من دفاتر النكبة (19): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة../ د.مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (19): جيش الإنقاذ بين الواقع والأسطورة../ د.مصطفى كبها

"جيش الإنقاذ" هو اسم أطلق على وحدات المتطوعين من البلاد العربية الذين قررت اللجنة العسكرية للجامعة العربية أن تبعثها إلى فلسطين على إثر اتخاذ الهيئة العامة لقرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947. وقد أطلق على هذه الوحدات في البداية " جيش التحرير " ومن ثم غير الاسم إلى "جيش الإنقاذ".

قيل وكتب الكثير عن هذا الجيش، ويجرى في هذه الأقوال والكتابات خلط كثير بين الدور الذي لعبه وبين الجيوش العربية الأخرى التي دخلت فلسطين أثناء حرب ونكبة عام 1948.

عندما تقرر تأسيس هذا الجيش جرت في دهاليز الجامعة العربية ومؤسساتها مشاورات ومشادات حول قادة هذا الجيش وعدده وعدته. وكي نكون منصفين للحقيقة نقول إنه من الظلم بمكان أن نطلق صفة "جيش" على بضعة آلاف من المتطوعين ( 3830 متطوعاً مسجلاً في وثائق الجامعة العربية ) لم يحسن اختيارهم وتهيئتهم للمهام الجسام التي بعثوا من أجلها.

وقد كان الحماس الشديد، في بداية الأمر، هو أهم ما ميز هذه الوحدات، ولكن هذا الحماس سرعان ما خفت مع اصطدام أحلام هؤلاء المتطوعين بأرضية الواقع المرير الذي واجههم فور عبورهم نهر الأردن غرباً نحو فلسطين. فمن صعوبات لوجستية هائلة (نقصان كبير في الذخيرة والتموين ) إلى تعليمات ضبابية وفضفاضة وظروف قتال لم يحضر لها المتطوعون البتة. قادت كل هذه الصعوبات إلى هبوط حاد في المعنويات وإلى عصبية في السلوك والتصرف بحيث كان أول المعانين من ذلك المواطنون الفلسطينيون الذين فرض عليهم، بإمكانياتهم الضئيلة والشحيحة، سد ما نقص على هذا الجيش من مؤن ومعدات لوجستية أخرى ( هناك شهادات عديدة جمعناها من قرى كثيرة أقام فيها جيش الإنقاذ تحدثت عن إجبار السكان على تحضير الطعام وتزويد المتطوعين بفراش النوم وغير ذلك من المهام التي أثقلت كاهل الأهلين).

بالنسبة لقادة الجيش فقد تقرر بعد أخذ ورد تعيين فوزي القاوقجي ( من مواليد طرابلس –لبنان ) قائداً أعلى لوحدات جيش الإنقاذ، وذلك نظراً لسجله العسكري الحافل، حيث كان ضابطاً ممتازاً وحاصلاً على العديد من الأوسمة في الجيش العثماني، شارك في الثورات السورية في الأعوام 1920 و 1925، شارك في الثورة الفلسطينية 1936 -1939 وفي ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، ونظراً لميوله القومية العروبية الوحدوية، والأهم من ذلك كله قربه الشديد من الملك عبد الله (الأول ) بن الحسين ملك الأردن في حينه.

عارض الحاج أمين الحسيني (الزعيم الفلسطيني الأبرز آنذاك) هذا التعيين بشدة وذلك لرواسب العلاقات الماضية التي كانت له مع القاوقجي (فشل الأخير في قيادة وحدات المتطوعين العرب في ثورة 1936 -1939 في فلسطين وكذلك الخلافات التي كانت بينهما أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941). حاول المفتي، عبثاً، إقناع أعضاء اللجنة العسكرية للجامعة العربية بأن يتولى القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني قيادة المتطوعين على أن تتمحور المساعدات العربية بالذخيرة والعتاد، ولكن مطالبه هذه وقعت على آذان صماء، عندها أعلن المفتي عن إنشاء وحدات فلسطينية مستقلة بقيادة عبد القادر الحسيني وقدامى قادة فصائل ثورة 1936 -1939 وقد أطلق على هذه الوحدات اسم "جيش الجهاد المقدس".

تكون جيش الإنقاذ من ثمانية أفواج سميت بأسماء من الفترة الإسلامية الأولى أو بأسماء مواقع جغرافية فلسطينية ذات دلالة تاريخية أو أسماء دلت على البلاد التي قدم منها المتطوعون وقد كانت كالتالي:

1. فوج اليرموك الأول وتكون من ثلاث سرايا وقد بلغ عدد جنودها 500 متطوع.
2. فوج اليرموك الثاني وتكون هو الآخر من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفرادها 430 مقاتلاً.
3. فوج اليرموك الثالث وتكون من سريتين وبلغ عدد مقاتليها 250.
4. فوج حطين وقد تكون من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفرادها 500 مقاتل.
5. فوج الحسين (الفوج العراقي وتكون من ثلاث سرايا وبلغ عدد أفراده 500.
6. فوج جبل الدروز وتكون من ثلاث سرايا بلغ عدد أفرادها 500.
7. فوج القادسية وتكون من ثلاث سرايا بلغ عدد أفرادها 450.

هذا إضافة لأربع سرايا منفصلة لم تكن تابعة لأحد من الأفواج أعلاه والتي بلغ عدد أفرادها 450 مقاتلاً على وجه التقريب.

أقام فوزي القاوقجي مقر قيادته في قرية جبع (قضاء جنين) وذلك كما فعل في قدومه الأول إلى فلسطين أثناء ثورة 1936 -1939.

دخلت الأفواج المختلفة الأراضي الفلسطينية الواحد تلو الآخر وذلك بعد فترة تحضير وتدريب قصيرة في مواقع تدريب أقيمت خصيصاً لهذا الغرض كان أشهرها وأهمها موقع قطنة في سورية.

كان فوج اليرموك الثاني بقيادة أديب الشيشكلي ( رئيس سورية فيم بعد في الفترة الواقعة بين 1949 -1955 ) أول الأفواج الداخلة، وقد دخل من الحدود اللبنانية في التاسع من كانون الأول 1947 واستقر في بداية الأمر في منطقة عكا، وبعدها بدأ بتوزيع مناطق سيطرته لتشمل جميع مناطق الجليل الغربي ومنطقتي صفد والناصرة.

بعد ذلك جاء فوج اليرموك الأول بقيادة محمد صفا (سوري ) ودخل فلسطين من الأراضي الأردنية في الثاني والعشرين من كانون الثاني 1948 وتمركز في منطقتي بيسان وجنين.

في الفاتح من شباط 1948 دخل فوج القادسية بقيادة مهدي صالح العاني (عراقي ) الذي كان في البداية فوجاً احتياطياً تمركز بالقرب من القيادة العامة في جبع، وبعدها بعث ليتمركز في المنطقة الواقعة بين رام الله وباب الواد.

في الأول من آذار 1948 دخل الأراضي الفلسطينية فوجان من جيش الإنقاذ: الأول كان فوج حطين بقيادة مدلول عباس (عراقي) وتمركز في قضاء طولكرم، أما الثاني فكان فوج الحسين بقيادة عادل نجم الدين (عراقي) وكان مركزه داخل مدينة يافا. في الخامس عشر من أيار تم تعيين الضابط الفلسطيني ميشيل العيسى قائداً لهذا الفوج بدلاً من عادل نجم الدين. وقد استمر العيسى في منصبه هذا حتى سقوط مدينة يافا في الثاني عشر من أيار 1948.

وضعت باقي أفواج جيش الإنقاذ في موقع الاحتياط وتمت الاستعانة ببعضها، بشكل محدود للغاية، حتى دخول الجيوش العربية النظامية فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948.

من ناحية الأداء في الميدان، عانى هذا الجيش من مستوى معنوي منخفض، وذلك بعد الاحتكاكات الأولى التي جرت مع القوات اليهودية الشيء الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الفرار من الخدمة لدى أفراده. بالإضافة لذلك، كانت هناك صعوبات جمة في كل ما يتعلق بالانضباط، وهذا بطبيعة الحال أمر ناتج عن اختلاف المشارب وقلة التدريب وسوء التهيئة. فالمتأمل لوثائق هذا الجيش (التي سقط جزء منها غنائم في أيدي القوات اليهودية بعد معركتي مشمار هعيمق والزرّاعة ) يرى بشكل واضح قلة النظام والعفوية التي ميزت أساليب عمل وحدات هذا الجيش. فقد كتب أحد جنود فوج اليرموك الأول في يومياته قائلاً: " في يوم الجمعة الموافق الأول من كانون الثاني 1948 تطوعت في فوج اليرموك الأول ضمن سرية الدير (دير الزور، م. ك) وذلك للاشتراك بالدفاع عن الأراضي المقدسة وعن الوطن العربي العزيز. خرجنا من دير الزور إلى حماة ومن هناك إلى قطنة وفيها مكثنا ثلاثة أيام حتى أخذنا الأوامر بالتوجه إلى فلسطين. خرجنا من قطنة في تاريخ 1948. 1. 7، كان اليوم يوم خميس. من قطنة اتجهنا لعمان ومن هناك باتجاه المناطق الفلسطينية. عندما اجتزنا الحدود الأردنية رافقتنا وحدة من الجيش الأردني حتى عبورنا النهر. في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل كانت لنا استراحة قصيرة قدم لنا فيها التمر. خلال أكلنا للتمر فوجئنا بتعليمات جديدة تطالبنا بالاستعداد للمسير. أحد زملائنا واسمه حران بقي نائماً حيث كنا، أما زيدان "شيخ الشباب " فقد نسي بندقيته لأنه كان مشغولاً أكثر بتناول التمر".

إن المتأمل لوصف هذا الجندي ولأمور أخرى ذكرها ويضيق المكان عن ذكرها هنا، يؤكد الصورة التي حاولنا رسمها لأداء جيش الإنقاذ أعلاه، تلك الصورة التي تجعل من عملية نجاح هذا الجيش بالمهمات التي أنيطت به أمراً أقرب للمستحيل. مع ذلك دخل هذا الجيش فلسطين وحاول قادته تنفيذ ما أوكلوا به. وعن مدى نجاحهم في ذلك سنتحدث في الحلقة القادمة بمشيئة الله.