من دفاتر النكبة (31): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (5)../ د.مصطفى كبها

من دفاتر النكبة (31): الجيوش العربية النظامية ودورها في حرب فلسطين (5)../ د.مصطفى كبها

كان أحد أهم أسباب الإخفاق العربي في حرب 1948 هو عدم التنسيق بل التنافر والتنافس وحتى التصادم في بعض القطاعات. ولكن الأمر لم يخل في بعض الأحيان من التنسيق حتى ولو كان ذلك على نطاق محلي ضيق ورغماً عن القيادات العليا للجيوش. ولعل معركة "رمات راحيل" التي دارت رحاها في منطقة جنوبي غرب القدس بين قوات مصرية وأردنية مشتركة هي من المعارك النادرة التي جرى فيها مثل هذا التنسيق.

وقعت "رمات راحيل" على تل عال مشرف على قرية صور باهر العربية، ويتحكم بشكل شبه تام بطريق القدس – بيت لحم. كانت بيوت هذه المستوطنة ضخمة ومحصنة تحصيناً منيعاً تحيطها ثلاثة خطوط دفاع بنيت بشكل بيضوي يجعل النفاد منها نحو بيوت المستوطنة أمراً بالغ الصعوبة فيه الكثير من المجازفة.

عند تقدم الجيش الأردني لاحتلال المنطقة المحيطة بالحزام الجنوبي - الغربي لمدينة القدس وبالمقابل تحرك وحدات المتطوعين المصريين بقيادة الضابط أحمد عبد العزيز، والمرابطة في منطقة بيت لحم، بالاتجاه المعاكس نتج أن تكون هذه المستوطنة حاجزاً مانعاً يمنع تواصل القوات العربية مع بعضها البعض.

قرر القائد أحمد عبد العزيز احتلال هذه المستوطنة المنيعة بكل ثمن، وقد خابر في ذلك الجانب الأردني وعلى الأخص القائد عبد الله التل الذي لم يتوان ولم يتردد عن الاستجابة لهذا الطلب واعداً الطرف المصري بمواكبة تقدم قوات المشاة المصرية بقصف مدفعي مركز وبإرسال وحدات إمداد ومؤازرة من قوات المشاة ووحدات المدرعات الخفيفة التي كانت تحت قيادته.

بدأ الهجوم على "رامات راحيل" صباح يوم الاثنين الموافق الرابع والعشرين من أيار 1948 وقد شاركت فيه من الجيش الأردني القوات التالية: من السرية الثانية عشرة اشترك خمسون جندياً ومدرعتان خفيفتان مجهزتان بقاذفات للهاون والمدافع الرشاشة. ومن سرايا المتطوعين اشترك قرابة 120 متطوعاً من سرية أسامة بن زيد بن حارثة، وسرية أبو عبيدة عامر بن الجراح، وقد كانت هذه القوات تحت القيادة الميدانية للضابط محمد قسيم. وقد انضمت هذه القوات إلى قوات المتطوعين المصرية البالغ عددها في هذا القطاع قرابة 250 مقاتلاً والمسلحين بالبنادق الخفيفة ومدافع المورتر والمدافع الرشاشة.

تقدمت قوات المشاة نحو الموقع بعد أن قامت المدفعية الأردنية بالتمهيد للتقدم من خلال قصف مركز لـ"رمات راحيل" وللأحياء اليهودية في القدس الغربية رغبة بإشغال تلك الأحياء ومنعها من محاولة التدخل في المعركة لتخفيف الضغط عن القوات اليهودية المتواجدة داخل المستوطنة.

بعد ذلك القصف المركز استطاعت قوات المشاة العربية من دخول بيوت القرية المحصنة، وذلك بعد أن تعرضت تلك البيوت والمواقع الدفاعية المحصنة التي أحاطت بها إلى دمار هائل بعد القصف المدفعي المركز من جانب المدفعية المصرية والمدفعية الأردنية وأعمال فرق الألغام المتقدمة التي استطاعت تحت غطاء القصف المدفعي زرع الألغام في الدشم الحصينة وتفجيرها.

مع قدوم ظهر يوم الاثنين كان القتال قد انحصر بين القوات العربية المهاجمة والقوات اليهودية في منزل حصين مكون من طابقين طبقت فيه القوات المدافعة نظرية "حبة الجوز غير القابلة للكسر " واضعين كل ما يملكون من قوة في سبيل منع كسر حبة الجوز تلك. ولعل الأمر الذي ساعد "حبة الجوز" تلك على الصمود هو انشغال الكثير، من قوات المتطوعين العرب ومن جاء وراءهم من قوات "الفزعة" وبعض المدنيين، بجمع الغنائم من بيوت كيبوتس "رمات راحيل" بشكل جعل الفوضى تدب في صفوف المهاجمين ومنعتهم من إكمال عملية الاحتلال التام للمستوطنة.

يصف عبد الله التل تلك الفوضى بأسى شديد قائلاً: "وقع ما اعتاد العرب القيام به في كل مرة يكون فيها النصر حليفهم. فما أن شعر العرب في تلك المنطقة بانتصار الجيش واحتلال المستعمرة حتى أخذوا يفدون إلى منطقة القتال بالمئات وهمهم كسب الغنائم. وقد نجحوا في مهمتهم هذه ونقلوا جميع ما كان في المستعمرة من أثاث وأبقار وأرزاق ويا ليتهم فعلوا ذلك دون نشر العدوى إلى القوات المقاتلة. فحينما شاهد الجنود الأردنيون والمناضلون أن إخوانهم من غير المحاربين يغنمون وينقلون الأموال الكثيرة أصيبوا بحمى الطمع والحسد، ومن هنا نشأت خطورة السماح للمدنيين بالاقتراب من ميادين القتال.

وقد ثبت أنه لم يكن من السهل منعهم، في ذلك القطاع من الميدان، بسبب قربهم من المستعمرة وتحمسهم لمشاهدة القتال. وفي دقائق معدودة تحول الهجوم من الهدف الذي رسمه القائد، وشرع الجنود الأردنيون والمناضلون يجمعون الغنائم أسوة بغير المحاربين. وحاول القائد أن يمنع تحول المحاربين عن أهدافهم الرئيسية وهي احتلال المستعمرة وتطهيرها ثم تثبيت المراكز قبل أن يقوم العدو بهجومه المعاكس. ولكن جهوده ذهبت أدراج الرياح لأن المحاربين بدأوا يعودون مثقلين بالغنائم وهدفهم تأمين إيصالها إلى المؤخرة، فصار منظر الميدان محزناً ومخزياً ولم يذق مرارته سوى القائد احمد عبد العزيز والرئيس قسيم محمد والملازم قاسم الناصر من ضباط الجيش العربي ".

ليس من الصعوبة على المرء أن يقدر نهاية هذا السيناريو المحزن الذي يصفه عبد التل في أقواله أعلاه، فانشغال أعداد كبيرة من المهاجمين بأعمال جمع الغنائم ومحاولة إيصالها إلى القرى العربية المجاورة وعلى الأخص قرية صور باهر، مكّن المدافعين من أن يتنفسوا الصعداء وأن يصمدوا حتى قدوم طلائع الإمدادات اليهودية التي وصلت بعد حلول الظلام وتسللت نحو البيت الذي تحصن فيه المدافعون بل استطاعت بعملية التفاف ليلي على استعادة العديد من بيوت ومواقع المستوطنة بل أوشكت عند بزوغ فجر اليوم التالي على محاصرة القائد أحمد عبد العزيز ومن تبقى معه من ضباط وجنود. وكانت الطامة الكبرى حين أمر الضابط البريطاني الأعلى (في الجيش الأردني) في المنطقة الجنرال لاش المقدم حكمت مهيار، قائد السرية الثانية عشرة، بسحب الجنود الأردنيين المشاركين في المنطقة وإعادتهم الفورية إلى مواقعهم الأولى التي تمركزوا فيها قبل نشوب المعركة.

ولعل ما ورد في الرواية اليهودية عن المعركة ما يصف النهاية البائسة، من الناحية العربية، لهذه المعركة، حيث جاء هناك: "في محيط "رمات راحيل" جنوبي القدس دارت رحى قتال مرير حيث انتقل الكيبوتس من يد إلى يد، ونجح المصريون بالتمركز في شقه الشرقي.

قام الزعماء المدنيون اليهود في القدس دوف يوسف وزلمان أران وجرشون دوبكين بالتوجه بشكل يائس إلى إسحاق رابين (قائد الكتيبة الخامسة للبلماح في حينه، م. ك ) طالبين منه أن يتدخل. قام رابين بإعلام دافيد شآلتيئيل باستعداد كتيبة هارئيل التابعة للبالماح للمشاركة في المعركة الدائرة في "رمات راحيل". في فجر يوم الخامس والعشرين من أيار قامت قوات تابعة لكتيبة هارئيل بمحاولة احتلال مبنى حاضنة الأولاد الواقع في القسم الشرقي من الكيبوتس والذي كان تحت سيطرة القوات المصرية، وقامت وحدة مدرعة تابعة لهذه الكتيبة بمؤازرة الهجوم الذي فشل بسبب تحصن القوات المصرية في الموقع.... في فجر يوم السادس والعشرين من أيار تعرض المصريون لقصف مركز من مدافع من طراز "ديفيدكا " بشكل أجبرهم على الانسحاب من مواقعهم وإخلاء رمات راحيل".

لم تفز هذه المعركة بتغطية جديرة ممن كتبوا عن تاريخ المعارك في قطاع القدس - بيت لحم في عام 1948، خاصة وأنها كانت من المرات النادرة التي جرى فيها تنسيق مسبق بين القوات المصرية والأردنية. صحيح أن المحصلة النهائية للمعركة كانت بائسة ولكنه كان من الجدير تغطية تفاصيل هذه المعركة وتحليل نتائجها بشكل أن يفسر جانباً الإخفاق العربي في الحرب حتى في المواقع التي توفرت فيها مكونات النجاح كما كان الوضع في بداية المعركة في "رمات راحيل".