من ذاكرة الأسرى (7)../ راسم عبيدات

من ذاكرة الأسرى (7)../ راسم عبيدات

.... فجأة يجترح الشعب الفلسطيني، شكلاً جديداً من أشكال النضال ضد الإحتلال الإسرائيلي، إنها حرب السكاكين، أو ما يعرف بالسلاح الأبيض، الذي لجأ إليه الشاب جمال أبو جمل، والذي توحي ملامحه وسجاياه على شدة بساطته، وحسه الوطني العفوي..

وجمال لظروفه الإجتماعية والأسرية، ليس بالإنسان المتعلم، ولا من مثقفي الصالونات، ولم يقرأ الماركسية والشيوعية في الكتب، أو يحفظها عن ظهر قلب، كحال بعض المتمركسين الفلسطينيين، والذين في أول عثرة، غادروا الصفوف، ليس صفوف الفكر، بل وحتى طلقوا الثورة والنضال بالثلاث، وساقوا الحجج والذرائع تبريراً لذاتهم ولمواقفهم.

وجمال أيضاً لم يكن يعرف لا برنامج الجبهة الشعبية ولا نظامها الداخلي، ولكن بعد اعتقاله والحكم عليه لمدة إثنين وعشرين عاماً، بتهمة طعن أحد المستوطنين، اختار في السجن أن يكون ضمن إطار الجبهة الشعبية، وبرر ذلك بالقول إنه يسمع من الناس أن هذا التنظيم ينحاز للفقراء والمظلومين.

وفي المعتقل كان عليه، أن يبدأ حياة ونمطاً جديدين، حياة قائمة على الانضباط والإلتزام في كل شيء. وكان عليه حتى يصبح قادراً على النقاش والمشاركة في الجلسات، ومتابعة التطورات السياسية، أن يبدأ بالتعلم. وبالفعل بدأ الرفاق المخلصون من أمثال سامر أبو سير وياسين أبو خضير وجهاد العبيدي، بتعليمه دروساً في اللغة العربية، لكي يصبح بعد أشهر قلائل قادر على القراءة والكتابة.

وأبو جمل عندما التقيته في سجن شطة عام 2002، كان قد تغيرت أشياء كثيرة في حياته، وأصبح منكباً على الرياضة، ويحرص على التفاعل مع الأسرى ونسج العلاقات الإعتقالية والإجتماعية معهم، وأبو جمل بسبب جذوره البدوية فهو يعشق شرب الشاي كعشقه للوطن، أو ربما أكثر من ذلك، ولدية قدرة عالية على المحافظة على استيعاب الآخرين، وحتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة، عندما كانت إدارة السجن تداهم الغرف من أجل إجراء عمليات تفتيش، تراه جالساً على "برشه"، سريره يقرأ القران، وكأنه يسخر من سجانيه وجلاديه.

وبالمناسبة فإن أبو جمل ومن أجل أن يحسن من لغته العربية، أخذ دورة في تجويد القرآن، وعندما دخلت الأجهزة الخلوية مهربة للسجن، لم يكن أبو جمل كغيره من الأسرى يعرف كيفية استخدامها، وحتى بعد تعليمه على كيفية استخدامها، إلا أنه عندما كان يسمع الحديث المسجل لـ"السكرتيرة الرقمية" التي ترد، بأنه بقي في رصيدك كذا مبلغ، كان يجيب شكراً لك يا أختي العزيزة..

وأبو جمل كان يتذكر كثيراً بلدته، وكيف أنه في حياته كان لا يخرج كثيراً من البلدة، حتى أنه بالكاد كان يعرف باب العامود في القدس، وكان أكثر المناضلين محبة إلى قلبه المناضلين سامر أبو سير وياسين أبو خضير، والذي كان يصف أبو جمل بـ"أقذع الأوصاف"، من باب المزاح، في الرسائل التي يرسلها له من معتقل لآخر، ورغم كل ذلك كان هناك معزة خاصة لياسين في قلب أبو جمل..

وأذكر أنه بعدما التقيت أبو جمل في سجن نفحة أيضاً في عام 2002، وجاءه أمر بترحيله إلى معتقل بئر السبع، فإنه بدأ مرتبكاً وحائراً، كيف سيتصرف إذا لم يجد هناك رفاقا، ومن سيتولى مسؤولية الرفاق هناك، وكان أبو سير يبدد له المخاوف، بالقول إنك أنت المسؤول، ويرد أبو جمل باستغراب، أنا المسؤول وكيف يكون ذلك؟ وأنا لم أتعود على تولي المسؤولية، ولكن يرحل أبو جمل وينجح في تولي المهمة، بالتعاون مع الرفاق والقادمين الجدد والمحافظة على الوضع التنظيمي..

وأبو جمل الذي دخل عامه الاعتقالي الثالث عشر، طوال الفترة كان يردد أنا "والله مش مستعجل أروح " ولكنه بدأ في الأعوام الأخيرة، يوجه سهام نقده للفصائل والأحزاب على قصورهم وتجاهلهم لقضايا الأسرى والمعتقلين، وكان دائماً المناضل ياسين أبو خضير، يقول له أسرى ما بعد أوسلو غير مشمولين في صفقات الإفراج، وأبو جمل لا يكترث بذلك، بل إنه في إحدى صفقات الإفراج والتي شملت شادي هلسه إبن مجموعة أبو جمل، ولم تشمل ياسين أبو خضير، قال له أللهم لا شماتة، وأبو جمل الآن كغيره من الأسرى يقول بصوت عال، أية اتفاقيات لا تضمن إطلاق سراحنا نحن منها براء، ومن الموقعين عليها.

أما الأسير توفيق عويسات، والذي من المهم جداً قوله، أن والده علي عويسات"أبو سميح" والمعروف لكل أهالي الأسرى والقدس، فهو أحد المؤسسين للجنة الأهلية للدفاع عن أسرى القدس، وهو لم يتغيب أبداً، إلا لأسباب قسرية جداً، عن أي نشاط أو فعالية لها علاقة بالأسرى، وتراه دائماً كل يوم خميس في الإعتصام الأسبوعي لأهالي أسرى القدس في الصليب الأحمر الدولي، ويتنقل بين قرى ومدن الضفة الغربية دعماً لقضية الأسرى، إما تراه مشتركاً في مسيرة أو اعتصام، أو زيارة لأسرى مفرج عنهم، ناهيك عن دوره كرجل إصلاح في حل القضايا والخلافات العشائرية في البلدة ومدينة القدس.

أما ابنه المناضل توفيق، وكما يقول، فإن صور الجرائم الإسرائيلية بحق شعبنا الفلسطيني، هي التي لعبت الدور الحاسم، في خياره وقيامه بعملية طعن لإثنين من جنود حرس الحدود في "كنيون" المالحة في القدس، وكان موقناً أنه مستشهد لا محالة، ولكن قدره أنه اعتقل وحكم علية بالسجن لمدة ثمانية عشر عاماً. وفي السجن قضى كفترة عقاب له أكثر من خمسة عشر شهراً في معتقل "المسكوبية" مع السجناء الجنائيين، والذين لا تطاق الحياة معهم، حيث أنهم يعيشون كحياة الغاب القوي يأكل الضعيف..

ولم يشعر توفيق بالحياة الإعتقالية الحقيقية، إلا عندما جرى نقله إلى سجن عسقلان، حيث الحياة القائمة على النظام والإنضباط، ولكونه إنسانا يميل إلى الهدوء، ويحب العمل لا الكسل والخمول، فإنه أثر العمل في المطبخ، لكي يخدم أخوته ورفاقه الأسرى والمناضلين. وهو من الأسرى الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم في أيام "الزنقات والشدة " في المعتقلات، رغم حالة الانكسار الشديدة التي مرت بها الحركة الأسيرة، بعد اتفاقيات أوسلو وما جلبته من حالة إحباط ويأس، وفقدان للثقة بين الأسرى وقواهم وأحزابهم في الخارج، إلا أن المناضل توفيق لم يضيع البوصلة أبداً، وكان متماسكاً وكان يقول هذا قدرنا، وعلينا أن نتكيف مع هذا الواقع، لا أن نندب حظنا ونبكي على الأطلال..

وتوفيق رغم التزامه وانضباطه إلا انه لا يميل إلى التقاليد الصارمة في الحياة والتنظيم، وكان يقول علينا أن نرفه عن أنفسنا قليلاً، حيث أنه في الغرفة التي سكنها معاً في سجن عسقلان، كان يسهر هو والمناضلين وهيثم عبيدات واحمد عميرة، إلى ما بعد منتصف الليل، وكان المناضل عميرة يقول لهم، بعد عشرين عاماً من الإعتقال "صار لنا في السجن عشرين سنة، بدنا نطلع ونتجوز"، وكان توفيق يرد عليه، لما بنحط رجلينا على باب السجن بنفكر، وبالمناسبة توفيق دخل عامه الإعتقالي الثالث عشر، وهو يقول " هالسجنة" مقدور عليها بس نحقق هدفنا في الحرية والإستقلال.

وبالمناسبة والد توفيق والذي جاوز السبعين من عمره، يقول لي بألم ومرارة شديدتين "ألم يحن الوقت يا أبو شادي، أن تلتفت السلطة والأحزاب إلى قضية الأسرى بشكل جدي، وتحديداً أسرى القدس وأسرى الـ 48، غير المشمولين بأية صفقة من صفقات الإفراج؟ أليس من واجبهم على القيادة، أن تتمسك بعدم توقيع أي اتفاق مع إسرائيل دون أن لا يتضمن بشكل واضح جدول محدد ودقيق لإطلاق سراحهم؟ أم أن إطلاق سراحهم سيبقى مرهوناً بحسن النوايا الإسرائيلية، والتي لن تشملهم أبداً؟ ونحن ما دام فينا كأهالي عرق ينبض سنستمر في قرع الخزان، حتى يعود لنا أبناؤنا".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018