من ذاكرة الأسر: الأسير فؤاد الرازم يدخل عامه الاعتقالي الثلاثين..

من ذاكرة الأسر:  الأسير فؤاد الرازم يدخل عامه الاعتقالي الثلاثين..

كل شيء تغيرت معالمه في القدس وسلوان يا أبا القاسم، منذ غادرتها قسراً قبل تسعة وعشرين عاماً إلى سجون الاحتلال. والتغيير طال البشر والشجر والحجر. فالمستوطنون يحاصرون قريتك وبيتك من كل الاتجاهات، وأسماء الشوارع تغيرت، حتى عين الماء في سلوان غيروا اسمها، والمسجد الأقصى الذي تحلم بالتحرر والصلاة فيه يقتربون منه، ويتحينون الفرص لهدمه وإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه، فالحفريات والأنفاق من حوله ومن تحته وفي كل الاتجاهات، وهزة أرضية خفيفة كفيلة بتصدعه وانهياره.

وفي سلوان، مسقط رأسك، استولى المستوطنون على عشرات البيوت فيها، وأحياء بكاملها ستهدم، كما هو الحال في حي البستان، والطرد والتهجير أضحى جماعياً، والقدس تتهود أرضاً وتتأسرل سكاناً، وردود الفعل العربية والإسلامية وحتى الفلسطينية منها، هي مدافع من الشعارات الثقيلة، وصليات رشاشة من "الهوبرات" الإعلامية والخطب العصماء، وسيل جارف من بيانات الشجب والاستنكار.

حملتهم أنت وغيرك من جنرالات الصبر وكل عمداء الحركة الأسيرة المسؤولية عن بقائكم هذه المدة الطويلة في سجون الاحتلال، فهم فاقدو الإرادة ولا يولون قضيتكم الاهتمام الكافي، ابدأها من السلطة بشقيها أو جناحيها واختمها بأصغر فصيل فلسطيني، ستسمع نفس الجمل والعبارات والديباجات المنمقة.

أبو القاسم واحد من القيادات الاعتقالية للحركة الأسيرة التقيت به وتعرفت عليه في سجن عسقلان عام 2001، وكان من أبرز قيادات حركة الجهاد الإسلامي على مستوى السجون، وهو إنسان يميل إلى الهدوء، والنقاشات الجادة والعلمية، وليس بالإنسان المغلق أو أصحاب نظريات الإقصاء أو التخوين والتكفير، مهامه ومشاغله كثيرة، وخصوصاً أن انتفاضة الأقصى طالت المئات من أنصار وأعضاء حركة الجهاد الإسلامي في الضفة والقطاع، وهذا الجيش بحاجة إلى التوعية والتنظيم والتعبئة والتعريف بالواقع الاعتقالي، ومخططات إدارات السجون وأجهزة مخابراتها في الإيقاع بالمناضلين، ومحاولة كسر إرادتهم وتدمير معنوياتهم والانقضاض على منجزاتهم ومكتسباتهم.

وأبو القاسم رغم كل مشاغله التنظيمية ودوره الحزبي الداخلي، باعتباره العنوان الأبرز لحركة الجهاد في سجون الاحتلال، كان يجد المتسع للتفاعل الوطني والحديث عن الهم الإعتقالي العام والأوضاع السياسية، وكان يتحدث بمرارة وحسرة وألم عما آلت إليه أوضاع الحالة الفلسطينية الداخلية من انقسام وانفصال، وما تركته من الكثير من المخاطر والتداعيات السلبية على واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية.

وأبو القاسم المعتقل منذ 30 /1/1980، تنقل بين الكثير من سجون الاحتلال، هذا الاحتلال الذي يلجأ إلى الترحيل الدائم للقيادات الاعتقالية، لمنعها من بناء وإقامة بنية تنظيمية مستقرة، وكذلك من أجل كسر إرادتها والتأثير على معنوياتها، والعمل قدر الإمكان على الحد من دورها وتأثيرها تنظيمياً واعتقالياً.

وأبو القاسم شارك في كل المعارك الاعتقالية، معارك الأمعاء الخاوية، دفاعاً عن حقوق ومنجزات الحركة الأسيرة الفلسطينية في وجه إدارات السجون، وكان نصيبه أكثر من مرة العزل في الزنازين وأقسام العزل في مختلف سجون الاحتلال، ولكن هيهات أن تنال منه لا السجون ولا أقسام العزل ولا الزنازين، وفي كل مرة يعزل فيها يزداد صلابة وقناعة وإيماناً بحتمية الحرية والنصر.

وأبو القاسم في سنوات اعتقاله الطويلة، مر عليه عشرات آلاف الأسرى ممن تحرروا من الأسر، وبقي أبو القاسم يودع أسرى ويستقبل أسرى وما زال على هذا المنوال آملاً بحرية قريبة.

كما أنه مرت عليه لحظات وأيام صعبة وقاسية، والقول له هنا: "لقد صدمت وحزنت جداً وشعرت بمرارة كبيرة عندما تم شطب إسمي أنا ومناضلين آخرين من صفقة التبادل عام 1985، ومما خفف عني أنها شملت المئات من الأسرى من ذوي الأحكام العالية، وأيضاً بعد أوسلو مر علي أنا وأخوتي ورفاقي من أسرى القدس والثمانية وأربعين عشرات عمليات الإفراج، ولم تطل أياً منا كوننا من القدس والثمانية وأربعين، ولتنازل المفاوض فلسطيني وتخليه عنا طواعية".

وفي هذا السياق روي لي في سجن عسقلان عام 2001 الأسير المقدسي ياسين أبو خضير الذي دخل عامه الثالث والعشرين: "كم كانت صدمتي كبيرة وشعرت بخيبة أمل كبيرة، ولم أخف سخطي وعدم ثقتي بالسلطة والأحزاب والتنظيمات". فبعد عملية إفراج في مرحلة ما بعد أوسلو، يقول: "جاء الشرطي إلى باب غرفتي وأبلغ كل الأسرى الموجودين فيها أنه سيفرج عنهم، وبقيت في الغرفة وحيدا، وكم كان هذا الوضع محبطاً وصادماً لي ولغيري من أسرى القدس والداخل".

أما الأسير الرازم وحول ذات الموضوع فيقول: "هذه المواقف المحبطة من صفقات الإفراج وعمليات التبادل بلورت عندي موقفا داخليا بأن لا أثق بأي حديث عن عملية إفراج حتى أكون في القدس بين أهلي وبصحبة زملائي الأسرى القدماء، وأصحاب الأحكام العالية وكبار السن والمرضى والأسيرات والأشبال".

والرازم خلال سنوات اعتقاله الطويلة أيضاً، تعرض إلى العديد من المواقف المؤثرة والمحزنة والمؤلمة وبالأخص وفاة والدته قبل أربعة أعوام تقريباً، وحرمانه من مشاهدتها لمدة ست سنوات قبل وفاتها، وفي ذروة مرضها وخطورة وضعها تقدم بطلب لإدارة مصلحة السجون لزيارتها ولو لبضعة دقائق في المستشفى، ولكن تأبى تلك الإدارة التي لا تعرف الإنسانية إلى أبوابها طريقا تلبية طلبه. ولكن بعد إلحاح شديد وتدخل بعض المؤسسات والهيئات الحقوقية سمح بإحضار والدته في سيارة الإسعاف لتزوره في سجن "أوهلي كيدار" في بئر السبع حيث كان يقبع هناك، وسمح لهما بالتقاط بعض الصور المؤلمة والقاسية للقاء الصعب وكأنه لقاء الوداع الأخير، وبالفعل توفيت والدته بعد عشرين يوماً من اللقاء.

ما زال أبو القاسم وجنرالات الصبر وعمداء الأسرى ينتظرون.. ينتظرون حرية مشرفة تليق بنضالاتهم وتضحياتهم، حرية عزة وكرامة وانتصار على السجان والجلاد، فهل يحقق آسرو الجندي المخطوف "شاليط" أملهم، أم سيبقون ينتظرون وقد ينتقلون من شهداء مع وقف التنفيذ إلى شهداء فعليين؟..