رمضان في ظل كورونا: كيف يؤثر الصوم على جهاز المناعة؟

رمضان في ظل كورونا: كيف يؤثر الصوم على جهاز المناعة؟
("عرب 48")

يحلّ شهر رمضان هذا العام في ظل أزمة غير مسبوقة تتمثل بجائحة فيروس كورونا المستجد، ما يثير العديد من التساؤلات الصحية حول الصيام في ظل الوباء وكيفية تأثير الفيروس على الصائم، وقدرة جهاز المناعة لدى الإنسان الصائم على مقاومة الفيروس فيما لو أصابه.

عن هذا الموضوع تحدث مراسل موقع "عرب 48" مع مدير مستشفى العائلة المقدسة في الناصرة، الطبيب الجراح د. إبراهيم حربجي، والمطلع على كافة المعلومات والمواد العلمية المتعلقة بالصوم في ظل فيروس "كوفيد 19"، علما بأن العالم لم يخبر هذا الوباء من قبل.

"عرب 48": يترسخ لدى الكثيرين الاعتقاد أن الصيام يؤثر إيجابيا على صحة البدن، ونعلم أن هنالك علاجات بالصوم لتخليص الجسم من الشوائب ومن الجراثيم التي تسبب له الأمراض. هل الصيام في هذه الظروف الاستثنائية هو صحي للإنسان؟

د. حربجي: صحيح هنالك ما يعرف اليوم بالصيام الطبي، والصيام الرمضاني. والصيام الطبي ربما يختلف عن الصيام الرمضاني إذ يسمح فيه للصائم طبيا بأن يشرب السوائل، لكنه يمتنع عن إدخال سعرات حرارية إلى جسمه، في حين أنه في الصيام الرمضاني يمتنع الصائم عن الطعام والشراب لساعات طويلة خلال اليوم. وحقيقة؛ هنالك جدل بين العلماء – أي بين العلم والدين – بين الحديث الشريف "صوموا تصحّوا"، ويتفق بعض العلماء على أن الصيام يقوي جهاز المناعة ويرفع من جاهزيته لمواجهة الأمراض، والبعض الآخر يدعي أن فقدان كميات من السوائل دون الاستعاضة عنها بشرب الماء إنما يعرض جسم الإنسان لخطر الإصابة بأمراض الكلى نتيجة نقص السوائل، وهذا قد يترتب عليه تداعيات صحية أخرى.

"عرب 48": وماذا بشأن الوضع الاستثنائي والحساس الذي نحن فيه اليوم؟

د. حربجي: ديننا يعفي المرضى والفئات المعرّضة للخطر من الصيام في الآية الكريمة "ولا على المريض حرج". وأنا من مكاني أتوجه إلى مرضى السكري، والمرضى الذين يعانون من أمراض القلب والرئتين وضعف المناعة أن لا يصوموا إلا بعد الحصول على استشارة طبية، خاصة في هذه الظروف الاستثنائية، التي تشهد وباء عالميا ودرجات حرارة مرتفعة، ولا يملك أي شخص في العالم أية معلومة أو فكرة حول ما يمكن أن يحدث للمصاب بفيروس كورونا لو أنه صام رمضان. فالعالم لم يخبر هذا الوباء من قبل. البعض يدعي أن جفاف الحلق قد ينقل فيروس "كوفيد 19" بسرعة أكبر إلى الرئتين، والبعض الآخر يدعي أنه لا علاقة لجفاف أو رطوبة الحلق بانتقال الفيروس إلى الرئتين. في النهاية يجب على الإنسان أن يُحكّم عقله وأن يراقب جسمه بشكل جيد بحيث لا يعرضه لخطر مضاعف. وأنا شخصيا اطلعت على كل وجهات النظر الطبية المتعلقة بكورونا والصيام، ولم أجد من يقدم إجابة شافية على هذا الموضوع وكلهم إما يرجّحون أو يعتقدون!

"عرب 48": هل تنصح مرضى كورونا بعدم الصيام في رمضان؟

د. حربجي: نحن لا نعلم من هم مرضى كورونا! فمن خلال عمليات مسح جرت في نيوزيلندا، على سبيل المثال لا الحصر، وجدوا في بعض التجمعات السكنية أن 50% من السكان مرضى كورونا لكنهم لم يظهروا أية أعراض مرضيّة. واليوم أصبح كل شخص يشعر بارتفاع في درجة الحرارة والسعال هو "مشتبه" بالإصابة بكورونا حتى يثبت العكس! لذلك أنا أقول للمرضى الذين لم تظهر عليهم أية أعراض، إن الحذر واجب، أما لأولئك الذين تظهر عليهم أعراض المرض، كارتفاع الحرارة والسعال الشديد، فأنصحهم بأن لا يصوموا، فلا أحد يستطيع أن يتكهّن بالعواقب. نحن نعلم أهمية الصيام بالنسبة للمسلم؛ ولكن نحذر مستعينين بالآية الكريمة "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".

"عرب 48": ماذا تستشف من توصيات وزارة الصحة وحملاتها الإعلامية لمنع الإفطارات الجماعية وتبادل الزيارات؟

د. حربجي: نحن نعلم أنه حتى اليوم لا يوجد علاج لفيروس كورونا، والعلاج الوحيد اليوم يكمن في عزل المصابين أو خلق هذا التباعد بين المصابين بالعدوى وغير المصابين، لذلك فإن توصيات وتعليمات وزارة الصحة إنما تهدف إلى منع انتشار المرض على نطاق واسع. نحن نعلم أن شهر رمضان هو الشهر الذي تجتمع فيه العائلة الموسعة، وشهر الإيمان والصلوات والتراويح، وتبادل الزيارات العائلية - ما يعرف بـ"صلة الرحم"، لذلك جاءت هذه التوصيات لتمنع هذه التجمعات، وبالتالي أن لا تتكرر تجربة مدينة "بني براك" والمجتمعات الحريديّة التي شهدت انتشارا واسع النطاق للعدوى بين المصلين في الكنس الذين لم يتبعوا التعليمات.

علينا أن نحرص على غسل اليدين وتعقيمها، وعلى أن يكون الإفطار عائلي وفي نطاق ضيق (العائلة المصغرة) والامتناع عن تلبية دعوات الإفطار الرمضاني الجماعي. نحن نعلم كم هو الأمر صعب ويجب أن يعذر الأخ أخيه وأن تعذر الأخت أخواتها وخاصة والديها ولا تلزمهم على الخروج من البيت إذا كانا من كبار السن.

"عرب 48": هل هنالك توصيات تتعلق بأطعمة أو سوائل ينبغي تناولها خلال وجبة الإفطار أو بعد الإفطار، كالمشروبات الساخنة التي يقال إنها تساعد على تخلص الحلق من الفيروسات والبكتيريا الضارة؟

د. حربجي: معروف أن الجفاف وقلة إفراز اللعاب يقلل من حامضية الفم التي تحمي الأسنان وتحمي الفم من البكتيريا المضرة، وبعد يوم من الصيام في نهار حار ينصح بالإكثار من تناول الخضار والفاكهة والحمضيات التي تحتوي على نسب عالية من الفيتامينات، ونحن نعلم أن أكثر شيء يمكن أن يساعد جهاز المناعة هو الفيتامينات. وكما تعودنا منذ زمن محاربة نزلات البرد والإنفلونزا بفيتامين "سي". كل المأكولات التي تحتوي على فيتامينات ينصح بتناولها في هذه الفترة لأن جهاز المناعة هو اللاعب الأساس في هذه الفترة لمواجهة الفيروس.

"عرب 48": في الأيام الماضية تم الإعلان عن إستراتيجية خروج من الأزمة، تشمل فتح بعض المرافق الاقتصادية. هل لديك تخوّف من إساءة استقبال الناس للتعليمات وعودتهم إلى ممارسة حياتهم الطبيعية؟

د. حربجي: في الواقع هذا ما أردت التطرق إليه والتشديد عليه، عدم الاستهتار بالتعليمات، وعدم الشعور المفرط بالأمان، وكأن الأزمة أصبحت من خلفنا. هذه مجازفة، والمستقبل القريب سيضعنا عند مفترق طرق، إما باتجاه العودة إلى حياة طبيعية – وهذا ما نتوخاه – وإما إلى مزيد من العدوى ومزيد من الإغلاق ومزيد من الضغط على المستشفيات، وعندها سيكون الوضع أصعب لأن الناس لم تعد تطيق الجلوس في البيوت وتَقبُّل هذا الوضع، فسيكون من الصعب إعادتهم إلى الحجر المنزلي لأيام وأسابيع إضافية. لذلك على الجميع اليوم توخي الحذر والالتزام الكامل بتعليمات وزارة الصحة، ووضع كمامة تغطي الأنف والفم لمنع انتشار العدوى والحفاظ على مسافة بيننا وبين الآخرين والإكثار من غسل الأيدي، كل هذه التعليمات من شأنها أن تخلصنا من هذا الوباء بسرعة إذا ما التزمنا بها، والاستخفاف في هذه التعليمات سيحمل لنا الكثير من المخاطر.

واختتم د. حربجي حديثه قائلا "كلنا يحب رمضان، وكلنا يحب الصلاة والصوم ولقاء الأقارب، لكن لا ضير في أن نمنع أنفسنا وأن نعاني بعض الشيء على أن نرتاح في المستقبل القريب وننتصر على كورونا، وعندها سيكون لدينا فائض من الوقت للزيارات واللقاءات. نسأل الله أن يجتاز الجميع رمضان بخير؛ وكل عام والجميع بخير.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص