من دفاتر النكبة (10): معركة قاقون وانعكاساتها../ د.مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (10): معركة قاقون وانعكاساتها../ د.مصطفى كبها

قاقون هي قرية من قرى قضاء طولكرم، تقع إلى الجهة الشمالية الغربية منها وذلك على بعد 8كم. يحدها من القرى الفلسطينية من الشرق قرى يمة وبير السكة، ومن الغرب كانت تحدها قرى زلفة الرمل، منشية عتيل ووادي الحوارث.

تقع القرية في وسط مرج أطلق عليه سكان المنطقة، في حينه، اسم "جزر قاقون". وكما يبدو، كانت التسمية وصفاً لوضع يشكل المرتفع الذي تقع عليه القرية جزيرة في بحر من الأرض المستوية الخضراء التي كانت مزروعة بالبساتين والخضار. وهذا المرج هو جزء من منطقة وادي القباني التي تمتد على طول المنطقة من وادي الحوارث وحتى طولكرم.

بلغت مساحة أراضي قاقون، في فترة الانتداب، حوالي 15 ألف دونم، معظمها أراض مفروزة ملكت منها عائلة أبو هنطش قرابة العشرة آلاف دونم. وقد زرعت هذه الأراضي بالغلال شتاءاً، وبالخضراوات (خاصة القثائيات ) صيفاً. كما وزرعت بعض المساحات بالبساتين من التفاح والزيتون والحمضيات، كان منها بيارة حمضيات لأحمد الشكعة من نابلس بلغت مساحتها 300 دونم، وبيارة أخرى لنافع العنبتاوي من طولكرم كانت مساحتها 140 دونماً، وبيارة ثالثة لمدحت أبو هنطش بلغت مساحتها 150 دونماً.

كانت أراضي قاقون غنية بالمياه والينابيع خاصة المنطقة الواقعة غربي القرية والمعروفة بالحفاير، حيث كانت تسقى هناك قطعان مواشي القرية وقد زرعت حول الينابيع حقول الخضراوات خاصة مقاثي البطيخ الذي اشتهر بكبر حجمه وضرب به المثل بكبر الحجم والحلاوة.

وصل عدد سكان القرية، عشية النكبة، إلى 2000 نسمة، وقد شكلت عائلة أبو هنطش نصف السكان تقريباً. في حين انتمى بقية السكان لعائلة المصاروة وشاهين والجمايلة (زيدان) الذين يعودون بأصلهم إلى قرية دير الغصون المجاورة.

قام السكان في بداية الثلاثينات من القرن الماضي (وبمساعدة من مديرية التربية في حكومة الانتداب ) ببناء مدرسة مكونة من ثلاث غرف وقاعة للمحاضرات. وقد تعلم فيها عام 1947 قرابة 160 طالباً، قام بتدريسهم ثلاثة معلمين هم حيدر سعيد من قرية عنبتا، وصفي حندقجي من طولكرم وعبد الغني عرفة من قاقون.

قاقون وثورة 1936 -1939: كانت قاقون بحكم موقعها (على السكة الحديدية التي كانت تربط الخضيرة وطولكرم)، وبحكم ثرواتها وخيراتها، أحد المقرات المهمة لقادة الفصائل في المنطقة خاصة عبد الله الأسعد من عتيل ، خالد الحامد من عتيل، وعبد الرحمن زيدان من دير الغصون. وقد انتظم من أبنائها في الثورة 18 ثائراً استشهد ثلاثة منهم (عثمان يوسف زيدان، فؤاد صالح زيدان وإبراهيم النايفة ). أما الباقون من الثوار فكانوا: نمر الحافي، راجح الحاج حسين، محمد سعيد شحادة، راغب الناصر، داود عبد ربه، علي الأعرج، أنيس عبد الحسن، نمر الحامد، محمد الأحمد السلمان، عبد الرؤوف محمد زيدان، محمد أبو حميد زيدان، عبد الفتاح محمد زيدان، عبد الرازق عثمان زيدان، محمد جابر العبد وكامل مصلح.

النكبة والتهجير عام 1948: كانت قاقون نقطة أمامية على خطوط القتال بين القوات اليهودية والقوات العربية المتعاقبة التي حاولت الدفاع عن منطقة طولكرم. بداية كان أولئك سكان محليون ثم قوات غير نظامية من المتطوعين العرب. وبعد ذلك كان جيش الإنقاذ الذي بعث بسريتين للدفاع عن القرية. وفي العشرين من أيار وصلت وحدة من الجيش العراقي إلى قاقون، وتولت الدفاع عنها إلى أن جرت المعركة الفاصلة في الخامس من حزيران 1948.

معركة قاقون، تفاصيلها وانعكاساتها: كانت قاقون نقطة مهمة من نقاط الارتكاز للقوات العربية في منطقة المثلث قبالة المواقع الإسرائيلية، وقد امتدت هذه الجبهة من رأس العين في الجنوب، وحتى مقيبلة وصندلة في الشمال. كانت قاقون مقامة على تل مشرف يسيطر على منطقتي وادي الحوارث ووادي القباني بكاملهما وعلى المستوطنات اليهودية التي جاورتها مثل "همعبيل" و"عين هحوريش" اللتين كانت بينهما وبين قاقون مناطق حرام فصلتها عن المناطق تحت السيطرة العربية.

بسبب هذا الموقع الاستراتيجي المهم قررت القيادة الإسرائيلية احتلال قاقون وبكل ثمن ملقية المهمة على عاتق قوات لواء "ألكسندروني" وقد تقرر أن يكون الهجوم في الليلة الفاصلة بين الرابع والخامس من حزيران 1948.

بلغ عدد القوات العربية المدافعة عن قاقون قرابة مائتي مقاتل من قوات المتطوعين العرب، وسرية مدرعات عراقية قدر عدد رجالها بمائة وخمسين مقاتلاً. كانت هذه القوات مركزة في مبنيين: الأول في الجهة الشمالية الشرقية في منطقة بيارات الحمضيات، وقد كانت مقر قيادة للقوات العراقية، والثاني في الجهة الغربية من القرية حيث كانت المدرسة. كما وأقام رجال المدرعات مرابض مدفعية في ثلاث جهات: الجنوبية والشمالية والغربية، وقد تم ربط هذه المرابض بقناة بعمق مترين تمركز فيها معظم مقاتلي القرية والمتطوعين. ترك المدافعون الجهة الشرقية غير محصنة بشكل يجعل الحركة نحو طولكرم حرة لتلقي النجدات والمؤن أو لنقل الجرحى. مع معرفة القوات المهاجمة للتحصينات في القرية وقع الاختيار على الجهة الشرقية لتكون المحور الأساسي للهجوم وذلك لكونها مفتوحة ولمباغتة المدافعين الذين لم يتوقعوا هجوماً من هذه الجهة.

تم تركيز قرابة 1500 جندي مهاجم مسلحين بالمدرعات والمدافع الثقيلة والرشاشة في محيط القرية ومن ثم تم تطويقها والتحضير لقصفها قبل اقتحامها. في الساعة الحادية عشرة ليلاً اكتشف المدافعون من الجهة الجنوبية التحضيرات للهجوم، وقاموا بالاشتباك مع وحدات الاستكشاف اليهودية الأولى التي جاءت من جهة الجنوب الغربي بقصد التضليل كي يتسنى للقوات الأساسية المهاجمة الالتفاف ومهاجمة القرية من الشرق. بدأ القصف المدفعي المركز تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل واستمر ثلاث ساعات كاملة. وقد تخلله قصف معاكس من قبل المدفعية العراقية الموجود في القرية ومرابض بعيدة أكثر تواجدت في محيط قرية شويكة.

بدأت محاولات الاقتحام مع فجر يوم الخامس من حزيران وقد تم صد الهجوم من جهتي الشرق والجنوب في حين حقق المهاجمون بعض الانجازات من جهة الشمال الشرقي حيث قاموا باحتلال مبنى المطحنة ومبنى القيادة العراقية وقام المدافعون بإيقاف تقدم القوات المهاجمة حيث تحصنوا قي قناة ربطت مبنى القيادة في الشمال مع مركز القرية حيث مبنيي القلعة والخان الأثريين.

في الساعة السادسة والنصف صباحاً قام المدافعون بهجوم معاكس بقصد السيطرة على المباني التي فقدوها في الليل. نجح الهجوم المعاكس بإيقاع خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة وصدها نحو500 متر إلى الوراء بحيث كان للنيران المساندة من محيط شويكة وطولكرم الأثر الكبير بإيقاع الإصابات في صفوف القوات المهاجمة لتواجدها في أماكن مكشوفة.

في الساعة الثانية عشرة ظهراً قامت القوات العراقية بقصف القوات المهاجمة وكيبوتس "همعبيل" الشيء الذي مكن المدافعين من التقاط الأنفاس ونقل الجرحى إلى مستشفى طولكرم. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً حيث قامت القوات اليهودية بهجوم معاكس وقد زجوا في الهجوم بأربع فرق جديدة ساندتها أربع طائرات قامت بقصف أماكن تركيز المقاومين وإعطاب باصات النجدة القادمة من محيط طولكرم والتي كانت محملة بعشرات " الفزاعة " من القرى المجاورة. استمر الهجوم المركز حتى السابعة مساءاً، وقد تخللته اشتباكات بالسلاح الأبيض إلى أن نجحت القوات اليهودية بإقصاء آخر المدافعين عن القرية واحتلالها.

احتلت القوات اليهودية قاقون بعد معركة دامية استمرت 17 ساعة ذهب ضحيتها عشرات من أهالي القرية والمتطوعين العرب و23 جندياً عراقياً نظامياً، في حين كانت الخسائر اليهودية 26 قتيلاً وعشرات الجرحى.