صدمة المستوطنين من نتنياهو بحجم التوقعات منه

صدمة المستوطنين من نتنياهو بحجم التوقعات منه

هل احتجاجات المستوطنين على التجميد الجزئي والمؤقت للبناء الاستيطاني هي حقيقية، أم أنها مسرحية كما يقول البعض؟ وهل انقلب دعاة أرض إسرائيل الكبرى على قائدهم الذي لا يقل تشنجا عنهم؟

رعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وقدمت العون والدعم والتسهيلات والتحفيزات والامتيازات للمستوطنين والجمعيات الاستيطانية ووفرت لهم الحماية، ووضعت حراسة حتى على تلك البؤر التي تعتبرها بقاموسها غير قانونية. وشقت طرقا التفافية، وأحاطت المستوطنات بجدران أمنية، وأقامت جدار الفصل العنصري. وقدمت كل شيء لتوفير حياة رخاء للمستوطنين.

لقد اعتُبر المشروع الاستيطاني مشروعا وطنيا إسرائيليا صهيونيا من الدرجة الأولى، وكالمشروع الصهيوني برمته، استخدم التوراة والأساطير لتحقيق غاياته ولحشد وتعبئة الجمهور اليهودي من أجل المساهمة به وتأييده ودفعه قدما. لذلك كانت طلبات المستوطنين دوما مستجابة، وكانوا الطفل المدلل للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

ولم يتراجع توسع المشروع الاستيطاني بتوقيع اتفاقات مع الفلسطينيين بل على العكس توسع بشكل خيالي، فقد كان عدد المستوطنين قبل اتفاقات أوسلو 116 ألف مستوطن. وزاد هذا العدد حتى عام 2007 بـنحو 160 ألف مستوطن ليصبح حوالي 276 ألفا، وها هو يتجاوز اليوم الـ 300 ألف مستوطن(في الضفة الغربية دون القدس، هذا وفقا لمعطيات الإدارة المدنية لسلطات الاحتلال). ولكن حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس في نهاية العام 2008 ما يزيد بقليل عن نصف مليون مستوطن يقيمون في 440 مستوطنة. والمعطى الهام المستقى من مصادر إسرائيلية يفيد بأن المستوطنات الإسرائيلية مقامة على 3% فقط من مساحة الضفة الغربية إلا أنها تسيطر على 40% من المناطق الخاضعة لنفوذ البلديات والسلطات المحلية!، ويمنع الفلسطينيون عمليا من الاقتراب إلى هذه المناطق.

وحسب مصادر إسرائيلية فقد شهد عام 2008 ارتفاعا بنسبة بنسبة 60% في الأنشطة الاستيطانية، وكانت فترة ولاية رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت الأشرس على مستوى التوسع الاستيطاني، ولم يشهد لها مثيل في عهد كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وارتفع عدد المستوطنين في حقبته 50 ألفا. وهذا لا يقلل من دور رئيس الوزراء السابق أرئيل شارون في تعزيز الاستيطان وتكثيفه، وفتح آفاق جديدة له وتوجهه لتعزيز الاستيطان في منطقة الاغوار شرق الضفة الغربية. كما لا يقلل من دور حكومات حزب العمل في تنمية هذا المشروع السرطاني.

لا يختلف السياسيون والمراقبون الإسرائيليون، بمن فيهم رئيسة المعارضة تسيبي ليفني، أن خطوة نتنياهو الأخيرة، المتمثلة بتجميد البناء في المستوطنات، هي «خطوة تكتيكية من أجل إرضاء الولايات المتحدة»، وتهدف برأيها «إلى الحفاظ على مصالح إسرائيل». وانتقدت ليفني قرار التجميد لأنه يساوي برأيها بين البؤر الاستيطانية العشوائية وبين التكتلات الاستيطانية التي تخطط إسرائيل للاحتفاظ بها في التسوية النهائية مع الفلسطينيين. وهذا ما دفع اوساطا داخل حزبي "ليكود" الحاكم و"كاديما" المعارض على بلورة مشروع قانون يستثني الكتل الاستيطانية الكبرى من قرار تجميد البناء، يتوقع أن يطرح على الكنيست قريبا.

إن قرار التجميد المؤقت الذي أقره المجلس الوزاري المصغر يستثني القدس التي تتعرض لوحش التهويد والاستيطان، ويستثني المباني التي قيد الإنشاء والمباني العامة. كما أن الحكومة أعلنت بأنها لن تخلي بؤرا استيطانية عشوائية خلال فترة التجميد متذرعة بأن الأيدي الموارد البشرية غير كافية لفرض تطبيق أمر التجميد وإخلاء البؤر الاستيطانية في آن واحد. مع العلم أن عدد مراقبي البناء كان قبل قرار التجميد 4 فقط، وتضمن القرار زيادة عددهم ولم يعلن عن العدد الجديد. إذن، لماذا قامت الدنيا ولم تقعد ضد القررا؟ ولماذا هذا الموقف الحاد من جانب قادة المستوطنين؟ ولماذا يحذر نتنياهو من انقسام في الليكود؟

في ولايته الأولى 1996-1999 عمل نتنياهو على تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية وفي القدس وشهدت المستوطنات في عهده ازدهارا وتوسعا، وخصصت ميزانيات كبيرة للمشروع الاستيطاني، وانتشرت في حقبته تلك، البؤر الاستيطانية العشوائية كفطريات الشتاء. ورأت الحركات الاستيطانية التي كانت تبدي معارضة شديدة لاتفاقات أوسلو، لأنها بنظرهم تهدد مشروعهم، أنها تتشارك الرؤية والعقيدة الأيدلوجية مع حكومة نتنياهو، واعتبرتها فرصة ذهبية لدفع المشروع الاستيطاني وفرض حقائق على الأرض تحول دون قيام دولة فلسطينية. ورأى المستوطنون في انتخاب نتنياهو للمرة الثانية لرئاسة الحكومة الإسرائيلية بمثابة دفعة لمشروعهم وفرصة ذهبية أخرى لتعزيز المشروع الاستيطاني وتوسيعه.

ولكن نتنياهو الذي يتبنى أيدلوجية مؤيدة للاستيطان ومتنكرة بالكامل للحقوق الفلسطينية، والذي يعتبر الضفة الغربية جزءا من «أرض إسرائيل التاريخية»، و «القدس عاصمة موحدة لإسرائيل»، و الاستيطان هو «عمل صهيوني ريادي»(من خطابه في جامعة بار إيلان)، اضطر لعدة أسباب، من بينها الرضوخ للضغوط الدولية، ومحاولة إنقاذ السلطة الفلسطينية من الانهيار في حال تعثر مسار التسوية، إلى القيام بخطوة ما حتى لو كانت غير جادة، فأعلن عن التجميد المؤقت والجزئي. وبالمقابل حاول نتنياهو استرضاء قادة المستوطنين الذين أبدوا معارضة شديدة لقرار الحكومة.

وأعلن قادة المستوطنون عن نيتهم التصدي لتطبيق القرار، ونظموا مؤتمرات واجتماعات لبحث سبل إجهاض قرار حكومة نتنياهو، ودعوا المستوطنين إلى مقاطعة مراقبي البناء التابعين للإدارة المدنية للاحتلال، ودعو المجالس الاستيطانية إلى عدم التعاون مع مهندسي الإدارة المدنية. وفي اجتماع عقد في مستوطنة عوفرا السبت الماضي لبحث قرار الحكومة دعا رئيس لجنة مستوطني بنيامين، المقدم (احتياط) إيتسيك شدمي إلى طرد الجنود الجنود الإسرائيليين الذي يوفرون الحماية للمستوطنات إلى خارجها. فيما دعا رئيس مجلس المستوطنات داني دايان إلى خرق قرارات الحكومة معربا عن استعداد المستوطنين« لدفع الثمن من أجل كسر سياسة الكتاب الأبيض التي ينتهجها نتنياهو». واعتبر رئيس المجلس الاستيطاني الإقليمي "ماتيه بنيامين"، آفي روئيه، قرار التجميد بأنه «حكم إكراه لا ينبغي الانصياع له». وقالت عضو الكنيست تسيبي حوطوبلي(ليكود) التي شاركت في الاجتماع إن «نتنياهو ينحرف عن الطريق».

من غير المرجح أن تكون نشاطات المستوطنين ضد قرار الحكومة مسرحية، فإن هذا القرار يمس المفاهيم والعقائد التي يحملونها، ويتعارض مع أيدلوجياتهم التي رعتها وشجعتها الحكومات المتعاقبة، وتغذيها أجواء التطرف التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي بشكل مطرد، والمدارس الدينية، والدينية الوطنية، التي تمولها الحكومة. ولإعلان التجميد بعد رمزي بالنسبة لهم، حتى لو كان صوريا. وخيبة أملهم من نتنياهو هي بحجم توقعاتهم منه. وتدخل معارضتهم أيضا في إطار المزاودة في الوطنية.

على إثر تلك المعارضة اضطر نتنياهو لتخفيف قرار التجميد المخفف بطرق التفافية مرة من خلال تشكيل طاقم حكومي لتقديم التسهيلات للمستوطنين خلال فترة تجميد البناء الجزئية والمؤقتة، مع التأكيد على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ما أسمي بـ"الاحتياجات المعيشية" للمستوطنين في الضفة الغربية، ومرة بتعهده خلال جلسة الحكومة الأسبوعية يتقديم «رزمة امتيازات للمستوطنين»، هذا إلى جانب التطمينات التي يسوقها لهم بكرة وعشية. وبذلك يفرغ نتنياهو قرار التجميد الجزئي، شبه الفارغ، من مضمونه، ويبقى القرار استعراضيا دعائيا لا أكثر.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018