من ذاكرة الأسر: الأسير المناضل محمود عطون

من ذاكرة الأسر: الأسير المناضل محمود عطون

لأول مرة في تاريخ دولة الاحتلال تفتح الكنيست أبوابها يوم السبت من عام 1993، وهذا معناه أن هناك حدثا نوعيا جداً أوجب هذا الأجراء، وبالفعل كان الحدث نوعياً بكل المقاييس والمعايير، وهو الإعلان عن اعتقال خلية الوحدة الخاصة لكتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، تلك الخلية التي قامت بمجموعة من العمليات النوعية، التي هزت إسرائيل حكومة ودولة ومواطنين، أولها كانت خطف جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو من الرملة وإحضاره إلى منطقة الخان الأحمر/ القدس، من أجل مبادلته مع أسرى من حركة حماس، كان في المقدمة منهم المرحوم الشهيد الشيخ أحمد ياسين. ولكن تعنت الحكومة الإسرائيلية دفع بالمجموعة بعد يومين إلى قتل الجندي الإسرائيلي.

وبعدها تواصل هذا النهج، وقامت المجموعة بسلسلة من العمليات النوعية، وقف في المقدمة منها قتل شرطيين في بلدة الخضيرة، منطقة وادي عاره، وإصابة جندي حرس حدود في بلدة بيت ليد في الداخل الفلسطيني بعد أن فشلت عملية اختطافه، واستمرت تلك الخلية في العمل حتى 21/11/1993 حيث تم اعتقال أعضائها.

أما المناضل محمود عطون والذي شرب ورضع حليب المقاومة وتربى على النضال، في أسرة لم يعرف أفرادها سوى النضال والمقاومة من الأب إلى الأبناء. وأغلبهم عرفوا طريقهم إلى سجون الاحتلال ثمناً لتلك المقاومة، فوالده المناضل أبو احمد اعتقل عام 1998 لمدة عام لحيازة سلاح، وهو ممنوع من زيارة ابنه على تلك الخلفية، وشقيقه الأسير النائب أحمد عطون، والذي تحرر من الأسر قبل مدة لا تزيد عن ثلاثة شهور، وأيضاً شقيقه إياد اعتقل على خلفية مقاومة الاحتلال.

وفي وصف عملية اعتقال القائد القسامي محمود عطون، يقول والده إنه قدم عدد كبير من أفراد المخابرات إلى منزله، وقاموا بمداهمته وتفتيشه بشكل دقيق جداً، وتدمير كافة محتوياته وزجاج نوافذه والأثاث وألقوا بقنابل الغاز المدمع نحو العائلة، كما اعتدوا عليهم بالضرب المبرح. وفي تلك الأثناء لم يكن محمود في البيت، وقد جرى اعتقاله بينما كان يقود سيارته من "فورد سييرا" في"رامات راحيل" القريبة من مسجد بلال بن رباح الذي تعرض للضم قبل أيام كموقع أثري لدولة الاحتلال في سطو وتزوير فاضحين لتاريخ وتراث شعبنا، حيث أغلقت المخابرات الإسرائيلية جميع الشوارع والطرق المؤدية إلى تلك المنطقة، وانتشر فيها رجال الشرطة والمخابرات والوحدات الخاصة بشكل كثيف، وقد فوجئ القائد محمود بسيارتي مخابرات تقطعان طريقه، ولتجري محاصرته من كل الجهات ومن ثم اعتقاله، ولينقل بعدها إلى التحقيق في "مسلخ" المسكوبية الذي مكثف فيه لمدة ستين يوماً، ولتمارس بحقه كل أشكال وأنواع التعذيب الجسدي والنفسي.

وهنا لا يوجد للتعذيب، لمن تعتبرهم المخابرات الإسرائيلية قنابل موقوتة، قيود ولا شروط على أشكاله وصنوفه، ويكون المستشار القضائي في خدمة جهاز المخابرات، من جهة الأوراق وأوامر التمديد واجازة أساليب التعذيب جاهزة. ومثل هذا التحقيق مررت به عندما اعتقلنا في يوم الأرض 30/3/2001، حيث اعتبرت الجبهة الشعبية مسؤولة عن وضع السيارات المفخخة في القدس، وكل من اعتقل من خلية الجبهة الشعبية، تعرض لتحقيق عسكري قاس وعنيف على هذه الخلفية.

والقائد القسامي محمود عطون بعد انتهاء التحقيق نقل إلى السجون الإسرائيلية. وهو من النوع الصدامي جداً، هو مقل في كلامه، ولكن أفعاله وأعماله تتحدث عنه. وكان دائماً يخوض صراعاً شرساً مع إدارات السجون الإسرائيلية حول مطالب ومنجزات ومكتسبات وحقوق الأسرى، وما تقوم به إدارات السجون من مداهمات وعمليات تفتيش مذلة ومهينة للأسرى وغرفهم وأغراضهم الشخصية. وفي الكثير من المرات تعرض للعزل في أقسام وزنازين العزل.

والمناضل عطون التقيت به في سجن شطة عام 2002، حيث كان يقف على رأس منظمة حماس في السجون. وهذا القائد يحظى بدرجة عالية من الثقة والاحترام، ليس بين أبناء حركة حماس، بل بين كل أبناء الحركة الأسيرة، وهذه الثقة اكتسبها نتيجة لمواقفه الرجولية والبطولية ضد إدارات مصلحة السجون الإسرائيلية وأجهزة مخابراتها التي تحاول اختراق منظمات الأسر للوقوف على هياكلها، وطرق وآليات تواصلها وطبيعة عملها.

والمناضل عطون والذي يتمتع بعقلية تنظيمية وتخطيطية فذة، كان جزءا من الخلية الحمساوية التي خططت للهروب من سجن عسقلان عام 1997، حيث قاموا بحفر نفق بطول 12 متراً يوصل لخارج السجن عن طريق عبارات المجاري، وكان توقيت الهروب يوم زيارة أهالي الأسرى، ولكن تشاء الأقدار بعد أن تعرف أحد حراس السجن على أحد الأسرى المشاركين في تلك العملية أن تفشل المحاولة.

ومن بعدها اتخذت إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية قراراً بالعزل المستمر لعطون والمجموعة المشاركة في عملية الهروب، وهم المجاهدون محمود عيسى وماجد أبو قطيش، ومروان أبو رميلة وحافظ قندس، والقرار شمل عدم التقائهم في سجن واحد.

ولم تكتف إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بهذا القرار، بل عملت على عزل القائد عطون بشكل انفرادي لمدة ثلاث سنوات في سجن بئر السبع.

ونظرا لما لديه من المعنويات والروح الكفاحية والنضالية والإرادة لم تهزمه ولم تثنه لا سياسات العزل ولا القمع عن مواصلة دوره التنظيمي والاعتقالي والوطني والجهادي، بل في كل مرة عزل كان عنوان إرادة وصمود ومثال للحركة الأسيرة بمختلف ألوان طيفها السياسي.

الأسير القائد عطون هو من قرية صور باهر/ جنوب القدس، من مواليد 25/9/1970، اعتقل بتاريخ 3/6/1993، ومحكوم بالسجن لمدة ثلاث مؤبدات وأربعين عاماً، قضى من محكوميته حوالي سبعة عشر عاماً، ويعاني من أوجاع في المفاصل ومشاكل وأوجاع في ركبة الرجل اليسرى، تنقل نقلاً وعزلا وقمعاً بين الكثير من سجون الاحتلال.

وإن قائداً قسامياً بهذا الحجم، شكّل هو ومجموعته الجهادية ظاهرة نوعية في سفر النضال الوطني الفلسطيني، يستحق عن جدارة أن يكون على رأس قائمة الأسرى المطلوب مبادلتهم وتحررهم من الأسر في صفقة الجندي المأسور شاليط، فمثل هؤلاء المناضلين والقادة من أسرى القدس والداخل الفلسطيني، والذين لا توجد خيارات أمامهم للتحرر من الأسر ،إلا من خلال صفقات التبادل، نرتكب بحقهم خطيئة كبرى ونوجه لهم طعنة غادرة وضربة في الصميم إذا لم يكونوا جزءا من صفقة التبادل تلك.