أن الأبحاث العلمية الأخيرة تشير إلى أن المعاناة النفسية لدى الأشخاص الذين كانوا يعانون من حالات القلق والتوتر والاكتئاب والخوف والصدمة، تضاعفت لديهم مستويات الخوف والتوتر والكآبة والصدمة عن سائر الناس، في زمن كورونا.

وشدد جرايسي على أن هذا ليس فقط ما تبينه الأبحاث، وإنما كانت هنالك مقارنة مع ما أعلنته منظمة الصحة العالمية بكل وضوح، أن هنالك تداعيات نفسية لجائحة كورونا على مستوى العالم سواء بسبب المرض نفسه أو بسبب الخوف من المرض أو بسبب مضاعفات المرض الجسدية والنفسية، إلى جانب الأزمات المادية والاقتصادية والبطالة والجلوس في البيت والحجر والانعزال والحرب على لقمة العيش.

كل هذه التداعيات تؤثر على الحالة النفسية، ولهذه الأسباب مجتمعة نلحظ ارتفاعا ملموسا في معدلات المعاناة النفسية لدى الجمهور، بحسب جرايسي.

"عرب 48": انت تتحدث عن حالات صدمة ما بعد كورونا، بماذا تتمثل، وكيف تظهر هذه الحالات، وما أعراضها؟

د. نبيل جرايسي: هذه الحالات تظهر ليس فقط بين عامة الناس، وإنما أيضا لدى الأشخاص الذين أصيبوا بعدوى كورونا، ولدى العديد من أفراد الطواقم الطبية أطباء؛ ممرضون، ومستخدمون وكل من يعمل في جهاز الصحة.

هذه الطواقم تعاني نتيجة هذه الظروف من الإرهاق والتعب وساعات العمل المتواصلة. هذه الطواقم تئن تحت وطأة جائحة كورونا سواء في البلاد أو في جميع أنحاء العالم.

نلاحظ أيضا ارتفاعا في معدلات الانتحار بسبب جائحة كورونا؛ وهناك حالات مرضية من القلق ومن الخوف تصل إلى حد الوسواس بسبب واجب الالتزام بالتوصيات والتعليمات.

من الضروري جدا الالتزام بوضع الكمامة وتعقيم اليدين والحفاظ على مسافة مترين على الأقل من الآخرين، لكن كل هذا يخلق طقوسا تسبب الوسواس.

هنالك مستويات من الوسوسة الفيزيولوجية العادية والطبيعية التي لها ما يبررها على أرض الواقع، لكن لدى الأشخاص الذين يعانون من حالات القلق والخوف والوسواس قبل جائحة كورونا، فقد ازدادت لديهم الطقوس القهرية والقسرية بسبب الخوف من العدوى.

"عرب 48": هل ثبت علميا وجود "صدمة ما بعد كورونا"، بمعنى أن المريض يشفى تماما صحيا لكنه يصاب بمضاعفات نفسية؟

د. جرايسي: معظم المعطيات المتوفرة لدينا اليوم، سواء المعطيات البحثية أو من خلال الممارسة المهنية اليومية، تشير إلى ارتفاع معدلات ومستويات المعاناة النفسية لدى الناس التي عانت من عدوى كورونا وشفيت بشكل تام من المرض، لكن هذه المعاناة الجسدية تركت لدى هؤلاء جوانب من معاناة نفسية، الخوف من عودة المرض والخوف من المستقبل، بالإضافة إلى قلق وتوتر وكآبة وصولا إلى حالات من الوسواس القهري والقسري.

توضيحية من الهند (أ ب)

نرى العديد من الشبان والنساء الذين تعافوا تماما من داء كورونا، يتوجهون للعلاجات النفسية في مرحلة ما بعد كورونا في حالات تشبه إلى حد كبير حالات ما بعد الصدمة، وهذه الحالات نراها بازدياد في عملنا اليومي وفي أدبيات منظمة الصحة العالمية وفي الأبحاث التي تنشر في مجلات عالمية في الأسابيع الأخيرة.

"عرب 48": ما هي أعراض هذه الحالات؟

د. جرايسي: القاسم المشترك في أعراض هذه الحالات هو قلق شديد وأرق وقلة نوم وخوف مبهم من المستقبل المجهول، إلى جانب الخوف من المرض والخوف على أفراد العائلة، وهواجس من تكرار العدوى مرة أخرى رغم أن الكثير من الأبحاث تؤكد بأن العدوى لا تتكرر مرة ثانية وأن الجسم يكتسب مناعة، لكن بعض الأخبار تتحدث عن احتمالات نادرة لتكرار العدوى لدى نفس الشخص.

"عرب 48": كيف يكون العلاج لمثل هذه الحالات، هل بجلسات علاجية أم بالعقاقير المهدئة؟

د. جرايسي: هذا يعتمد على مستوى وشدّة الحالة النفسية، هنالك حالات نسميها ردود فعل نفسية عابرة، ولا تحتاج إلى علاج نفسي مطلقا. وهنالك حالات تحتاج إلى استشارة نفسية وإلى علاج نفسي سيكولوجي، هبر جلسات علاجية سلوكية وإدراكية داعمة، تزوّد الشخص بالأدوات للتعامل مع حالات القلق الزائد والخوف، وهنالك الحالات الصعبة التي تعتمد على الدمج بين الجلسات العلاجية والأدوية مثل حالات الاكتئاب والقلق الشديد والوسواس القهري وحالات ما بعد الصدمة.

"عرب 48": هنالك حالات من الهرب من هذا الخوف والقلق إلى تعاطي المخدرات والكحول، وهي من المظاهر الشائعة التي ترافق الجائحة.

د. جرايسي: نعم، الإنسان بشكل عام تعلّم كيف يتغلب على مخاوفه وعلى القلق الذي ينتابه، وهنالك السلوكيات السليمة والبناءة التي تقابلها السلوكيات الخاطئة الهدّامة، كالحالات التي يلجأ فيها الإنسان من أجل السيطرة على الخوف لديه إلى الإدمان على المخدرات أو الكحول، فهي من ناحية تساعده على التغلب على الخوف والقلق لكن من ناحية أخرى تدخله في حالة نفسية أصعب، لذلك نحن نسميها علاجات ذاتية عبثية وخاطئة، فبالتالي لا الانتحار ولا الإدمان على الكحول والمخدرات تعالج الخوف وإنما تسبب حالات نفسية أقسى وأصعب.

"عرب 48": هل الخوف والقلق يضعفان جهاز المناعة لدى الإنسان؟

د. جرايسي: نعم بالتأكيد، ليس فقط في حالات كورونا، بل مثبت علميا أنه في كثير من الحالات الخوف والقلق والكآبة تحبط المناعة الجسدية، كما أنها تحبط من المناعة النفسية أيضا، لكنها بالأساس تحبط جهاز المناعة الجسدي وبالتالي يكون الإنسان معرض للعدوى الأقسى والأصعب.

نحن نعرف من خلال الكثير من الأبحاث التي أجريت على الأشخاص الذين خضعوا لعمليات جراحية معقدة وأجري لديهم فحص معايير الخوف قبل دخولهم إلى العملية الجراحية، وتبين أن الأشخاص الذين كانوا بحالة قلق وخوف شديدين من العملية، كانت نتيجة العمليات أقل جودة من أولئك الذين أجروا نفس العملية وكانوا متفائلين وبحالة مزاجية جيدة قبل إجراء العملية. وبالتالي فإن الحالة النفسية لها تأثير كبير على النتيجة الجسدية سواء للمرض أو للعمليات الجراحية، وهناك رباط نفسي جسدي قوي يشكّل جسم الإنسان كوحدة كاملة ومتكاملة.

"عرب 48": بالنسبة لموضوع العلاقات الأسرية والمشاكل العائلية وحالات الطلاق التي تزداد في فترات الإغلاق، يضاف إلى ذلك الضغوط الاقتصادية والأزمات المادية. كيف يمكن تفادي هذه المشاكل وحالات الطلاق؟

د. جرايسي: الرسالة واضحة، فنحن نمر في أزمة كبيرة لها علاقة بالوباء، ولها علاقة بالخوف والقلق، ولكن لها علاقة أيضا بتداعيات هذا الوباء الاجتماعية والمادية والاقتصادية وتداعيات هذه الضائقة المادية على الكثير من العائلات، وتواجد أفراد العائلة طوال الوقت في المنزل قد يزيد من الاحتكاك فيما بينهم وهذا قد يخلق المشاكل والمناوشات والصدامات والعنف، وليس صدفة أن مظاهر العنف تزداد في الفترة الأخيرة داخل العائلة بسبب هذا الاحتكاك على مدى ساعات وأيام سواء في الحجر المنزلي أو في الإغلاق.

وككل أزمة فردية وعامة مجتمعية وعالمية، دائما هنالك محصلتان للأزمات التي نمر فيها، إحداها إيجابية والأخرى سلبية و95% من الأزمات تكون محصلتها إيجابية ويخرج منها المجتمع معافى ومحصنا ومكتسبا لقدرات جديدة لمواجهة تحديات أخرى.