أبو منجل الأصلع أو طائر النوق أو طائر الفراعنة لا يزال يعشش في سورية..

أبو منجل الأصلع أو طائر النوق أو طائر الفراعنة لا يزال يعشش في سورية..

تمضي هذه الطيور النادرة فصل الصيف في البادية السورية. ولم يعرف مكان إشتائها الا الشهر الماضي، حين تقفّى العلماء طريق هجرتها من تدمر الى وسط إثيوبيا في رحلة اجتازت خلالها 3100 كيلومتر.

سلام وسلطان وزنوبيا ثلاثة طيور من هذا النوع شبه المنقرض، اجتازت 3100 كيلومتر في رحلة تعقبتها الأقمار الاصطناعية من مصيفها في بادية تدمر السورية، مروراً بالأردن والسعودية واليمن وإريتريا، وصولاً الى أواسط إثيوبيا. هذه «المناجل» النادرة هي الآن محط أنظار علماء الطيور في أنحاء العالم.

أبو منـجـل الأصلـع الشمالي Geronticus eremite (northern bald ibis) طائر يعرفه علماء الآثار جيداً، فتماثيله ومومياءاته المحنطة موجودة في قبور الفراعنة الذين كانوا يجلّونه، ونقوشه منتشرة على جدران المعابد المصرية. وقد خُصص له حرف هيروغليفي في كتابة كهنة مصر القدماء التصويرية. وكان مباركاً لدى الأتراك، خصوصاً في مدينة بيرسك حيث كان يعيش مع الناس الذين اعتبروا ظهوره دليلاً على انتهاء فصل الشتاء وهجرة الأرواح. كما كان دليل الحجاج الى مكة المكرمة حيث كان يدعى «طائر النوق». انه طائر كبير يبلغ طوله 70 ـ 80 سنتيمتراً. يغلب عليه اللون الأسود، مع صبغات قزحية من الأزرق والأخضر والنحاسي تظهر في ضوء الشمس. رأسه أحمر خال من الريش، باستثناء بضع ريشات تشكل تاجاً منسدلاً. له منقار أحمر يشبه المنجل، وقائمتان حمراوان.

كان في الماضي منتشراً في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجبال الألب الأوروبية. لكن أعداده تناقصت بسبب الصيد والمضايقات البشرية وفقدان السهول الواسعة وإقامة السدود والزراعات المكثفة التي قضت على موائله، ونتيجة التسمم بالمبيدات المستخدمة لمكافحة الحشرات والزواحف الصغيرة التي هي غذاؤه المفضل. اختفى من جبال الألب منذ 400 سنة، وانقرض في تركيا عام ،1989 الا مجموعة صغيرة تعيش في الأسر، وكذلك في معظم مناطق تواجده السابقة في المغرب والجزائر والشرق الأوسط. وبات على اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) مصنفاً بين الأنواع المعرضة للانقراض بشكل خطير.

حتـى وقت قريب، كانت المجموعة البرية الوحيدة المعروفة من أبو منجل الأصلع الشمالي موجودة في المغرب، حيث أحصي نحو 220 طائراً قرب أغادير، غالبيتها في منتزه سوس ماسة. واعتقد العلماء أن هذا الطائر انقرض من الشرق الأوسط، لذا كان العثور على مجموعة صغيرة منه في البادية السورية عام 2002 مفاجئاً، أثناء عملية مسح للطيور والتنوع الحيوي ضمن مشروع إحياء المراعي في البادية الذي تقوم به وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي. ووصفت منظمة «بيردلايف» هذا الاكتشاف بأنه مذهل بكل المعايير، وأنه أهم كشف يتعلق بالطيور في الشرق الأوسط منذ أربعين عاماً. وأوردت قناة «ناشونال جيوغرافيك» الفضائية الخبر تحت عنوان «طائر الفراعنة لا يزال يعشش في سورية». وأصدر في سورية طابع بريدي يحمل صورته. وقال قائد فريق المسح جيانلوكا سيرا: «كان اكتشاف هذا الطائر أشبه بالعثور على الفينيق العربي الذي ينبعث من الرماد»، مضيفاً: «كان زملائي السوريون متفائلين بأنه ما زال موجوداً في البادية، استناداً الى روايات البدو والصيادين المحليين».

وقد أحدثت وزارة الزراعة السورية محمية خاصة بطيور أبو منجل الأصلع قرب تدمر، وتم تعيين حراس دائمين لمراقبته وحمايته هو والطيور الأخرى من بنادق الصيادين، علماً أن سورية مقصد لصيادي الطيور من لبنان والأردن والخليج العربي. وقد بات من الواضح في سورية أن اشراك البدو والسكان المحليين في جهود الحماية قلل من الضغط الذي يسببه الصيد، خصوصاً أن هذا الطائر يمضي جزءاً كبيراً من السنة مقيماً ومقتاتاً على مقربة من التجمعات السكنية، وأعمال الحماية والتوعية مهمة للغاية.

يقول الدكتور كين سميث، وهو من كبار العلماء في الجمعية الملكية لحماية الطيور في بريطانيا (RSPB): «إن رصد طيور أبو منجل الأصلع والعثور على المواقع التي تمضي فيها فصل الشتاء قد يكونان آخر فرصة لانقاذها. فلن نكون قادرين على مساعدتها حتى نعرف الى أين تذهب والتهديدات والضغوط التي تواجهها».

وأضاف: «ان انخفاض الأعداد ووعورة الأراضي في تدمر تصعِّب التعامل مع هذا الطائر، لكن قدرته على التكيف حتى الآن توحي بأن مستقبله مضمون. لقد استعيدت طيور أخرى من حافة الانقراض، وبدعم السلطات السورية نأمل أن نتمكن من انقاذ هذا الطائر».

تضم المجموعة السورية حالياً 13 طائراً، بينها سبعة بالغة. وهي تحظى بأهمية عالمية لأنها مهاجرة، خلافاً للطيور المغربية المقيمة. وهي المجموعة الوحيدة في العالم التي تعرف خط الهجرة التاريخي، وهذه المعرفة تنتقل فقط من خلال تعلم الصغار من الطيور المتقدمة في السن.

إثر موسم التفقيس، في أواسط تموز (يوليو) من كل عام، تغادر هذه الطيور مستوطنتها على جروف الجبل الأبيض القريبة من بحيرة وادي أبيض شمال مدينة تدمر قاصدة وجهة غير معروفة، علماً أن ثمة سجلات قديمة عن إشتائها في بلدان مطلة على البحر الأحمر.

وبهدف اتخاذ إجراءات تضمن لها الحماية، بدأ فريق من الجمعية الملكية لحماية الطيور بالتعاون مع الحكومة السورية ومنظمة «بيردلايف» في الشرق الأوسط وعدد من العلماء، وبتمويل من «جمعية ناشونال جيوغرافيك» واتفاقية افريقيا ـ يوراسيا للطيور المائية، تقفّي طريق هجرة هذه الطيور المتبقية في سورية لمعرفة الأماكن التي تمضي فيها فصل الشتاء.

في حزيران (يونيو) ،2006 تم التقاط ثلاثة طيور بالغة من مجموعة أبو منجل قرب تدمر: ذكران أطلق عليهما اسما «سلام» و»سلطان»، وأنثى أطلق عليها اسم «زنوبيا» تيمناً بملكة تدمر. وثبّتت عليها أجهزة ارسال تتيح تقفّي مسارها بواسطة الأقمار الاصطناعية. وتابع علماء الطيور رحلة الهجرة يوماً بعد يوم. وفي تشرين الأول (أكتوبر) تم العثور على الطيور الثلاثة في... إثيوبيا، مع طائر رابع لم يثبت عليه جهاز إرسال. وهي المرة الأولى التي يشاهد فيها أبو منجل الأصلع الشمالي في إثيوبيا منذ عام 1977.

يقول كريس بودين، الاختصاصي بطيور أبو منجل الأصلع لدى الجمعية الملكية: «معرفتنا للأماكن التي تشتي فيها هذه الطيور وكيف تصل الى هناك تقدم لافت كنا نخشى ألا نتوصل إليه أبداً. السجلات القديمة كانت توحي أن إريتريا وإثيوبيا مقصدان محتملان. لذا فوجئنا بأن طيورنا الثلاثة أمضت ثلاثة أسابيع في اليمن. وما إن بدأنا نعتقد أنها ستستقر هناك حتى انطلقت عبر البحر الأحمر الى أواسط إثيوبيا».

المخاطر التي أدت الى انقراض أبو منجل الأصلع الشمالي ما زالت قائمة. ونظراً لقلة الأعداد المتبقية منه، ولهجرته باتجاه الجنوب مروراً بعدة دول هي سورية والأردن والسعودية واليمن وإريتريا الى إثيوبيا، فان متطلبات حماية أبو منجل المهاجر تفوق الامكانات المحلية وتحتاج الى تنسيق دولي. فلا بد من القيام بأبحاث حول تغذيته وتعشيشه وتكاثره ومتطلبات الموطن السليم، مع الاستمرار في مراقبة أعداده وحماية مواقع التعشيش والإقامة.

وينبغي تحديد المخاطر التي تترصد الطائر أثناء هجرته وتأمين ممر آمن له على مسار الهجرة بالتعاون مع جميع الدول المعنية. ويجب أيضاً الاحتفاظ بذخيرة وراثية من المجموعة المهاجرة، ودراسة علاقة القربى بينها وبين المجموعة المرباة في الأسر في تركيا وتلك الموجودة في المغرب، ودراسة إمكانية إدخال الطيور المرباة في الأسر (أو المستنسخة ربما) مع تلك الناشئة في البرية والتي لا تزال تحفظ مسار الهجرة.

ها هي الآن أربعة من هذه الطيور النادرة تمضي فصل الشتاء في جبال إثيوبيا، على ارتفاع أكثر من 2600 متر فوق سطح البحر وعلى بعد 80 كيلومتراً من العاصمة أديس أبابا. الجمعية الملكية لحماية الطيور اعتبرت اكتشاف مشتى أبو منجل الأصلع الشمالي «اختراقاً كبيراً»، باعتباره أندر الطيور في الشرق الأوسط. وقال كريس بودين: «لولا هذا البرنامج الطارئ لما بقي لهذا الطائر وجود الا في الكتابة الهيروغليفية».


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018