حراك المخيمات الفلسطينية في لبنان متواصل: معركة على حقوق اللاجئين

حراك المخيمات الفلسطينية في لبنان متواصل: معركة على حقوق اللاجئين
من تظاهرات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان (أ ب)

في الـ15 من تموز/ يوليو الجاري، انطلق حراك المخيمات الفلسطينية المرشح للتصعيد في لبنان، احتجاجا على خطة وزير العمل، كميل أبو سليمان، لـ"مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية"، ويحظر بموجبها على أرباب العمل تشغيل اللاجئين الفلسطينيين دون الحصول على تصريح، فضلًا عن إغلاق مؤسسات ومنشآت فلسطينية لا تملك التصاريح اللازمة للعمل.

وعزز الحراك الشعور لدى الشبان الذين يقيمون في مخيمات اللجوء بالاستياء على أوضاعهم في المناطق والمخيمات التي ولدوا وكبروا فيها، حيث قبل الكثيرون منهم بالعمل في غير اختصاصاتهم رضوخًا للأمر الواقع، لكن المشكلات تضاعفت مع بدء تطبيق خطة وزارة العمل اللبنانية لـ"مكافحة العمالة الأجنبية".

ويوضح أحد الناشطين الفلسطينيين في مخيّم عين الحلو، أن الحراك بدأ مستقلًا منذ أن تم إعلان وزير العمل عن العمل بخطة العمالة الجديدة؛ "مجموعة من الشبان المستقلين والعمّال والمهنيين ولجان السوق، بالإضافة إلى مجموعة من الطلاب الجامعيين الواعي والتقدمي".

بدأت حالة الغليان تسيطر على المخيمات الفلسطينية في لبنان شمالها وجنوبها، أقفلت المداخل، وتواصلت المسيرات الاحتجاجية دون انقطاع ضد الخطة التي باشرت وزارة العمل اللبنانية بتنفيذها، دون استثناء الفلسطينيين، فيما ألزمتهم بالحصول على إجازات عمل للأفراد والمؤسسات، بما يخالف قانون العمل بوصفهم مقيمين دائمين بوثيقة لجوء منذ العام 1948 في لبنان.

في عين الحلوة..

تواصلت الفعاليات الاحتجاجية، إلى حين تعرض أحد الناشطين الذي وصفه مصدرنا بـ"دنمو الحراك"، إلى مهاجمات ومضايقات بطريقة مستفزة، فقرر الانسحاب بهدوء من المشهد، عند تلك النقطة قرر الناشطون تنظيم أنفسهم للتعامل مع مختلف الفصائل الفلسطينية بالمخيم، التي شدد المصدر على أنها كانت مغيبة حتى ذلك الحين عن المشهد، بالإضافة إلى ضرورة التعامل مع الجهات اللبنانية التي بدأت مبكرا في محاولة امتصاص غضب الحراك.

أخذت الفعاليات الاحتجاجية مشهدًا جميلا وطابعا وحدويًا، كما يصفها المصدر، رفعت الأعلام الفلسطينية فقط بمشاركة واسعة وحاشدة من الأهالي بمن فيهم الشيوخ والنساء والأطفال الذي شاركوا في إضراب مفتوح داخل المخيمات الفلسطينية كورقة ضغط على السلطات اللبنانية، لتعيد النظر في حقوقهم المهدرة منذ لجوئهم إلى لبنان في أعقاب نكبة الشعب الفلسطيني.

 وفي عين الحلوة، كما صرّح المصدر في حديثه لـ"عرب 48"، تعامل الجيش اللبناني في البداية بصورة إيجابية مع الموضوع، وتم تفادي حصول أي مناوشات أو احتكاكات مع الناشطين، حيث أكد الحراك أنه خرج للمطالبة بحقوقه المدنية والاجتماعية وإلغاء إجازة العمل نهائيًا والخطة المجحفة بحق اللاجئ الفلسطيني وصفته القانونية في لبنان، ولم يخرجوا لـ"مواجهة الجيش أو الدولة".

وقال الناشط الفلسطيني في عين الحلوة، مفضلا عدم ذكر اسمه، "إجازات العمل تنص على إقامة، هذا يعني أن حق العودة راح، التغت صفة اللجوء"، واستدرك: "تنبه الشباب الواعي لهذه القضية مباشرة، وأصروا على موقفهم الرافض لقرار وزير العمل، وأصروا على تصعيد الحراك".

واستمر الحراك إلى أن شهدت مخيمات الفلسطينيين في لبنان، الجمعة الماضية، مسيرات رافضة لقرار وزارة العمل اللبنانية القاضي بضرورة الحصول على إجازة عمل للعمال الفلسطينيين، فيما أعلن الوزير أبو سليمان، أنه سيسهل الإجراءات عليهم، إلا أن الحراك الفلسطيني الرافض للقرار شدد على ضرورة إلغائه كونهم لاجئين، وليسوا في لبنان من أجل العمل.

في هذه المرحلة، استدرك المصدر في حديثه لـ"عرب 48" قائلا: "ظلت الأمور تسير على ما يرام، إلى حين دخول القيادة على الخط"؛ يشار إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أوفد عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، لمتابعة القضية في لبنان حيث التقى الخميس، 18 تموز/ يوليو المسؤولين اللبنانيين لمتابعة قضية قرار وزارة العمل اللبنانية، بمن فيهم رئيس الوزراء، سعد الحريري.

وتابع المصدر "أرادت الفصائل قطف ثمار الحراك مبكرًا"، وروى لنا ما شهده الحراك في عين الحلوة: "كل فصيل أراد استقطاب الشباب وجمعهم تحت مظلته، والالتفاف على قادة الحراك، بما في ذلك فرض شعاراته وأعلامه ورموزه على الحراك"، مؤكدا أنه حتى ذلك الحين، لم ترفع سوى الأعلام الفلسطينية.

واستطرد قائلا: "تقسموا مجموعات، كل مجموعة حددت انتماءاتها"، وتابع: "نحن المستقلون لا نتبع لتنظيمات أو فصائل شعرنا أن دورنا انتهى بعد أن بات كل يبحث عن مظلة تغطيه سياسيًا وأمنيًا‘، في ظل حالة التخوف وبث الذعر في نفوس الطلاب الجامعيين والناشطين الذين شكلوا نواة الحراك، لثنيهم عن التصعيد، أو حتى لجذبهم لهذا التنظيم أو ذلك الفصيل بحجة ‘توفير الحماية‘".

انتشرت قوات الأمن الوطني وحاصروا المكان بحجة منع اشتباك الحراك مع الجيش اللبناني، واعتبر المصدر أن تلك كانت "النقطة الفاصلة"، أجبرت القوات قطاعات واسعة مثل "الأطباء والممرضين والمسعفين وبعض المهنيين على الإضراب"، وسط "تجاوزات ذات مظاهر قمعية وديكتاتورية في عملية اتخاذ القرار وفرضه، وتم إغلاق المخيم وفقط باليوم الخامس سمحوا بإدخال الشحنات الغدائية في ما يخدم الدعاية الفصائلية".

وشدد المصدر أن الحراك المدني متواصل ويعمل على تجاوز جميع هذه التجاوزات، مشيرًا إلى أنه "لا يعقل أن ينحسر عمل الفلسطيني في لبنان على مهنة العتّال والزبّال، كل الشهادات التي تحصلت عليها، مصيرها إلى المهملات".

المشهد من مخيم البص..

في المقابل، قالت الناشطة صابرين ميعاري من مخيم البص جنوب مدينة صور، وهي خريجة كلية الصحافة الإعلام في جامعة aust في لبنان، في حديثها لـ"عرب 48"، حول الخطة التي فرضها وزير العمل، إنه "وضع الوزير أبو سليمان، بحجة تنظيم العمالة الأجنبية غير الشرعية في لبنان، اللاجئ الفلسطيني في خانة الأجنبي، من دون أن يعي أن اللاجئ لديه امتيازات وأنه هجر بالقوة من وطنه كما نصت المواثيق الدولية".

وتابعت أن الفلسطيني "موجود في البلد لحين عودته إلى أرضه ووطنه، وأنه ينتج ويصرف أمواله في لبنان وليس كالعامل الأجنبي يعمل في لبنان ليذهب إلى بلده متى شاء ويحول أمواله لتصرف خارجًا".

وأكدت ميعاري أن "الشعب الفلسطيني رافض للتوطين ومتمسك بحق العودة"، لافتة إلى تزامن قرار الوزير مع المساعي الأميركية الضاغطة لمباشرة تنفيذ الخطة الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية الرامية إلى تصفيتها والمعروفة إعلاميًا بـ"صفقة القرن"، والتي تهدف إلى توطين اللاجئين في لبنان والأردن وسورية بينما "تحاول إسكاتهم عن حقهم التاريخي بالعودة إلى وطنهم، وعن هضم حقوقهم المدنية والاجتماعية في لبنان، بواسطة إغراءات اقتصادية وضخ استثمارات".

واعتبرت أن تصريح الوزير بأن خطة وزارته لتنظيم العمالة الأجنبية في البلاد، "لا تستهدف الفلسطينيين"، وأن الغرض منها مكافحة الأيدي العاملة غير الشرعية في البلاد، للحد من ارتفاع نسبة البطالة محليا، غير صحيحة، موضحة أن "كل المؤشرات تدل على ذلك وعلى ارتباط الخطة بصفقة القرن"، وتابعت أن "الشارع لم يصدق أنها ليست مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية".

وأشارت ميعاري إلى أن "العنصرية ظهرت من البعض في لبنان مع تكرار تصريحات على غرار البلد اقتصاده في الأرض وعلى الفلسطيني أن يرضخ للأمر الواقع ويحصل على إجازة عمل"، وبيّنت أن "هذا القرار جائر يريد تدمير الشعب الفلسطيني نفسيًا وعمليًا"، موضحة أنه لا يحق للفلسطيني سوى "العمل في مهن بسيطة وسط ملاحقة دائمة، علما بأن للوجود الفلسطيني فائدة على الاقتصاد اللبناني، ولكنهم مصرون على حرمانه من حقوقه المدنية والاجتماعية".

وأكدت ميعاري، التي تملك صالون للتجميل في المخيم، أن "الحراك في تصاعد مستمر، لم نشهد منذ فترة طويلة في مخيمات لبنان حركًا له زخمًا مثل هذا الحراك، الشبان في الواجهة وهم أصحاب القرار، تحركاتهم تشمل المظاهرات السلمية والاعتصامات اليومية". وشددت على وحدة القرار والتنسيق والمتابعة الدائمة بين شبان مختلف المخيمات الفلسطينية في الشمال والجنوب مرورًا بالعاصمة بيروت. ومن هم في الواجهة عبارة عن شباب أكاديمي مثقف وناشط".

ويعتبر الفلسطيني في مخيمات الشتات في لبنان أن القرار يأتي في سياق سلب حقوقه المدنية والاجتماعية والصحية، ليضاف إلى منعه من حق التملك ومن ممارسة أكثر من 40 وظيفة ومهنة، ومن بناء سقف يأويه وعائلته داخل المخيم، وتأتي قرارات وزارة العمل لتكمل على ما تبقى من حقوق. 

واعتبر من تحدثنا معهم من ناشطين، أن فتح ملف مكافحة العمالة غير الشرعية بشكل عشوائي ومن دون صياغة خطة بديلة في ظل المزايدات السياسية والطائفية، حرفت مسار الملف عن أهدافه لتتنامى عنصرية بغيضة غير مسبوقة في التعاطي مع النازحين السوريين، وفتح الملف الأخطر في توقيته ودلالاته وأهدافه المتمثل في ملف اللاجئين الفلسطينيين.

وحول دور القيادة الفلسطينية والشخصيات التي أوفدتها السلطة الفلسطينية أو الفصائل لمتابعة القضية في لبنان، أوضحت ميعاري أن الحراك قابل دعوات التهدئة التي أطلقها الموفدون بالتصعيد، وأن "ناشطي الحراك تجاوزوا منذ مدة السقف الذي حددته القيادة".

ولفتت ميعاري إلى التعتيم الذي تحاول المؤسسات الإعلامية في لبنان فرضه وممارسته على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحراكهم، معتبرة أن "إعلام لبنان لا يريد أن يسلط الضوء أبدًا ويتجنب ذكر الحراك"، مشددة على ضرورة نقل الصورة الحقيقية، والسماع من الشبان الذين هم الأساس، بانتفاضتهم الموحدة ضد القرار.

يأتي ذلك وسط سلسلة تحركات لبنانية تضامنية مع العمال الفلسطينيين، لمعالجة النتائج السلبية للقرار وزيرة العمل والمطالبة بضرورة إصدار تصاريح عمل للفلسطينيين، حيث خرجت أمس في مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان، مظاهرة جماهيرية حاشدة شارك فيها فلسطينيون ولبنانيون، للتعبير عن رفضهم خطة وزير العمل اللبناني. يشار إلى أن المظاهرة في صيدا جاءت بدعوة من الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري النائب أسامة سعد، واللقاء اللبناني – الفلسطيني.

ويطالب الحراك بإلغاء كافة الإجراءات الصادرة عن وزارة العمل بحق اللاجئين الفلسطينيين فورًا دون قيد أو شرط، وإعفاء الفلسطيني من إجازة العمل، وتعديل قانون العمل والضمان الاجتماعي رقم 128 و129 تاريخ 24/8/2010 اللذين أقرهما المجلس النيابي عام 2010، وتعديل حق عمل الفلسطينيين لتشمل الفئات المهنية والكفاءات، ووقف ملاحقة وزارة العمل لأصحاب العمل المخالفين لقانون العمل ومحاربة مكاتب الاستخدام، والعمل على وضع خطة لحماية اليد العاملة بشكل حقيقي، وإلغاء قانون حظر التملك، والسماح بإدخال مواد البناء إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان.

ويعيش 174 ألفا و422 لاجئا فلسطينيا، في 12 مخيما و156 تجمعا بمحافظات لبنان الخمس، بحسب أحدث إحصاء لإدارة الإحصاء المركزي اللبنانية لعام 2017.