النكبة ورابع المستحيلات../ د. جمال زحالقة

النكبة ورابع المستحيلات../ د. جمال زحالقة

ليس للأحداث التاريخية معنى، فقط البشر الأحياء هم الذين يمنحونها المعنى يشحنونها به، أفراداً وجماعات. الأحداث صماء والبشر يستنطقونها، ويحولونها إلى رواية، إلى وعي وإلى ذاكرة.

قد يقول البعض إن الحقيقة نسبية وأن لكل رأيه وروايته، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن هناك فارقا جوهريا بين رواية الجلاد ورواية الضحية. في حين يحاول الجلاد المستحيل من اجل التغطية على جريمته والبحث عن مبررات لها، وهذه بالطبع مصلحته المباشرة، فإن الضحية في المقابل لديها مصلحة مباشرة في الكشف عن الحقيقة وفضح معالم الجريمة لأن الحق معها ولأنها تعرضت للاعتداء. مصلحة المجرم في الكذب ومصلحة الضحية في الكشف عن الحقيقة.

لا تكفي مراكمة المعلومات لفهم الذي حدث عام 48 في فلسطين، ولا حتى هيكلة المعلومات في منظومات معرفة لمجريات الأمور والذوات الفاعلة في التاريخ. في الحالة الفلسطينية تحديداً هناك حاجة لوعي تاريخي وحتى لتحليل منطقي للوصول إلى لب القضية. في كل نقاش يلجأ معظم المثقفين الإسرائيليين إلى اتهام خصومهم بتسطيح الأحكام وإلى الادعاء بأن الأمور معقدة ومركبة أكثر. نحن بطبيعة الحال لا ننكر أن الأمور مركبة وحتى معقدة، ولكن التركيب والتعقيد لا ينفي الأحكام العامة, فالفأر مثلاً هو كائن مركب جداً، ولكنه ومهما بلغ من التركيب والتعقيد يبقى فأراً وليس جبلاً مثلاً.

الصهيونية هي حركة مركبة ومن أكثر الحركات تعقيداً بكل ما يتعلق بمنبتها وأسباب ظهورها على مسرح التاريخ، وهي مركبة وليست بسيطة في فكرها وتياراتها الأيديولوجية والسياسية، وفي القيم التي تبنتها فعلاًَ وأخرى تدعي أنها تبنتها. كل هذا لا ينفي كونها حركة كولونيالية حتى لو لبست ثوب القومية وسوقت نفسها كمن تجلب الخلاص لليهود من عذاباتهم وملاحقتهم. ما حدث عام 48 كان أمرا في غاية التركيب، ولكن هذا لا يمنع الاقرار بان ما حدث في السطر الأخير هو عملية تطهير عرقي هي الأكبر في تاريخ فلسطين القديم والحديث.

يقود التحليل المنطقي لما حدث في فلسطين في القرن الماضي إلى سؤال تتهرب منه الصهيونية، بمفكريها وسياسييها، لأنه ينسف شرعية مشروعها، هذا السؤال هو: هل كان بالإمكان إقامة دولة يهودية في فلسطين بدون ارتكاب الجرائم بحق أهل البلاد الأصليين؟ ولما كان المشروع الصهيوني هو إقامة دولة يهودية في بلاد تقطنها أغلبية فلسطينية، فإن تحقيق هذا المشروع لم يكن ممكنا، إلا بالترانسفير أو بالابرتهايد. إما بتهجير أهل البلاد الأصليين، حتى يصبح اليهود أغلبية وتقوم الدولة اليهودية، أو بفرض نظام تفرقة عنصرية يمكن إقامة دولة يهودية حتى لو كان اليهود فيها أقلية. من غير ذلك كان من المستحيل إقامة الدولة العبرية في فلسطين، وفي الواقع أن إسرائيل قامت بكليهما: تهجير وتفرقة عنصرية.

لولا المشروع الصهيوني، بما حمله من استيطان واقتلاع وتشريد، لكان مصير فلسطين مثل بقية اقطار المنطقة، فترة استعمار تقليدي (بريطانيا في هذا السياق) تنتهي باستقلال ودولة بمشاكلها وآمالها. لكن شعب فلسطين تعرض لعملية تطهير عرقي عام 48، وقد وقع ضحية المحاولة المحمومة لإقامة دولة يهودية في بلاده التي شكل فيها تاريخياً أغلبية مطلقة. لم يكن الشعب الفلسطيني ضحية تهجير وتفرقة عنصرية فحسب، بل قامت الصهيونية بتجزئته وفصله عن بعضه البعض.

وإذا كان نظام الابرتهايد قد فصل السود عن البيض، فإن الصهيونية قامت بفصل الشعب الفلسطيني إلى أجزاء وحرمته من التواصل الجغرافي والحياتي، وهو يعيش اليوم كنتيجة مباشرة للنكبة وما تلاها في مناطق مفصولة تقريبا بالكامل عن بعضها البعض: اللاجئون في الدول العربية، الضفة الغربية المجزأة داخلياً، القدس، قطاع غزة، فلسطينيو 48. كل جزء محاصر بجدران فصل فعلية ومجازية.

إن نكسة عام 67 وهزيمة الجيوش العربية هي استمرار مباشر لحرب 1948، فيها أتمت إسرائيل احتلال فلسطين بالكامل واستكملت بناء نظامها الذي اسس عام 48. بعد اتفاقيات أوسلو المشؤومة وإقامة السلطة الفلسطينية وبعد فك الارتباط عن قطاع غزة، لم يتغير جوهر النظام الإسرائيلي بل اعيدت هيكلته من خلال أنظمة جديدة أبقت على واقع التحكم الاسرائيلي بالشعب الفلسطيني باسره وادارة شؤون اليهود الإسرائيليين.

هناك من يدعو الى تشبيه هذا النظام بالابرتهايد في جنوب افريقيا، ولكن الواقع هو ان النظام الإسرائيلي هو نظام مركب من جملة من الأنظمة هي مجتمعه هو نفسه، ولا يمكن إلا خداعاً فصل النظام المركزي في إسرائيل والذي يسمى “دولة يهودية وديمقراطية” عن مجمل النظام المكون من مجموعة أنظمة سيطرة وتحكم مختلفة، فغزة مثلاً هي سجن والنظام فيها هو نظام السجن والسجان، والضفة حالة ابرتهايد في أحسن الأحوال، والقدس لها نظام مبني على التهويد والتحكم بإقامة الفلسطينيين فيها من خلال الهويات القابلة للسحب، أما الجولان فله نظامه الخاص، والفلسطينيون في إسرائيل في حالة محاصرة وجود وتمييز عنصري واللاجئون محرومون من العودة بقرار اسرائيلي، واليهود لهم النظام المركزي الذي يطلق عليه “دولة يهودية” وشؤونهم تدار باجراءات ديمقراطية طورت وفق المقاييس والمعايير الصهيونية. في الحقيقة هذه هي إسرائيل بالفعل، وهذا هو النظام الاسرائيلي الذي يواجهه الشعب الفلسطيني.

للنظام الإسرائيلي اسم ولسنا بحاجة لاستعارة تسميات من بقاع أخرى في العالم ومن حقبات أخرى في التاريخ. هذا النظام هو من إنتاج الصهيونية، وهو نظام الصهيونية كما كان النظام في جنوب أفريقيا هو نظام الابرتهايد. وكما كانت المشكلة في جنوب أفريقيا هي الابرتهايد فإن المشكلة في فلسطين هي الصهيونية.

بعد واحد وستين عاماً على النكبة، الشعب الفلسطيني ما زال يناضل من أجل الحرية والاستقلال والعودة والسلام العادل. لا سلام بلا عدالة، ومن المستحيل على المدى البعيد التوصل إلى سلام عادل ما دامت الهيمنة الصهيونية قائمة. بلا صهيونية يمكن التوصل الى سلام والى مساواة وإلى حرية للجميع. معها هذا من رابع المستحيلات.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019