من دفاتر النكبة (30 ): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (4)../ د.مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (30 ): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (4)../ د.مصطفى كبها

الجيش الأردني ومعارك القدس: على الرغم من كل الادعاءات حول تواطؤ الضباط البريطانيين ومحاولتهم عرقلة المجهود الحربي للجيش الأردني في فلسطين، فقد حاول بعض الضباط الأردنيين، وعلى رأسهم الكولونيل عبد الله التل، بذل كل ما في وسعهم من جهود لعدم تخييب الآمال التي بنيت عليهم خاصة في قطاع القدس التي حاول اليهود فرض سيطرتهم عليها وعلى مداخلها بكل ثمن.

احتلال مستوطني عطروت (قلندية) ونفي يعقوب: وقعت هاتان المستوطنتان شمالي مدينة القدس وقد شكلتا حاجزاً فاصلاً بين مدينة القدس وعمقها الريفي من جهة الشمال، هذا مع العلم بأنهما تعرضا لحصار شبه تام منذ بداية المصادمات فشهر كانون الأول 1947. وقد تسبب هذا الحصار بنضوب الكثير من موارد المستوطنتين الشيء الذي قوّض، إلى حد كبير، من قدرتهما على الصمود.

ألقيت مسؤولية احتلال المستوطنتين على عاتق الكتيبة الأردنية الخامسة التي تمركزت في محيط مدينة رام الله، وقد حدد يوم السابع عشر من أيار 1948 موعداً للهجوم. كان اليهود المرابطون في المستوطنتين قد علموا كما يبدو ( على الأرجح من ضباط انجليز عملوا مع الجيش الأردني ) بالنوايا الأردنية، وعندما أيقنوا بأنه لن يكون بمقدورهم الصمود أمام الهجوم المرتقب قاموا بإخلاء المستوطنين مع كامل العدة والعتاد، ودخلتهما القوات الأردنية بلا قتال.

في كتابه " كارثة فلسطين " يصف عبد الله التل وقائع احتلال المستوطنتين وعملية سلب الممتلكات ونقلها إلى عمان قائلاً: " وحينما وصلت طلائع الكتيبة الخامسة إلى هاتين المستعمرتين في يوم الاثنين 1948. 5. 17 وجدوا أن اليهود قد انسحبوا بأسلحتهم وذخائرهم وكما حصل في مشروعي روتنبرغ والبوتاس فقد حصل في قلندية والنبي يعقوب إذ أوعزت حكومة عمان إلى قائد المنطقة أن يباشر نقل أثاث المستعمرتين إلى بيوت الوزراء والمقربين إلى القصر. وتمت العملية بنجاح كبير حتى أن الطحين والأبقار نقلت بسيارات الجيش إلى عمان".

لم تقتصر اتهامات عبد الله التل على عملية نقل الغنائم إلى عمان وتوزيعها على أصحاب النفوذ، ولكنه اتهم أيضا الضابط البريطاني لاش الذي تعمد تأخير ساعة الصفر المحددة للهجوم بيومين بغرض تمكين المقاتلين اليهود مغادرتها مع سلاحهم. وكما يبدو فإن لهذا الاتهام ما يبرره، وذلك لأنه لم تكن هناك أسباب وجيهة تدعو إلى تأجيل الهجوم مدة 48 ساعة في حين كانت كل دقيقة مهمة لدى الجانب اليهودي الذي سعى لتقوية نقاط ضعفه في هذه المنطقة ليتسنى له تنظيم عملية الصراع العسكري على القدس والمحافظة على طرق الإمدادات للحياء اليهودية فيها.

معارك الشيخ جراح: كان حي الشيخ جراح (وهو حي عربي يقع شمالي القدس ) قد سقط في أيدي القوات اليهودية قبل وصول الجيوش العربية النظامية بأيام قليلة، وقد ألقيت على عاتق الكتيبة الأردنية الخامسة مسؤولية استرجاعه بعد نجاحها باحتلال عطروت والنبي يعقوب.

قامت بالهجوم سريتا مدرعات خفيفة بقيادة الضابطين سليمان مسعود وحمدان صبيح. بدأ الهجوم مساء يوم السابع عشر من أيار من خلال قصف مركز بالمدفعية الثقيلة استهدف القوات اليهودية المتحصنة في حي الشيخ جراح. استمر القصف المدفعي الثقيل طيلة ليلة 17 -18 أيار وفي فجر يوم الثلاثاء الموافق الثامن عشر من الشهر ذاته تقدمت المدرعات تحت ساتر القصف المدفعي واسترجعت جميع بيوت الحي مع إشراقة شمس اليوم ذاته. انسحب اليهود نحو الغرب تاركين هناك بعض القتلى والكثير من الدمار الذي أحدثه القصف المتبادل لبيوت الحي.

نتيجة احتلال حي الشيح جراح، أحدثت القوات الأردنية المتقدمة من الشمال على الجنوب تواصلاً مع قوات المقاتلين الفلسطينيين التابعين لوحدات جيش الجهاد المقدس الذين رابطوا في منطقتي وادي الجوز وباب الساهرة.

أما المصادر اليهودية فتتحدث عن انسحاب تكتيكي قامت به القوات اليهودية التي رابطت في الشيخ جراح. ولكن المتمعن بنتائج المعارك الدامية التي دارت في يومي السابع عشر والثامن عشر من أيار لن يكون بوسعه فهم هذا " الانسحاب التكتيكي " الذي أبقى على مناطق مستشفى هداسا ( القديم ) والجامعة العبرية مناطق معزولة عن باقي الأحياء اليهودية بل انه فتح الطريق أمام الجيش الأردني لإحكام السيطرة على الطرق المؤدية للمدينة القديمة بشكل مهد لمحاصرة واحتلال الحي اليهودي في البلدة القديمة، وتكثيف الضغط على الأحياء اليهودية في القدس الغربية والطريق الممتد حتى بيت لحم والخليل وعن ذلك سنتحدث في الحلقة القادمة.