"الإقامة السحرية": كيف تدلل "حماس" و"فتح" كوادرهما في تركيا؟

"الإقامة السحرية": كيف تدلل "حماس" و"فتح" كوادرهما في تركيا؟
الدّمار في مخيّم اليرموك (أ ب)

بين بطاقة الحماية المؤقتة وبين الإقامة الإنسانية في تركيا فرق قانوني كبير، تمنحه السلطات للاجئين الفلسطينيين، فمن حقّ التنقل بين الولايات بحرية إلى حق السفر والعودة إلى تركيا، وصولًا إلى الترشح للحصول على الجنسية التركية مستقبلًا، كلها امتيازات تخص بها الحكومة حملة الإقامة الإنسانية عن حملة بطاقة الحماية المؤقتة "الكمليك". فكيف إذا كان مئات وربما الآلاف من الفلسطينيين السوريين لم يحملوا حتى بطاقة الحماية المؤقتة، ولا يزالون معرضين لخطر الترحيل من البلاد... إلى إدلب.


أكثر من عشرة آلاف فلسطيني سوري استقروا في تركيا يُعامل بعضهم رسميًا كـ"سوريين"، إذ منحتهم السلطات بطاقة الحماية المؤقتة الخاصة باللاجئين للفلسطينيين السوريين قبل أن تقرر إيقاف تسجيل جميع القادمين من سورية، فيما لا يزال آلاف (لا يمكن حصر رقمهم) بلا أوراق رسمية حتى اللحظة. إلا أن هذا، وخلال الأشهر الأخيرة، بدأ بالتغير، فمنحت السلطات التركية "الإقامة الإنسانية" لفلسطينيّين سوريين، بعد تدخلات فلسطينية لا تبدو حيادية أو عامة.

توقفت تركيا منذ سنوات عن منح الحماية المؤقتة للاجئين الجدد القادمين من سورية، وتستثنى من ذلك الحالات الصحيّة الحرجة جدًا وبعض الولايات الصغيرة والنائية عن مراكز البلاد الصناعية والتجارية.

وخلال عام 2018، شهدت تركيا موجة لجوء جديدة لكنها كانت مختلفة عن سابقتها خلال سنوات الحرب السورية. وصلَ إلى البلاد بطرق غير شرعية آلاف من أبناء الغوطة الشرقية وجنوب دمشق ودرعا وريف حمص بعد اتفاقات تسوية أدت حينها لتهجير السكان قسريًا إلى شمال غربيّ سورية (إدلب). معهم وصل فلسطينيو مخيّم اليرموك إلى المدن والولايات التركية، عبر المعابر وطرق التهريب الحدودية الخطرة.

تتمتّع حركة "فتح" بعلاقات وطيدة مع تركيا (الرئاسة التركية)
تتمتّع حركة "فتح" بعلاقات وطيدة مع تركيا (الرئاسة التركية)

وفق لمعلومات جمعها "عرب ٤٨"، من أكثر من ولاية تركية، حصل فلسطينيون مقربون (كوادر) من حركتي "حماس" و"فتح"، على الإقامة الإنسانية من الحكومة التركية، في وقت عجز فيه آخرون عن التقدم لها حتى في الدوائر الخاصة بالهجرة في البلاد.

الطريق مسدود

من إسطنبول، حاول "صالح ي." التقدم بطلب للحصول على تلك الإقامة، لكنه فشل في الحصول على أي رد من السلطات، وهو سلك الطريق القانوني المعمول به لجميع اللاجئين الذين تنطبق عليهم شروط الإقامة الإنسانية.

ووفقًا لموقع الهجرة الرسمي في وزارة الداخلية التركية، فإن أي لاجئ في البلاد، يحق له التقدم للحصول على الإقامة الإنسانية في حال كان مهددًا في بلاده أو غيَر قادر على العودة إليها لأسباب صحية أو قانونية أو حتى سياسية، ويقول الموقع إن بإمكان من تنطبق عليه الشروط التقدم مباشرة إلى إدارة الهجرة في الولاية التي يقيم فيها.

لكن قرارات صدرت مؤخرًا جعلت الطريق أطول بقليل على الراغب بالحصول على الإقامة الإنسانية، منها رفع طلب إلى وزارة الداخلية التركية في أنقرة يعرف باسم Delikçe يشرح فيه الأسباب التي دفعته الرغبة بنيل تلك الإقامة.

لم يحصل صالح على أيِّ رد من أنقرة، مثله العشرات ممن التقيناهم وحاولوا الحصول على تلك الإقامة. فشل مثله "مجد ر." و "إسراء ه." في الحصول على أي رد من الخارجية التركية.

كوادر "موثوقة"

في إسطنبول، أيضًا، التقينا بناشط فضّل عدم ذكر اسمه، زوّدنا بمعلومات حول الطريقة التي بدأ فيه منح الإقامة الإنسانية لبعض الفلسطينيين السوريين، يقول إن الرقم لا يزال محدودًا جدًا، لكن عليك حتمًا أن تكون من كوادر حركتي "حماس" أو "فتح" كي يُرفع اسمك إلى الجهات التركية المختلفة، ما يسهّل عليك الحصول على تلك الإقامة.

وقال الناشط لـ"عرب ٤٨" إن "كوادر حصرًا موثوقة، لأن الفصائل لا تريد أن تسبّب لنفسها بأيّة مشكلة مستقبلًا، في حال أخلّ الحاصل على الإقامة عن طريقهما، بالقوانين المرعيّة في البلاد"، وأضاف "أعرف بعضًا ممن حصلوا عليها بالفعل، وهم من كوادر حركة ’حماس’، التي تملك علاقات قوية مع جهات تركية، سياسية وإنسانية، وهي تسهل الحصول على تلك الإقامة للفلسطينيين في تركيا".

من تلك الكوادر الموثوقة عائلة فلسطينية سورية من عائلة "م"، وحصل جميع أفرادها على الإقامة الإنسانية في تركيا، وعددهم ستة أشخاص، بعد تدخل مباشر من حركة ’حماس’، حيث كان رب العائلة قياديًا في الحركة في مخيم اليرموك".

شهدت علاقات "حماس" بالرئاسة التركية قفزة هائلة في حكم إردوغان (أ ف ب)
شهدت علاقات "حماس" بالرئاسة التركية قفزة هائلة في حكم إردوغان (أ ف ب)

لكن، ليس كلّ كوادر الحركة في سورية التي وصلت إلى تركيا لها ذات الامتيازات، فالحركة "تبرّأت من عدد منهم، بالذات ممن انخرطوا في مواجهة النظام السوري ضمن كتائب وفصائل مسلحة فصلت الحركة بعضهم، وقطعت علاقتها ببعضهم الآخر".

ولطالما أنكرت الحركة أيّة علاقة لها بفصائل حملت السلاح في مخيم اليرموك، الفصيل الأبرز الذي رفع رايات "حماس" داخل المخيم هو "أكناف المقدس"، الذي تبرأت الحركة من كامل قيادته وعناصره عبر الإعلام طوال سنوات.

طرق التقدم

تتواصل "حماس" مع هيئة الإغاثة الإنسانيّة والحقوق والحريات التركية (IHH) وعن طريقها تنّسق تقديم الامتيازات لكوادرها في تركيا، بينما تسلك "فتح" تسلك طريقًا آخر، فعبر وزارة الخارجية تخاطب الحركة والسلطة الفلسطينية من السفارة في أنقرة، الخارجية التركية، وترفع قوائمها إلى السلطات.

التزموا الصمت

تطلب الحركتان من الكوادر عدم الإفصاح عن الحصول على الإقامة أمام لاجئين فلسطينيين آخرين، تقول الحركتان وفقًا لما علم "عرب ٤٨"، إن سبب "طلب السرية" هو عدم تشكيل ضغط عليهما، ما يصعّب من مهمّتها في البحث عن الحاصلين على الإقامة هذه.

استثناءات وغرامات

اقترب "مازن ن." من الحصول على الإقامة مع أفراد عائلته، إلا أنه اصطدم بمجموع ضرائب وصل إلى 16 ألف ليرة تركية، بما في ذلك ضريبة دخول البلاد بطريقة غير شرعية، ورسوم إضافية، لم يعرف بها إلا حين كان يقوم بالإجراءات الأخيرة الخاصة بالإقامة في مركز الأمن في إسطنبول.

يعاني مازن، مثله مثل العشرات من الخارجين من مخيم اليرموك، من إصابات لا تزال تسبب له الآلام، منها كسر في الفخذ، وعدد من الشظايا بعضها في الجمجمة، وهو تقدم بطريقة مباشرة إلى دائرة الهجرة، نظرًا لحالته الصحية.

"تقدمت بطلب مباشر، بعد خمسة عشرة يومًا أتاني اتصال يفيد بالموافقة، لكنّني، لاحقًا، تفاجأت بالمبلغ المادي الكبير الذي دفعته لقاء الحصول على الإقامة، التي لم يكن أمامي طريق آخر غيرها للبقاء بشكل شرعي في تركيا، مع أطفالي وزوجتي".

90% لا يحصلون عليها

تؤكد المحامية ميسر حديد لـ"عرب ٤٨" أنّ الإقامة الإنسانية تُمنح لحماية اللاجئين الذين فقدوا القدرة على البقاء في بلادهم، وفق ما تنص المعاهدات الدولية، ومعاهدة جنيف 1951.

وتضيف ميسر إن الفلسطينيين القادمين من سورية تنطبق عليهم كافة شروط منح تلك الإقامة، لكن لا يحصل جميعهم عليها بسبب إجراءات تتعلق بامتلاك الأوراق الرسمية، والقدرة على شرح كافة الظروف الخاصة بطلب تلك الإقامة.

وتؤكّد حديد لـ"عرب ٤٨" أنّ أكثر من 90% من الفلسطينيين السوريين الحاصلين على الإقامة الإنسانية هم من المحسوبين على حركتي "فتح" و"حماس"، فيما يبقى من هم خارج "كوادر الحركتين" من دون أي قدرة تقريبًا على الحصول عليها.