إقـرث: حكــاية الوجـع الفلسطيني المستمر..

إقـرث: حكــاية الوجـع الفلسطيني المستمر..

ما كنتُ لأحلم أن أصل إلى مكانٍ بهذه الروعة، فيه كنيسة شامخة على جبلٍ شاهق، والوصول الى القرية يحتاجُ الى الحذر لكثرة المنعرجات والمرتفعات الخطيرة المؤدية الى المكان.

لكن الحلم تحول الى وجعٍ كبير، عندما رأيتُ بقايا البيوت وحجارتها لا تبارح المكان، ووحدهم أهلُ القرية تحولوا الى غرباء عن قريتهم، وحين يحنُ الاقرثيون الى ديارهم التي كانت، يقصدون المكان، يحلمون بالغدِ الآتي، ويبكون موتاهم الذين يأتون بهم متى حانَ الأجل.

في مدخل القرية لافتة كتبت بالعربية „هنا اقرث”، ولم يكن لقائي بعائلة حداد صدفة فقد تواعدتُ مع رب العائلة عبد الله ثامر وزوجته وداد وأحد ابنائه ريمون، واجتمعنا في غرفةٍ صغيرة خلف الكنيسة.

استهل الأب عبد الله (ابو ايلي) الحديث ليعرفني على قريته فقال: „اقرث قرية عربية سكنها المسيحيون، في العام 1947 سكنها حوالي 600 نفر، وبلغت مساحة أراضيها بما مجموعه 24،590 دونما. كنت في السابعة عشرة من عمري يوم دخل الجيش الاسرائيلي للقرية، ففي صبيحة يوم الأحد الـ 31 من اكتوبر 1948 اقتحم القرية دون أن يلقى أية مقاومة من السكان وبدون إطلاق أي طلقة، واختارَ منا اربعةٌ وعشرين شابًا لينفذوا فيهم حكم الاعدام، الا انّ خوري البلدة وقف لقائد الجيش وقال: إذا اردت تنفيذ حكم الاعدام فيهم فاقتلني اولاً، وما كان من القائد الا ان طلب منا „كل واخد بروخ ع بيتو” بسرعة. هذه كانت البداية.

وفي أوائل شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه طلب قائد الجيش من سكان القرية تجهيز أنفسهم للرحيل لقرية الرامة بشكلٍ مؤقت ولمدة اسبوعين، صدقت وأهلي والآخرون أن خروجنا من اقرث إلى الرامة حكمٌ مؤقت وسينتهي قريبًا، فحشرنا أنفسنا ثلاثُ عائلات في غرفةٍ واحدة، سكنتُ مع أهلي وشقيقتي المتزوجتين وعائلتيهما، مرّ الاسبوعان وتلاهما شهرٌ وسنة وعشرُ سنوات، ثم تزوجت في الرامة وعشتُ تسع سنوات لاجئًا وعاملاً في مدينة القدس، ثم انتقلتُ لاجئًا ومقيمًا في حيفا حتى يومنا هذا”.

وتابع حداد: „حكاية اقرث جراحٌ تنزف كل يوم... كانت ستندمل في العام 1951 حين قضت المحكمة العليا، بإعادة السكان الى البلدة، لكن الحكم نفذ في مثل هذا اليوم في الخامس والعشرين من عام 1951، ليلة الميلاد فتم تفجير القرية بواسطة الألغام والمدفعيات ثم قامت طائرات سلاح الجو بقصفها، فلم يبقَ منها سوى أكوام الردم وبعض معالم الكنيسة، التي تمّ ترميمها فيما بعد، لتقف شامخة بشموخ أهلها”.

بدا ابو ايلي حزينًا ومتألمًا فقررتُ تلطيف الأجواء بالحديث مع الزوجة وداد فبادرتها بسؤال:
كم كان عمرك عندما تركتِ اقرث؟
„كنتُ في الرابعة عشرة من عمري”.

طلبت منها أن تحدثني عن أيام زمان، فانشرحت أسارير ام ايلي وقالت: „كنت مبسوطة جدًا في طفولتي، عائلتي مكونة من اربع بنات وأربعة صبيان، اتخذت جدتي-والدة امي غرفة لها في بيتنا، ولطالما بتُ في حضنها ليالي طوالا، كنتُ في التاسعة من عمري، عندما أصبحتُ رفيقة جدتي وحيثما حلّت في زياراتها للقرى المجاورة - تارة لتبيعهم الكحل العربي، أو القبعات أو لترشدهم على الوصفات العربية الطبية ومنها „قطرة العيون”- كنتُ أرافقها فأمسكُ بيدها من اليمين وتمسك هي بعكازها من اليسار ونسيرُ معًا الى بيوتُ المسلمين في القرى الثلاث المجاورة (طربيخة، الصروخ ونبعيت)، ونعود بعد ساعاتٍ الى البيت ترافقنا غلة جدتي التي كسبتها من المشوار وهي إما „كبشة دخان عربي”، أو بعضُ الحبوب من العدس أو الفول أو البقوليات بمجملها، فلا نقود بسبب الفقر أيامها. ولم تكن مهمتي تقف عند هذا الحد، فلطالما قطفتُ لها الأزهار التي تصفها لي فأشارك في تشميسها وطحنها، لتقوم جدتي بصنع „الكحل وغيره من الوصفات الطبية”، وفي المساء نسهر جميعنا عند جدتي ومع حكاياها التي لا تُمل „.

وأضافت: „كنتُ أصلي برفقة الخالات والقريبات أيام الأحاد، ونتابع يومنا بزيارات الأقارب، وكثيرًا ما كنتُ أستغل رفقة البنات للتجمع في البيادر، فكنا نلعب „سبيركي” أو „الأكس” كما تسمونها اليوم، وفي هذه للعبة نعتمد على القفز برجلٍ واحدة، (تنظر اليّ بابتسامة) كنا نفرح كثيرًا... وعندما يهل الربيع نذهب الى منطقة هناك عند „البلاطات (حجارة كبيرة)” نجلس ونلعب العاب بنات „عرائس”، ونعود الى البيت متعبات، فتفرفش لنا أمي حصيرة في بيتنا العربي، (سقفه خشب وتراب) فترتب ثماني فرشات بجانب بعضها البعض، لي ولاخوتي لننام جميعنا في غرفة واحدة”.

سألتها: وهل تعلمتِ من جدتك سر المهنة؟
تضحك وتقول: „علمتني لف السيجار العربي، وبسبب هذا، اصبحت مدخنة، لمدة ستين عامًا، لكنني والحمد الله تركته قبل 6 سنوات”.
وتابعت: „وأحببتُ هذا الرجل (في إشارة إلى أبو ايلي)”.
كيفَ كان ذلك؟؟
„انه ابنُ خالتي، شاب حلو، أعجبني رغم اني كنتُ في العاشرة من عمري، وهو يكبرني بثلاثة أعوام”.
وكيف كنتما تلتقيان؟
„بسرية تامة، وتدخلت خالتي في الجمع بيننا”.
ومتى تزوجتما؟!
„بعد خروجنا من اقرث بنحو عشرة أعوام، ولقد حالت المشاكل العائلية دون تزويجنا مبكرًا، فتزوجت وأنا في الثالثة والعشرين من عمري”.

كيف تصفين علاقة الأهل ببناتهم في تلك الأيام؟
„كان من العيب جدًا أن أذهب الى العين وحدي، على رفيقتي او شقيقتي ملازمتي طوال الغياب، كما سمح لنا نحنُ البنات بالتعلم حتى صف الرابع، بينما تابع الذكور تعليمهم حتى الصف السابع الابتدائي، أما بخصوص اللباس، فقد منعنا من ارتداء الملابس ذات الأكمام القصيرة”.

قاطعها ابو ايلي فقال: „فرق كبير بين أيام زمان واليوم، الحياة تغيرت مئة درجة، اليوم تلبس الفتاة ما تراه مناسبًا وتدّعي أن هذه هي الموضة، وتفتخر بأن „الكل يلبس هكذا”، أما على أيامنا فكان اللباس موحدًا. ثم على أيامنا كان للأم „القرار الأخير” الذي يجب تنفيذه، أما اليوم فلا يحق للكبير التدخل بشؤون الصغير والعكس صحيح. كانت حياة زمان تقوم على البساطة والرضا، وكما يقول المثل „لقمة هنية بتكفي مية”، اعتدنا على أكل العدس والحمص والفول والقمح، فكانت الأم تصنع „الشلباطو أي السميد والبندورة”، فيجلس جميع أبناء العائلة الواحدة على الأرض وأمامهم طاولة صغيرة، يأكلون دون تذمر، عكس هذه الأيام، إذ لا يتفق اثنان على مائدة واحدة. كنا نكتفي باللحوم مرة في الاسبوع، أما اليوم فلا تكفي وليمة بحالها لترضي الأبناء”.

بكت ام ايلي بشجنٍ وهي تحن الى الماضي، فحاول زوجها المحب ان يواسيها فقال: „ما زلنا على عاداتنا منذ أن هُجرنا من بلدتنا، نأتي صبيحة كل سبت الى البلدة، نحضر أبناءنا ونعطيهم درسًا شفويًا في حب تراب اقرث، وفي كلِ مرةٍ أعود الى بيتي في حيفا، أنقل معي حجارة من اقرث، فأبكي وأتحسر أمامها على ما حلّ بنا. وهنا في اقرث أدخل الى بيت أهلي عابرة من فوق أكوام الحجارة وأتساءل: „أيُ محتلٍ سارق هذا الذي لم يترك حتى الحجارة في المكان”، أحدِثُ نفسي في كل مرة أكون فيها فأقول „هنا ولدتُ، هنا لعبتُ، هنا عشتُ طفولتي، وهنا سأدفن حيثُ دفن والدّي وأبناء عمي الذين رحلوا في عز الشباب، حسرةً عليهم أجمعين”. ثم صمت...


„اقرث ذكريات... وهوية لن تضيع أبدًا”

حدثني ريمون حداد (وهو موسيقي في الثلاثينات من عمره) عن سر اهتمامه باقرث فقال: „أنا شريك في لجنة اهالي اقرث وهي مجموعة شباب، ومهمتنا التوحُد جميعًا ورفع صوتنا والمطالبة بحقنا في العودة الى قريتنا”.

سألته: هل اعتراف السلطات باقرث في أوائل الخمسينات هو سبب تمسك أبنائها بها؟!
„بالتأكيد هذا الأمر ساعد، فمشكلة البرنامج الاسرائيلي انبثقت من هنا، حيث لم يستطع المحتل أن يُخرج جميع أبناء القرى الفلسطينية في آنٍ واحد، فتأخر في الدخول الى اقرث، دخلوها بعد الاحتلال، الأمر الذي أنجح قضية اهل القرية أمام المحكمة العليا. هذا القرار الذي لم تنفذه السلطات عزّز ارتباط الأبناء ببلدتهم، وجعلهم على موعدٍ اسبوعي مع القرية، فيلتقي معظم أبناءُ القريةِ الواحدة هنا عند الكنيسة”.

كيف تفسر ارتباط الجيل الجديد بأصله، رغم الحداثة؟!
„أنا لا أشعر بتناقض بين الحداثة وبين الحفاظ على الهوية، الأمر يتعلق أولاً وقبل كل شيء بتربية الأهل، فهم يزرعون حب الأرض ويربون الابناء على التمسك بالأرض واحدة من ثوابتهم”.

* وهل استطاع الأهل نقل ذكرياتهم وحياتهم أيام زمان الى الأبناء؟
„لم يبخل عليّ الأهل بالذكريات، صحيح انني لا أشعر كما يشعرون هنا، فلديهم شعورٌ هائل بالألم، لكنني أيضًا أحتفظ بطفولتي الخاصة وذكرياتي التي تربطني باقرث، من خلال زياراتي الدائمة، وما يبكي الآخرين من مشاهد حيّة يبكيني أيضًا”.

„أيفصلون أنفسهم عن اقرث؟!!”
„أحمد الله أنني لستُ منهم، لكنني أرى الأمر طبيعيًا، وأعرف اشخاصًا اقرثيين لم تطأ أقدامهم هذه الأرض، وبعضهم يزورها مرة خلال سنتين أو أبعد، لا ألوم أحدًا، فهذا هي الحياة ولكل شخصٍ اهتماماته الخاصة، فما بالنا والانسان لم يعد يرى الخط الفاصل بين الوطنية وبين الأمور الشخصية”.

سألته: يتخبط البعض، في مسألة تعريفنا لذاتنا، نحنُ الفلسطينيين الذين نعيش في مناطق ال 48! فكيف ترى الأمور انت?
„أنا عربي فلسطيني، وفلسطين هي فلسطين، لا تحتاج الى شرحٍ، أنا فلسطيني موجود تحت احتلال قد ينتهي بعد عامين او ستين عامًا، او مئة عام، لكنني أبقى فلسطينيًا الى الأبد”.

ماذا لو عرضت الدولة التعويض المادي مقابل اقرث؟
„سيبدو الأمر مضحكًا ثم مخجلاً، اقرث واحدة من 500 قرية فلسطينية هجر أهلها، والمجتمع الاقرثي جزء من المجتمع الفلسطيني الذي تقطعت اوصاله في البلاد وخارجها، وأنا غير معني بالحديث عن اقرث منفصلة عن غيرها من القرى، أحب ان اتحدث عن كل فلسطين. ومن جهة اخرى لا اعتقد أن هذه الدولة ستمنحنا الحقوق بمثل هذه السهولة التي ترسمينها، فالذي يتابع تسلسل الأحداث يدرك ان ما تقولينه قد يكون ضربًا من خيال. وأنا شخصيًا سمعت من يهود استأجروا أرض اقرث يقولون أن هذه أرضهم، ولديهم احفادٌ في العشرين من عمرهم يقولون هذه أرض أجدادنا، فكيفَ سيكون مصيرنا نحنُ بعد هذا؟!! لا أعتقد أن من تحدى العالم بأسره وزرع نفسه شوكًا في حلوقنا سيتنازل عن برنامجه بسهولة”.

ترسم صورة قاتمة.
„هي كذلك. قاتمة... البلد تحت الاحتلال، وأنا لا أقول هراء، نعم نأكل ونشرب لكن هذا ليس كل شيءٍ، وخلفي أرضٌ لا أستطيع أن أقيم فيها حجرًا فوق حجر”.

وكيف تنظر الى الجيل الجديد الذي لا يعرف روايته التاريخية؟!
„يؤلمني هذا المشهد، وأعرف تمامًا أن هذا ما تفعله السيكولوجية الاسرائيلية المخطط لها بدءًا من المدارس وانتقالاً الى الصحافة والتلفزيون، فكيف سيكون حال شبابنا إن لم يعمل الأهل على توعيتهم؟! ثم إن مشكلتي هي في الجيل الحالي والجيل القادم: أبنائي وأحفادي... ماذا أقول لهم؟! وماذا أقدم لهم؟! بلدة مهجرة؟! سأقدم لهم ذكريات؟! سنخرجُ كما خرج الآباء والاجداد لا نملك سوى الحلم؟!”

„حلم العودة”

أما سماهر (الحفيدة والمولودة في حيفا) فقالت: „صحيحُ أنني لم أهجّر، ولا حتى والداي، لكنني أشعر بحرماني من بلدتي عنوةً، ولقد تربيت على حب ترابها، وما كان البعد الجغرافي بقادرٍ على إبعادي عن قريتي، لقد عشتُ طفولتي هنا وباتت جزءًا لا يتجزأ من شخصيتي ومن تكويني. ولطالما تألمت لوجع الأهل والأجداد وهم يروون ذكرياتٍ لا تنسى عن ماضٍ قاسٍ عاشوه وعايشوه، فكنت انام وأصحو على وجعهم”.

سألتها عن سر ارتباط الجيل الجديد بهويته وانتمائه لأرض ابائه وأجداده فأجابت: „ربما لأننا ما زلنا على وعدٍ بالعودة، فقرار المحكمة الذي انصفنا كان كافيا لمنحنا الإيمان العميق بحلم العودة، لذا كان التمسك بثوابتنا بقريتنا وبهويتنا العربية الفلسطينية وبالجذور. ولا أخفي عليك أنني أحيانًا أصل، كغيري حتمًا، الى درجة اليأس وابتعاد الحلم، لكن يعيدنا ايماننا بحقنا بالوجود على ترابِ اقرث. الرابط الآخر الذي يجمعنا بقريتنا هو الأموات منا، فكلما رحل مِنا ابنٌ لهذه القرية جاءَ ميتًا ليدفن على ترابها... فكما هي الحياة توحدنا فإن الموت يجعلنا اقرب مسافة من تحقيق الحلم”.