نيراز ليس الأخير: دمشق تخفي الأدلة على جرائم الحرب

نيراز ليس الأخير: دمشق تخفي الأدلة على جرائم الحرب
نيراز سعيد في المخيم (تويتر)

الثاني من أيلول/ سبتمبر عام 2015، الساعة الخامسة فجرًا. اقتحم عناصر المخابرات السورية مقر جمعية "النور" للإغاثة والتنمية في ساحة الميسات وسط دمشق، واعتقلوا المخرج والمصور الفلسطيني نيراز سعيد الذي كان يقيم في مقر الجمعية منذ ثلاثة أشهر... عامان وعشرة أشهر، السادس عشر من تموز/ يوليو، تعلن عائلة نيراز أنه قتل تحت التعذيب في معتقلات النظام.


وما أن أعلن الخبر حتى غصت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من مستخدميها الفلسطينيين السوريين بصور نيراز وإعلان نبأ مقتله وتعميمه، مع اتهامات هي الأولى من نوعها لمدير جمعية نور، محمد جلبوط، بالتورط في تسليم سعيد للأمن السوري، وفق ما يقال إنها صفقة غامضة لم تعرف تفاصيلها.

المصور الفلسطيني السوري أحمد عباسي، صديق سعيد والذي رافقه طيلة فترة حصار المخيم حتى ساعة مغادرته لليرموك عام 2015، كتب متهمًا جلبوط بتسليمه للمخابرات السورية، كذلك كتبت الناشطة الفلسطينية فاطمة جابر، مشيرة إلى احتمال أن يكون جلبوط المسؤول الأول عن استشهاد سعيد تحت التعذيب.

زوجة سعيد، المقيمة في أوروبا منذ سنوات، اكتفت بمنشور بسيط دعت فيه إلى عدم مرور موت زوجها بصمت، بعد أن التزمت الصمت منذ أول يوم لاعتقاله، وفضلت كما آخرين من ذوي المعتقلين عدم اللجوء للصحافة أو المنظمات المعنية خوفًا على سلامة سعيد.

المشاهدة الأخيرة

كان الناشط والمعتقل السابق "هـ. ن" آخر من التقى بنيراز في فرع الأربعين المقابل لمقر جمعية نور بعد أيام قليلة من اعتقاله، حيث كان سعيد في وضع نفسي سيئ للغاية، ويستعد لجولة التحقيق الأولى التي ستتضمن جلسة تعذيب، حين قدمت لسعيد نصيحة من المعتقلين بتقديم الاعترافات التي قد تروق للمحققين وتجنبه التعذيب، بعد ذلك بأيام قليلة نقل سعيد إلى فرع فلسطين، كونه الفرع الأمني المسؤول عن شؤون الفلسطينيين في سورية.

انقطعت الأخبار بعد ذلك عن سعيد بشكل كامل، فيما بقي الأمل بأن يكون حيًا، بالذات بعد أن شوهد أحد الشبان الذين اعتقلوا في ذات اليوم، في سجن صيدنايا العسكري.

أين هي السلطة؟

تشير وثائق رسمية إلى أن السلطة الفلسطينية كانت الضامن لعملية يسميها النظام السوري بالمصالحة، تم بموجبها السماح بخروج عدد من مدني المخيم المحاصر باتجاه دمشق، صدرت بتاريخ الحادي والثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر عام 2014، بينهم سعيد، وذلك في إطار ما كان يعرف بمبادرة تحييد المخيم عن الصراع السوري.

وتلقى عدد من ناشطي المخيم ضمانات من السلطة وممثليها الذين زاروا دمشق في ذلك العام، بأن لا يمس النظام أيًا من الخارجين من اليرموك، مع بنود كان المفترض أن تفضي إلى فك الحصار الذي كان مفروضًا على المخيم منذ منتصف عام 2013.

اسم نيراز يظهر بكشف الأسماء الذي أعلنت عنه السلطة

ولم تطالب السلطة الفلسطينية أبدًا لا بسعيد ولا بغيره من المعتقلين الفلسطينيين في سجون النظام، وحتى في الزيارة التي قام بها وفد من المنظمة إلى العاصمة دمشق ومخيم اليرموك قبل أيام قليلة فقط، لم يأت ذكر المعتقلين على لسان المتحدثين، ومن ضمنهم رئيس وفد منظمة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الأحمد.

الآلية الجديدة

اتبع النظام السوري منذ قرابة الشهرين آلية جديدة لإبلاغ ذوي المعتقلين في سجونه بنبأ وفاة أبنائهم في المعتقلات، فبعد أن كانت أفرع الأمن تسلم ذوي المعتقل ورقة مكتوبة بخط اليد، تفيد بأن المعتقل قد مات، انتهج النظام آلية جديدة، تمحو كل دليل قانوني قد يستخدم ضده مستقبلًا، تنص على الطلب من ذوي المعتقل استصدار قيد نفوس للمعتقل، لتتفاجأ العوائل بأنه متوفى في السجلات الرسمية.

وأوضح الناشط القانوني الليث مطر، في حديث لـ"عرب 48" أن أسباب الوفاة التي كانت تكتب بخط اليد وتسلم للأهالي كانت تنص على سببين لا ثالث لهما، الأول هو توقف القلب المفاجئ، والثاني التهاب الكبد الفيروسي، بغض النظر عن عمر المعتقل ووضعه الصحي قبل الاعتقال، كانت العائلات تفهم أنه قتل تحت التعذيب.

اليوم، بحسب مطر، يتم الأمر بطريقة جديدة، لا تترك أي دليل ولو كان صغيرًا على الجريمة التي ارتكتب في المعتقلات السورية، يقول مطر إن "النظام يخبر الأهالي باستشهاد أبنائهم في معتقلاته وسجونه، في خطوة لطي أحد أهم وأقوى الملفات التي ماتزال في يد المعارضة السورية، ويتم ذلك إما من خلال شهادة وفاة من مشفى تشرين العسكري في ضواحي دمشق، أو من خلال إبلاغ المخاتير والبلديات، أو بالاتصال بذوي المعتقل بشكل مباشر".

وتابع مطر أن النظام بات يستخدم دوائر السجل المدني "النفوس" كوسيلة إبلاغ أيضًا "بعض القيود الخاصة بالمعتقلين المتوفيين ذكر فيها مكان الوفاة؛ محكمة الميدان العسكرية.

لماذا الآن؟

تتحدث المعارضة السورية عن أكثر من ربع مليون معتقل سوري في سجون النظام، زج بهم منذ 2011 في سجون سرية في مختلف محافظات البلاد، وأوضح مطر أن السيطرة العسكرية التي صبت في مصلحة النظام في العام الأخير، فضلًا عن الوضع السياسي الدولي الذي يبدو أنه يميل للنظام أكثر فأكثر، جعله يفكر في إنهاء ملف المعتقلين بأسرع وقت، ومن دون أي دلائل من الممكن أن تستخدم يومًا ما في محكمة جنايات دولية.

فيما أكد الناشط الحقوقي مازن درويش لـ"عرب 48" أن "الأمر لا يعدوا سوى محاولة من طرف النظام لطي قضية المفقودين والمعتقلين والجرائم ضد الإنسانية - التي تعرضوا لها وترتقي لمستوى الإبادة الجماعية- وتم ارتكابها بشكل منهجي طوال السنوات السابقة بحق المعتقلين ... من غير الممكن الوصول إلى سلام مستدام في سورية من دون كشف الحقائق ومحاسبة المجرمين وضمان حقوق الضحايا وعائلاتهم من خلال مسار وطني للعدالة الانتقالية".

عين الكرش

يغص المبنى المؤلف من ثلاث طوابق في منطقة عين الكرش وسط العاصمة السورية بالمراجعين، وفي الطابق الثاني تقع دائرة السجل المدني "النفوس". يحاول المراجعون الحصول على قيد نفوس يثبت إن كان معتقلوهم أحياء أو أموات، منذ أسابيع والمشهد هناك لا يتغير.

بهذه الطريقة علمت عائلة سعيد بخبر وفاته، كما عرف ذوو كل من معتز غزي وحميد سويد وعبد السلام عبد العال ومحمد حلاوة ويزن عمايري ومعتصم أحمد يوسف، بنبأ وفاة أبنائهم تحت التعذيب. وكان قد سبق هذه الأسماء 38 اسمًا من مخيمي الوافدين بحماة وحمص وسط سورية، أعلن عن وفاتهم في معتقلات النظام دفعة واحدة، عن طريق المختار المحلي في المخيم.

وصل عدد المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب في السجون السورية من اللاجئين الفلسطينيين السوريين بعد سعيد إلى 605 معتقلين، بينهم نساء وأطفال ورجال، ومن المتوقع أن يرتفع العدد في الأيام القليلة الماضية، مع توالي الـنباء المشابهة لنبأ وفاة سعيد.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


نيراز ليس الأخير: دمشق تخفي الأدلة على جرائم الحرب

نيراز ليس الأخير: دمشق تخفي الأدلة على جرائم الحرب

نيراز ليس الأخير: دمشق تخفي الأدلة على جرائم الحرب