د.مصطفى كبها في محاضرة عن النكبة في فرع التجمع في باقة الغربية - جت

د.مصطفى كبها في محاضرة عن النكبة في فرع التجمع في باقة الغربية - جت

نظم فرع التجمع الوطني الديمقراطي في باقة الغربية وجت، ندوة حول النكبة بعنوان "النّكبة: خلفيّتها، أبعادها، وانعكاساتها"، قدمها الباحث والمؤرّخ، د. مصطفى كبها، الذي تحدث عن تاريخ النكبة، شارحا عن حيوية الرواية الشفوية في كتابة التاريخ الفلسطيني الحديث كمصدر مكمل للوثائق والأرشيف وكمادة تسهم في بلورة الذاكرة الجماعية وصقل الهوية الوطنية وتبيان صفحات مضيئة وسط عتمة النكبة معظم أبطالها لا يزالون جنودا مجهولين حتى الآن.531 قرية فلسطينية هدمتها إسرائيل لتؤسس دولتها على أنقاضها، 750 ألف مواطن فلسطيني شردوا من بيوتهم وممتلكاتهم تحت نيران المنظمات الصهيونية المسلحة، وهم اليوم وذرياتهم لاجئون في الشتات وفي وطنهم ويقدر عددهم 6 مليون لاجئ. فقد كشف المؤرخون الإسرائيليون الجدد مؤخرا مزيدا من المجازر التي ارتكبت على أيدي المنظمات الصهيونية لإجبار الفلسطينيين على الرحيل عن ديارهم. اعترفت ألمانيا بالكارثة والمحرقة، وعلى إسرائيل أن تتحلى بقليل من الأخلاق وتعترف بالنكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني على أيديها، ولا يمكن لإسرائيل أن تتنصل من مسؤوليتها المباشرة عن النكبة. وتبقى قضية اللاجئين المعضلة الرئيسة أمام التوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

يقول الدكتور مصطفى كبها: "عملية التشريد والتهجير بدأت قبل العام 1948، فهناك أكثر من 28 قرية هجر أهلها قبل عام 1948. والرواية التاريخية المتكاملة للنكبة لم تكتب بعد لأسباب كثيرة، الخراب والدمار الشديد الذي أصاب الإرث الثقافي الفلسطيني، حواضر المدنية هدمت، والوثائق بقت بأيدي اليهود حتى يومنا هذا وتعتبر غنائم مخزونة في أرشيفات الدولة، بحيث ما تزال إسرائيل تتحفظ عليها. نتحدث عن وثائق حول المؤسسات، الجمعيات، الأحزاب، الصحف ومكاتب المحامين الفلسطينيين".

يضيف الدكتور كبها: "مقابل ذلك للشعب الفلسطيني لا يوجد أرشيف وطني، والذي يعتبر من الوسائل المهمة لبناء الذات لأي شعب، خاصة في مرحلة الاستقلال، بدونه يصعب على الشعب عرض طروحاته، مطالبه وماهية وجوده. كانت محاولة إقامة أرشيف في لبنان، لكن إسرائيل في العام 1982 وعندما احتلت بيروت قامت بمصادرته وأعادته فقط بعد أن انسحبت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وأعيد ثانية لكنه نقل إلى تونس ومن ثم إلى الجزائر، وأتت القوارض على أغلبه. في العام 1999 تقرر بناء الأرشيف في رام الله ونقل بالبواخر إلى ميناء أسدود، ومع اندلاع الانتفاضة في حينه إسرائيل احتجزته إلى يومنا هذا".

يوضح الدكتور مصطفى: "من الصعب مطالبة المجتمع الفلسطيني بأرشفة ماضيه، وهو ما زال يصنع التاريخ، في كل يوم يوجد تاريخ، حوادث، ثورات وترتكب بحقه مجازر، كافة هذه الظروف ساهمت في تغيب الرواية الفلسطينية التي تحولت إلى رواية شتات، لكن تبقى لدينا رواية فوقية واحدة. بخصوص قضية التاريخ الشفوي، وزارة الأمن الإسرائيلية ومعاهد الأبحاث التابعة لها، قامت بجمع روايات شفوية من كافة من لهم دور مؤثر في حرب 1948، مقابل ذلك لم يلجأ الفلسطينيون إلى تدوين وجمع الرواية الشفوية، إلا في مطلع الثمانينات، أي بعد 35 عاما على النكبة. السؤال الذي يطرح على المؤرخين اليهود؟، لماذا لم يسمح للاجئون الفلسطينيون بالعودة لديارهم؟، لماذا أغلقت الحدود ومداخل القرى والمدن الفلسطينية في وجه أهلها؟، طبيعي أن يكون كل إنسان مدني يبحث عن ملجأ وقت الحرب..".

وتطرق الدكتور كبها إلى المعارك وموازين القوى بالقول إن عدد جيوش الدول العربية بلغ نحو 28 ألف جندي، بينما جنود الهجانا بلغ نحو 67 ألف جندي، معظمهم من قوات مقاتلة ومدربة شاركوا قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية، فمنهم من كان يؤخذ مباشرة من البواخر التي أقلتهم من أوروبا مباشرة إلى ساحات القتال، بالمقابل فإن مجموع المقاتلين الفلسطينيين بلغ 6 آلاف مقاتل، أسلحتهم قديمة وبدائية، جميعهم تطوعوا وتبرعوا بمالهم من اجل شراء البنادق.

وتابع أن منطقة المثلث شهدت معارك ومواجهات ضارية مع المنظمات اليهودية في منطقة وادي عارة، كفرقرع، باقة الغربية، اللجون، والطيرة حيث تم صد القوات اليهودية. وقاد هذه القوات التي صدت اليهود القائد علي الفارس، ولولا ذلك لتم تهجير أهالي المثلث. كما أشار إلى أن المنظمات اليهودية قامت باستعمال الطيران الحربي والاستعانة بها في المعارك، لقصف وإبادة قرى كاملة مثل قصف ترشيحا، طيرة الكرمل اجزم وعين غزال، أي أن الطائرات كانت بمثابة الكفة الراجحة التي حسمت المعركة لصالح اليهود".

ويضيف: "معظم فلسطين احتلت قبل تتدخل الجيوش العربية، أي قبل تاريخ 15-5-1948، وفي حرب 48 القوات الفلسطينية احتلت العديد من المستوطنات اليهودية، منها مستوطنة "عطروت" و"ياد مردخاي" و"جوش عتصيون" والحي اليهودي القديم في القدس. فالجيوش العربية كافة لم تتقدم ولا حتى سنتمتر واحد إلى الحدود المخصصة للدولة اليهودية، وتصادمت مع القوات اليهودية، داخل حدود الأراضي المعدة للدولة الفلسطينية وفق قرار التقسيم. وأبرز تلك التحديات هي معركة جنين، حيث قام الجيش العراقي والقوات الفلسطينية بالتصدي للقوات اليهودية دحرها واستعادة جنين ومطاردة اليهود حتى اللجون، وكان باستطاعة الجيش العراقي الاستمرار في هذه المعارك".

يوضح د.كبها: "هناك 532 قرية فلسطينية تم تدميرها تشريد وتهجير أهلها، المؤرخون اليهود يحاولون التقليل من الأرقام، وأكبر منطقة مختلف عليها هي بئر السبع، حيث أن البعض لا يذكر بتاتا بأنه تم التهجير في المنطقة، لكن في لواء بئر السبع تم تدمير 82 قرية فلسطينية وتهجير سكانها، إضافة إلى بئر السبع نفسها التي كانت مدينة عامرة ومزدهرة ومركزا قضائيا. وتراوح التعداد السكاني للقرى التي هدمت ما بين 50 نسمة إلى 8000 نسمة لبعض القرى. إضافة إلى ذلك تم تدمير 11 مدينة وتشريد سكانها فهذه المدن هدمت كليا وتم إنهاء الوجود العربي بها، مثل بيسان، صفد، طبرية ومجدل عسقلان. وهناك مدن مثل حيفا ويافا تراجع الوجود العربي بها، فتعداد المدينة الواحدة من ناحية سكان عرب تجاوز الـ 100 ألف عربي، وبعد النكبة لم يبق سوى 4 آلاف في كل مدينة، بينما اللد، الرملة وعكا قبل النكبة لم يتواجد بها أي يهودي بها، وخلال الحرب شرد وهجر أهلها العرب وتم توطين اليهود. وللتوضيح فإن العربي الفلسطيني الذي بقي في يافا أو حيفا هو الإنسان الذي لم يكن بحوزته مبلغ من المال لشراء تذكرة للباخرة. والملاحظ أن معظم من عملوا في البيارات في منطقة يافا لم يتم تهجيرهم عن قصد، وذلك من اجل أن يتم إجبارهم على تشغيل محركات ضخ المياه لتستعملها القوات اليهودية".

ويشير د.كبها إلى أن المدن في فلسطين، وتحديدا يافا وحيفا، دخلتها الحداثة بسبب فرع الحمضيات أو خطوط السكة الحديد، الذي كان شريان التواصل ووحدة المجال ما بين فلسطين والعالم العربي، لبلورة وعي ومفاهيم الإنسان الفلسطيني. ويلفت إلى أن كافة هذه الأمور هدمت.

وقال: "شعب لا تتفعل به قضية التمدن هو شعب معاق، فقداننا لحاضرة المدينة، يعتبر من أهم أبعاد النكبة الفلسطينية، بحيث توقفت عملية التمدن والحداثة. أحلام الناس تتحطم، شعب يصقل نفسه ثم يجد نفسه حطاما، فهذه من أبرز تداعيات وانعكاسات النكبة علينا، لا نستطيع أن نعرف حجم النكبة، إلا بعد استرجاع ما حصل قبل النكبة، وعليه في عملنا يجب أن يكون عامل التوعية الشعبية ومن ثم التثقيف. نحن متأخرون في كتابة روايتنا التاريخية وبحاجة إلى توثيق وأبحاث جديدة تضاف إلى الأسس القائمة، فالرواية التاريخية بحاجة إلى مؤسسات داعمة، ميزانيات ومراكز أبحاث، لو تم توثيق الرواية التاريخية الفلسطينية لكان وضعنا أفضل بكثير مما هو نحن عليه اليوم".
...