إحياء "ذكرى" النكبة والدولة اليهودية../ حنين زعبي

إحياء "ذكرى" النكبة والدولة اليهودية../ حنين زعبي

من عادة الطقوس أن تغرق في رمزيتها وتفقد صلتها مع الواقع، أو بالأحرى تؤسس قيمتها الواقعية على عدم حاجتها للاعتراف بالواقع العيني المعاش حول الطقس.

الطقوس أو المراسيم المتعلقة بـ”إحياء الذكرى” لا تخرج عن هذه القاعدة، فكثيرا ما يحمل الحدث الذي تدور حوله “الذكرى” معاني مناقضة تماما للواقع المعاش.

إحياء ذكرى النكبة، ليس من ضمن تلك الطقوس التي فقدت معناها، أو صلتها بالواقع، بل إنها تحديدا جزء من مقاومتنا للواقع، وأكثر من ذلك إنها جزء من فهمنا له.

بالتالي، تعد “واقعية” النكبة، بمعنى صلتها بالواقع، أكبر بكثير من “واقعية” طروحات سياسية حالية، مهيمنة على الساحة الإسرائيلية، وتستمد “واقعيتها” ليس من ذاكرتنا التاريخية، وإطلاقا ليس من العدل النسبي الواقعي الذي نطالب به، وحتما ليس من كونها جزءا مؤسسا من وجداننا وجاهزيتنا النضالية، بل فقط بسبب هيمنتها السياسية.

إحياء ذكرى النكبة، يتعدى معنى الذكرى والتذكر، إن حصر معنى إحياء “ذكرى” النكبة، على أننا لا ننسى الحدث الذي أسس لسلبنا وطننا، وعلى أننا لا ننسى الغبن التاريخي الذي لحق بنا كشعب، هو عمليا تحويلها إلى رومانسيات شعب. القيمة الحقيقية لإحياء ذكرى النكبة، هي قيمة سياسية، وهي تعني ليس فقط أننا لا ننسى، بل هي تعني بالأساس أننا لم ولن نقبل بجميع النتائج السياسية التي تم تأسيسها على نكبتنا، وعلى رأسها “الدولة اليهودية”.

بالتالي لا تعني عملية إحياء ذكرى النكبة خارج رفض مشروع “الدولة اليهودية” سوى رومانسيات وعملية “تذكر”، تبدو في نقيض كامل مع المعنى السياسي الذي يريده شعبنا لحدث “إحياء ذكرى النكبة”.

إذا، أكثر طرح سياسي مهيمن، وبلغة البعض “واقعي”، على الساحة الإسرائيلية، والذي هو طرح “دولتان لشعبين”، هو أكثر الطروحات السياسية نقيضا لعملية إحياء ذكرى النكبة، إذا أردناها أكثر من رومانسيات. وبما أن الواقعية هي ليست الممكن ماديا، بل هي الممكن المقبول أخلاقيا، فإن طرح “دولتان لشعبين” هو الطرح الأكثر لا واقعية، إلى جانب كونه الطرح الأكثر لا أخلاقية.

إلى جانب عدم واقعيته الأخلاقية، هو طرح خطير، وتزداد خطورة هذا الطرح أكثر عندما تبدأ أوساط سياسية وحاكمة في إسرائيل بتبنيه، وتتضح خطورة هذا الطرح عندما تبدأ مطالبة الفلسطينيين من قبل نتانياهو وغيره، بالاعتراف بيهودية الدولة.

حتى عندما لم يوافق الأخير، حتى الآن، على طرح “دولتان لشعبين”، إلا أنه سرعان ما عرف كيف يستثمر هذا الطرح سياسيا، ويربح منه التنازل الفلسطيني الذي رأه نتانياهو تحصيلا حاصلا لكل من يؤمن وينادي بطرح الدولتين لشعبين.

من يقول نعم لـ”دولتان لشعبين” سيصعب على نفسه وعلى شعبه قول لا للدولة اليهودية، ومن يحيي ذكرى “النكبة” بشكلها اللائق السياسي هو عمليا يقول لا للدولة اليهودية، إلا إذا حولنا السياسة لرومانسيات. والحركات الوطنية والنضال والكفاح السياسي يحتاج للرومانسيات لكنه لا يستطيع الاعتماد والتعويل عليها.

لقد أحيى شعبنا ذكرى النكبة منذ أكثر من عشر سنين، بشكل عنيد، وصادق ووطني، رغم كل الصعاب ومحاولات الابتزاز السياسي، والسياسات العنصرية التي تزداد شراسة يوما بعد يوم، وإعادة النظر في طرح “دولتان لشعبين” هو جزء من الاحترام السياسي لهذه الجماهير، لذاكرتها الأخلاقية ولنضالها السياسي الحاضر.