الشمس «تنفجر» على كوكب الأرض والسيطرة عليها تعطي طاقة هائلة!

الشمس «تنفجر» على كوكب الأرض والسيطرة عليها تعطي طاقة هائلة!

«أيتر» ITER. تعني الكلمة باللاتينية «الطريق». وبلغة العلم تعني المشروع الذي يهدف لتقليد الانفجارات الهائلة التي تحصل في الشمس، مع ابقائها تحت السيطرة في مفاعل من نوع لم تشهده البشرية قبلاً. ابتدأ التداول في فكرة «أيتر» في نهاية ثمانينات القرن العشرين. وقد توافقت «الهيئة الأوروبية للطاقة الذرية» مع مؤسسات علمية في اليابان وروسيا واميركا والصين وكوريا الجنوبية، وبعد عمل استمر بين عامي 1992 و2001، على التصميم النظري للمفاعل الذي من شأنه أن يفتح أمام البشر طريقاً لم تكن ممكنة قبلاً لتوليد الطاقة. فالمعلوم أن المفاعلات الذرية الموجودة راهناً تعتمد على انشطار نواة الذرات Fission، وخصوصاً اليورانيوم المُشع، لتوليد الطاقة. وبالتالي «تُقلّد» تلك المفاعلات بعضاً مما يحدث اثناء انفجار القنبلة الذرية. وفي الفرن الشمسي العظيم يحدث تفاعل نووي آخر، أشد قوة بما لا يُقاس. وفيه، تندمج مواد خفيفة جداً، مثلما يفعل الهيدروجين ليعطي الهيليوم، مما يبعث طاقة هائلة. ولمدة تزيد على نصف قرن، حاول أساطين العلماء تحقيق هذا التفاعل الشمسي على الارض. واخفقوا مثلاً، في تحقيق التحام بين نواة ذرتي دتيريوم، من مركبات الهيدروجين، لتوليد التيريتيوم وتأمين انبعاث كمية كبيرة من الطاقة، وفشلوا. ويرجع أحد اسباب الفشل الى أن «اجبار» تلك المواد على الاندماج Fusion يحتاج أصلاً الى طاقة كبيرة وحرارة عالية، مما يهدد بانصهار المفاعل الذي قد تجرى فيه. وفي مفاعل «أيتر»، تتعرض الغازات الخفيفة، التي يُشار اليها باسم بلازما، الى درجة حرارة تصل الى مئتي مليون درجة مئوية. وكذلك فلا بد من بقاء الذرات ثابتة في مكانها، ولبرهة وجيزة، أثناء عملية الاندماج، مما يحتاج الى احاطتها بحقل كهرومغناطيسي شديد القوة. وبكلام آخر، فإن تشغيل عملية الاندماج يحتاج الى نبضات من الطاقة بقوة 500 ميغاوات، تدوم لفترة 400 ثانية. وفي المقابل، فان المواد المُندمجة تعطي بين 400 و700 مليون واط من الحرارة. وتدوم تدفقات الطاقة لفترة دقائق عدة. وتكفي كل دفقة لامداد عاصمة عالمية كبرى بما تحتاجه من الطاقة. وبالاختصار، فإن عملية الاندماج تستوجب طاقة كبيرة لكي تتم، وفي المقابل، فأنها تُعطي من 5 الى عشرة اضعاف الطاقة التي تستهلكها. وبعد الانجاز النظري، توجب الأمر مشاورات شاقة بين الجهات الاربع المُكوّنة للمشروع، استمرت أكثر من 18 شهراً، توافقت في نهايتها على اختيار مدينة كاداراش الفرنسية، في مقاطعة أكس - أون - بروفانس بين هضبة الألب وساحل الكوت دازور، كمقر للمفاعل. وتصل كلفته الى نحو عشرة بلايين يورو. وفي حال نجاحه العملي، فإن الخطوة التالية ستتمثل في بناء المفاعل «ديمو» DEMO، الذي سيصبح المفاعل الأول لانتاج الطاقة بواسطة الاندماج النووي. وقد وعد الاتحاد الأوروبي اليابان بدعم طلبها لكي تكون المقر المقبل لمفاعل «ديمو». وشّكل ذلك جزءاً اساسياً من التسوية حول مكان «ايتر»، مما يدّل إلى النجاح الكبير المتوقع لهذا المشروع العلمي الهائل.

في ظلال أزمة الطاقة العالمية

يأتي المشروع في وقت ارتفعت فيه الأهمية الاستراتيجية للطاقة بالنسبة للبشرية، وخصوصاً الدول الكبرى. يكفي أن ننظر الى الارتفاع غير المسبوق تاريخياً لاسعار النفط، وللتطلب النهم عالمياً على الطاقة ومصادرها من كل نوع، وللدلالة الاستراتيجة المركزية لنقاشات الطاقة في الولايات المتحدة التي عانت من انقطاعات كهربائية أشّرت الى هشاشة نظام الطاقة فيها، وللصراع على مصادر البترول والغاز ومشاريعه وغيرها.

ومن ناحية أخرى، تتصل نقاشات الطاقة بالبيئة. فقد بات ملحاً العثور على المزيد من المصادر العملية وغير الملوثة للطاقة، ولم يعد أحد يتحرج من الاشارة الى المفاعلات النووية (على رغم خطورتها) كمصدر لطاقة لا تنفث الغازات التي تسبب في ارتفاع حرارة الأرض، والتراجع الأميركي في الموقف من ميثاق كيوتو (مما يدل على أن مشكلات التلوث والبيئة قد وصلت الى الحدود الحرجة) وغيرها. لم يكن غريباً, والحال كذلك، أن تهتم الدول الكبرى بمشروع «أيتر». ولم يكن غريباً أن تهتم الصحافة العالمية, وغيرها من وسائل الاعلام العام، بالاعلان عن التوافق، في 28 حزيران (يونيو) الفائت، على اختيار فرنسا مقراً له. وفي المقابلِ، كان محزناً أن العرب، أكثر دول العالم اتصالاً بموضوع الطاقة، قد أداروا الأذن الصماء (كالعادة) لهذا التطور العلمي الهائل. ولكن، منذ متى يهتم العرب المعاصرون بالعلم اهتماماً جدياً؟ ومثلاً، وفي مجال الطاقة، أين هو الاهتمام الفعلي بأشياء مثل خلايا الوقود Fuel Cells، التي يتوقع بعض الخبراء أن تُغيّر المشهد العالمي للطاقة كلياً, وخلال سنوات قد لا تكون بعيدة؟

عن المسار التفاوضي لـ «أيتر»

وفي استعادة للمرحلة الأخيرة من المفاوضات المعقدة عن «أيتر»، شهدت موسكو أخيراً توصل الشركاء الستة في ذلك المشروع على بنائه في فرنسا بعد اشهر من المفاوضات المضنية.

وعلّق جانيز بوتوتشنيك المفوض الاوروبي للبحث والعلوم، على الاتفاق قائلاً: «لقد دخلنا اليوم تاريخ التعاون العلمي الدولي». واضاف: «بعدما توصلنا الى تسوية حول الموقع، سنبذل كل جهودنا لإنجاز كامل اتفاقاتنا حول المشروع من أجل أن تبدأ ورشة البناء في أسرع وقت». وفي نفس مُشابه، صرح الكسندر روميانتسيف رئيس الوكالة الفيديرالية الروسية للطاقة النووية، قبيل توقيع الاعلان، بالقول: «انه مشروع علمي وتقني يصب في مصلحة المجتمع الدولي. لقد آن الأوان لاطلاق ورشة تنفيذه العملية». وسارع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى الاشادة باختيار موقع «كاداراش». وأعلن أنه سيتفقده. وأعرب نارياكي ناكاياما وزير العلوم الياباني عن رضى بلاده، على رغم أن طوكيو سعت بكل إمكاناتها، وحتى اللحظة الأخيرة، لاختيار موقع «روكاشو-مورا» في شمال الأرخبيل الياباني. وأعلن الوزير أن اليابان «عرفت كيف تحافظ على مصالحها الوطنية». وأقر المتحدث المساعد باسم الحكومة اليابانية سيكين سوغيورا بأن بلاده لم تعد تسعى الى الفوز بكامل المشروع. وستكتفي بالتعويضات الممنوحة «للبلد غير المضيف». والمعلوم أن الاتحاد الأوروبي يدفع نصف كلفة المشروع، فيما يدفع بقية الشركاء مبالغ تتراوح بين عشرة وعشرين في المئة منها. وانهى اجتماع موسكو اشهراً من المنافسة الشديدة بين اليابان المدعومة من واشنطن وسيول, من جهة والاتحاد الاوروبي المدعوم من موسكو وبكين، من الجهة الأخرى، لبناء هذا المفاعل الذي يتوقع أن يوفر حلاً في موضوع الطاقة لقرون عدة.

ووقعت وثيقة ملحقة بالاتفاق بين الاتحاد الاوروبي واليابان تنظم كيفية التمويل وتحدد التزامات كل طرف.

وأعلنت مصادر قريبة من الملف أن طوكيو حصلت على تسوية لموضوع التمويل نالت بموجبها الحق في الحصول على 20 في المئة من موظفي المشروع.

وستحصل اليابان ايضاً على حصة مهمة من العقود الصناعية المرتبطة بورشة بناء المفاعل. وتعهد الاتحاد الاوروبي أيضاً بدعم ترشيح ياباني لمنصب المدير العام للمشروع.

وسبقت المنافسة الاوروبية - اليابانية منافسة اخرى داخل اوروبا بين اسبانيا وفرنسا قبل أن تسحب مدريد ترشيحها نهائياً أواخر عام 2003 وتتولى المفوضية الاوروبية التفاوض رسمياً. وفي المقابل، من المؤمل أن يؤمن بناء المفاعل في فرنسا، المزيد من فرص العمل، وكذلك ان يفتح افاقاً جديدة للتوظيفات المالية في ابحاث الطاقة النظيفة، في الأعوام الثلاثين المقبلة.



"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018