أم الأسير محمد الحشاش... أو تكوم الجسد في إطار صورته...

أم الأسير محمد الحشاش... أو 
 تكوم الجسد في إطار صورته...

حتى كتابة هذه السطور لم أستوعب الحدث، سواء على المستوى النفسي أو الذهني، فهذا الجسد الرخوي المتكوم على السرير، لا يعقل أن يكون لأم الأسير محمد الحشاش...!المعتقل منذ سبعة عشر عاما، في سجون الاحتلال...

اقتربت والتوجس المؤلم، القاتل يصفعني من الداخل ...لا يمكن أن تكون هذه أم محمد لا يعقل....حدقت في عينيها وأنا أقترب، تعرفت علي وبإيماءة من عينيها رحبت بي...لتشجعني على الاقتراب أكثر، العينان العسليتان رغم هالات اللون الأسود الذي يحيط عينيها بقتامة مزعجة،حسمتا الأمر وأكدتا خبر المرض الذي نقلته لي أم جبر وشاح، رفيقة أم محمد في نضالها للإفراج عن أبنائهن.عندما طلبت مني كتابة قصة الفاجعة التي ألمت بأم محمد على أثر زيارتها لأبنها داخل سجون الاحتلال، لتلومنا نحن الصحفيين على تقصيرنا وتخاذلنا في نقل معاناة شعبنا خاصة أمهات الأسرى...

حينها وخجلا من مرآة الصدر التي هربت من أن أحدق بها، لكي لا تعكس لي تشوهات غلفتني في زمن التبرير والعجز والتكاسل في الانتماء.... توجهت مباشرة لتفقد أم محمد... تلك المرأة التي لم ألب دعواتها وتوسلاتها بمشاركتها فنجان قهوة عندما كانت تصادفني وأنا أمر بطلبتي من أمام بيتها.

كانت دائما منتصبة بقامتها الطويلة كنخلة على ضفاف الفرات... النشاط والحيوية وهي تكنس بمكنستها ذات العصا الطويلة...الشارع من أمام البيت...
- تفضلي يا فاطمة ..تفضلي نشرب فنجان قهوة...
أعتذر دائما وأنا معتذرة بابتسامة خجلة من دعوة امرأة، شاركت الرجال في تربية الرجال...متحججة بضيق الوقت.
- معلش أنشاء الله بزورك زيارة خاصة ...
أذكر حينها ردها :
- بتيجي وعشان أغديك ودوقي أكلة يافاوية ...ولا ما بتحبي تاكلي عند المدن
حينها أربكتني بإحراج الدعوة التي وعدتها أن ألبي دعوتها..
- بس مرة ثانية....


قبلتها منحنية على جبينها لأطبع قبلة اعتذار.. مغمسة بألم القلب الذي يملؤه الندم، على هروبي من تلبية دعوتها.

لا أعرف أهو القدر الذي جعل خطوات قدمي لزيارتها الأولى، أن تكون في هذه الظروف ...،.الموجعة لكلتينا...، أم الحياة التي لا تكيل لنا إلا بمكيال الألم والقسوة.... لتكيل لأم محمد المرض وألمه...، والإعاقة و عجزها...، و الهم وصبره....
ولتكيل لي حزناً يقتل الروح في الصدر... و يغتصب الإبتسامة من الثغر...، وتملأ بمكيالها القلب الموجوع، لتشعل نيران تحت المرجل الذي يغلي داخلي، منذ وعينا على ذل اللجوء وبؤسه ... لتزيد من فورانه ولكي أشارك أم محمد...حالتها عندما لم تتحمل ارتفاع حرارة غليان المرجل، الذي أشعلته حياة نضالها في تربية أبنائها الذين يفتخر المخيم برجولتهم. هي التي ترملت في مقتبل العمر، ليترك زوجها لها خمسة أبناء ولم تكمل العقد الثالث من عمرها عام 1976 ، كدّت من أجل تربيتهم.

وواجهت مكيال الحياة وقسوة القدر بالندية، التي تليق بامرأة آثرت البقاء على أطفالها لتكون مدرسة في صنع الرجال ... وأعطت من مكيال الصبر حياتها طعماً، من أجبرها الزمن على النضال من أجل أن يصلب عود أبنائها ويشتدوا لمواجهة الاحتلال... هي التي كانت مثال من بين نساء المخيم في وعيها الوطني الصادق، ودورها النضالي في الصمود، مع أهله خلال الانتفاضة الأولى، التي قبل أن تنتهي بتوقيع أتفاق أوسلو، لقمت سجون الاحتلال ابنها محمد الذي أعتقل عام 1989، لكي تكمل أم محمد مع كثير من أمهات المعتقلين، الدرب الذي يأملن أن يؤدي للإفراج عن أبنائهن ونيل حريتهم...

لكن يبدو أن الدرب قصرت بأم محمد...، درب العثرات التي تخطتهن بكل قوة ...،لم تعطها الحياة العافية الكافية لتحمل عثرة الصدمة، التي أكالتها لها أدارة سجن نفحة الصحراوي .. عندما فاجأتها بعد منعها من الزيارة لمدة ثلاث سنوات، بحجج أمنية اعتادت سلطات الاحتلال التذرع بها، لمعاقبة أمهات الأسرى العجائز على تربيتهن لأبناء عاندوا الأحتلال، ورفضوا العيش في كنفه وآثروا مقاومته على الإستسلام له...

محمد الذي يبلغ 40 عاما الآن..، نصف العمر قضاه بين جدران الزنازين دون أن يلامس بكفيه وجه أمه...،الذي أطل عليه من خلف حاجز زجاجي يفصل الأم عن وليدها، بعد أن حرم من رؤيته لأكثر من ثلاث سنوات....

عجزت أم محمد عند زيارتي عن رواية، ما ألم بها بسبب عدم قدرتها على النطق... فتكفلت الصبية ليلى التي ترعرعت وكبرت منذ ولادتها أمام شباك السجن التي فصلت عمها عنها، لكي تمنع عندما بلغت الثلاثة عشرة عاما قبل ستة أعوام...،في سرد فاجعة جدتها ....

- كل العائلة ممنوعة من زيارة عمي، أنا محرومة من رؤية عمي منذ كنت في الإعدادية، و الآن أنا في الجامعة...سنة ثانية..،.وكل أعمامي ممنوعون من زيارته، منذ اعتقاله لم يروه أبدا، ستي الوحيدة التي سمحوا لها بزيارته، وكمان منعوها لأكثر من ثلاث سنوات، ولما سمحوا لها بالزيارة..آخر مرة...،كان في شهر آيار العام الماضي ... أذكر التاريخ كان 11/5/20005 يوم خميس.. سمحوا لها بالزيارة مع أهالي المعتقلين ... وعندما انتهت الربع ساعة التي يسمح لأهالي المعتقلين بالتحدث مع أبنائهم عبر الهاتف، ومن خلف حاجز زجاجي تراه من بعد.. وبعد أن قاموا بإخراج ستي من على شباك الزيارة ... وهي تهم بمغادرة سياج المعتقل الخارجي، سمعت جندي ينادي اسمها، ويطلب من أم المعتقل أم محمد الحشاش التوجه لهم... ذكرت ليلى ما نقلته لها أحدى زوجات المعتقل، التي رافقت أم محمد حينها في الزيارة...

- ستي كانت مبسوطة لأنه سمح لها بزيارة، بعد منعها ثلاث سنوات وكانت فرحانة، من رؤية عمي حتى لو كان خلف حاجز، ومن بعيد، وسمعت صوته عبر التلفون... بس لما سمعت استدعاء الجنود لها عبر مكبر صوت ... أبلغتني زوجة أحد المعتقلين من المخيم كانت برفقة ستي... أنها ارتبكت وخافت يكون ساير لعمي شي أو بدهم يحققوا معها... خصوصا أنه ما كان في مقدمات للاستدعاء المفاجئ، من قبل إدارة المعتقل وجنوده... وعندما توجهت باتجاه الجنود، أدخلوها دون أن يبلغوها بسبب الاستدعاء، وبشكل مباشر أدخلت لمردوان (ممر) داخل المعتقل ... ليدخلوا عليها ابنها.. عمي محمد .... تفاجأ الاثنان بالموقف ....

كانت أم محمد تراقب ليلى وهي تسرد الموقف، والحركة الوحيدة التي تصدر من جسدها، كانت دموع عينيها اللتين شاركن ليلى سرد ألم الحدث ووجعه...

أخذت أراقب ليلى وهي تمسح بالمناديل الورقية دموع جدتها ... كل الأحاسيس داخلي أخذت بالانطفاء لتترك كلمات ليلى تتخبط بظلمة المشهد الي أخذ يرتسم داخلي ...

لا أعرف من أين أتيت بقوة لحبس دموعي داخل محاجر العين وأترك القلب يبكي دون أن أشارك أم محمد دموعها ... يبدو أنني سجانة حتى لأحاسيس الألم... داخل الصدر الذي تحول لسجن نعتقل أرواحنا داخله...

- مش صحيح يا ستي....
وجهت ليلى سؤالها لكي تؤكد أم محمد بإيماءة خفيفة ما روته ليلى لمجريات الحدث....

- عندما رآها عمي أمامه مباشرة دون أن يعلم... ركع عند قدميها، هذا ما أبلغه لأبي عندما زاره قبل ثلاث أشهر تقريبا، عندما سمحوا له بالزيارة بعد أن تعذر على ستي القدرة على الحركة... عمي ما كان بعرف أنوا ممكن يشوف أمه ...ما كان بعرف .. لو بعرف لأعد ستي لاستيعاب الحدث عندما زارته... هو تفاجأ أكثر منها، بس هو قدر يتجاوز الصدمة لكن ستي لا... للأسف كانت أقوى من أنوا تتحملها ... طلب الجندي من ستي بسرعة أن تقف جنب عمي، لأنوا بدوا يلتقط لها صورة معه ...

- يبدوا أنه هناك قرار اتخذ مؤخرا بالسماح لأمهات المعتقلين كبيرات السن بالتقاط صور لهن مع أبنائهن ...عشان هيك ادخلوها عليه... بيقولوا الجندي بكى مع ستي، حتى السجان لم يتحمل الموقف المؤلم، لستي مع عمي حينها وبكى معهم....!
-
وعن الوقت قالت ليلى وأكدت ستها بايماءات من رأسها أنها دقيقة واحدة فقط لا غير، بس التقط الجندي الصورة بكى معهم، هزه الموقف لكن سلوكه كان سلوك سجان، رغم بكائه لهول الموقف ومشهد ستي وهي تحتضن عمي... أخرجها لتقابل أسئلة أهالي المعتقلين وقلقهم ... باجابة واحدة نطقت بها...دون أن تستطيع أن توضح...

- (شفت محمد )
- من سجن نفحة حتى "إيرز" ساعتين وستي بتبكي دون أن تستطيع الكلام ....،وصلت البيت الساعة 11 بالليل، رفضت تتناول عشاها يومها... حكت لنا أنها شافت عمي... وتصورت معوا...

- يومها في الليل وأنا نائمة بجوارها قالت لي أنها حاسة بدوخة... والصبح استفرغت ..اضطرينا لنقلها إلى المستشفى .. قال الطبيب أنها أصيبت بجلطة... وطلب أن تترك تحت الملاحظة الطبية...، أصيبت رجلها وأيدها في البداية ... وبعد ثلاثة أيام في العناية المركزة، يوم السبت كانت في وضع صحي سيء جدا كلنا تأثرنا عليها في البيت...

- ستي إنسانة نشيطة، بتشارك في المهرجانات والفعاليات الوطنية، وكمان بتحضر الندوات السياسية، ولها رأيها في كل المواضيع التي تطرح...

- بعد ذلك خفنا لما مرضت ستي، وتأثرت بشكل الذي شل عندها كل حركتها وأعاق حتى النطق ...على عمي محمد...داخل السجن...

عندها جاءت لي إحدى زوجات أبنائها بصورتين التقطهما الجندي لها مع ابنها محمد .. أشاحت بوجهها وأخذ لون وجها الشاحب من المرض يطغى عليه الكدر بلون قاتم ...

أوضحت لي ليلى أنها لا تحب أن ترى الصور....

أعرف أن الألم الذي بداخلها لا أحد منا يستطيع تحمله، لذلك رؤية الصور كان الهدف منها ، جمعها في إطار لتعلقه أم محمد على حائط بيتها... لتكحل كل صباح عينيها برؤية ابنها، وعند المساء تدعو له ولرفاقه في المعتقل بالإفراج العاجل ... لكن في حالة أم محمد فقد هدفت إدارة المعتقل مفاجأتها ووضعها في "إطار" سرير الإعاقة، التي كبلتها الصدمة بالعجز عن الحركة فيه بقية العمر، لتنتظر الإفراج، إن كتب لها القدر من العيش .. مع ألم المرض الجسدي، والعيش على المسكنات، وتحمل حالات التشنج والبكاء الذي يغلفه الصمت والبرود، الساكن في روح وجسد أم محمد الحشاش....

قصة أم محمد قبل شهرين سردت لي عند زيارتها الأولى ... منذ ذالك الوقت وأنا لم أجرؤ على كتابة ما سردته ليلى لي ... لأني لم أهضم الصدمة لمشهد تلك المرأة التي كنت أتوقع مشاركتها في يوم من الأيام فنجان قهوة وأكلة يافاوية... ولتشاركني كما تعودت إحياء يوم الأسير الفلسطيني ....

عامان فصلن الدعوة عن الزيارة ... لا أعرف إلا أن أعتذر، واترك الندم والألم يتناولني كوجبة يافوية... لم تعدها لي ولن تتمكن من إعدادها أم محمد.... ياه كم نحن قساة...ياه...!!!!!!


مخيم البريج
قطاع غزة

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018