أين نقف في الذكرى الستين للنكبة؟../ هاني المصري

أين نقف في الذكرى الستين للنكبة؟../ هاني المصري

تكتسب الاحتفالات بذكرى النكبة هذا العام مغزى خاصاً، بسبب انها الذكرى الستون التي ارادت اسرائيل ان تجعلها مناسبة مميزة جداً كما تدل البرامج المعدة والشخصيات المشاركة والتي كان من ضمنها 12 رئيس دولة من اقوى الدول في العالم على رأسهم الرئيس الاميركي بوش والرئيس الفرنسي والمستشارة الالمانية.

ورغم ضخامة الاحتفالات وما اظهرته من ان اسرائيل في ذروة قوتها، واقوى مما يعتقد خصومها كما قال شمعون بيريس الرئيس الاسرائيلي، الا ان القوة الاسرائيلية الضخمة لا تستطيع ان تخفي الحقائق التالية:

اولاً: ان اسرائيل رغم مرور ستين عاماً على تأسيسها، ورغم مرور 110 أعوام على انطلاق المشروع الصهيوني لم يكتمل مشروعها، المشروع الصهيوني. لقد حقق انجازات ضخمة، ولكنه توقف امام منعطف. لقد تواصل التقدم بعده، وقد يبدأ الاندحار.

فالحركة الصهيونية قامت على مقولة "شعب بلا أرض، لارض بلا شعب" الا ان هذه المقولة سقطت رغم كل الانتصارات والحروب والمجازر التي ارتكبتها اسرائيل منذ تأسيسها، والتي نفذتها العصابات الصهيونية منذ انطلاق الحركة الصهيونية.
فكما كشف الجهاز المركزي للاحصاء فإن العرب تضاعفوا سبع مرات ونصف منذ النكبة، فقد كان عدد الفلسطينيين الذين اقاموا في فلسطين التاريخية عام 1948، 1.4مليون، واصبح عددهم العام الحالي 10.5 مليون نسمة.

والاهم ان عدد الفلسطينيين الذين لا يزالون يعيشون في فلسطين وصل في نهاية العام الماضي خمسة ملايين نسمة في مقابل نحو 5،5 مليون يهودي، وتوقع جهاز الاحصاء ان يتساوى عدد الجانبين على أرض فلسطين بحلول عام .2016 وهذا هو الفشل الاسرائيلي الاكبر. والذي يمكن ان يؤسس لهزيمة كبرى لاسرائيل.

ولعل هذه الحقيقة دفعت الحركة الصهيونية واسرائيل الى تغيير مخططاتهما من اقامة اسرائيل على أرض الميعاد التي تشمل في الحد الادنى ارض فلسطين التاريخية من النهر الى البحر، وتصل في الحد الاقصى من النيل الى الفرات، كما هو منصوص في الشعار المرفوع على الكنيست الاسرائيلي: ارضك يا اسرائيل من النيل الى الفرات.

لقد دفعت هذه الحقيقة اسرائيل، ولو تكتيكياً، الى التراجع والقبول بوجود الشعب الفلسطيني في اتفاق اوسلو 1993، ثم القبول بحقه باقامة دولة فلسطينية منذ عام 2002، وتحديداً بعد طرح رؤية بوش، والصراع بات منذ تلك الفترة وحتى الآن على مساحة وحدود وسيادة وعاصمة الدولة، وكيف يمكن ان تبقى محمية اسرائيلية.

ولكي تقوم على جثة قضية اللاجئين (اساس وجوهر القضية الفلسطينية). فاسرائيل تخشى من معدل النمو الطبيعي الفلسطيني، خصوصاً اذا استمر عدم قدرتها على تهجير الفلسطينيين وجذب اليهود الى اسرائيل، لانها قد تجد نفسها، اذا لم يكن هناك حل سياسي، ولو بعد فترة طويلة أمام ضرورة السيطرة الدائمة على كل فلسطين، الامر الذي يسقط اسرائيل بوصفها دولة يهودية، فالفلسطينيون سيصبحون في هذه الحالة أغلبية وستؤول السيطرة اليهم في نهاية المطاف.

ثانياً: رغم ان اسرائيل قوية جداً ومتقدمة اقتصادياً وعلمياً، ومدعومة من الولايات المتحدة الاميركية اقوى دولة في العالم، ومن كافة الدول الكبرى تقريباً، الا انها لا تزال تعاني من قلق وجودي يظهر في ان 25% من الاسرائيليين يفكرون بشكل او بآخر بالهجرة. كما ان 720 الف اسرائيلي مقيمون فعلاً بالخارج، اي واحد من كل ثمانية اسرائيليين، منهم 450 ألفاً في الولايات المتحدة الاميركية، ما حدا بوزارة الهجرة والاستيعاب لوضع برنامج حوافز مادية لهم للعودة، رصد له حتى الآن 19 مليون شيكل وفقاً لصحيفة الجيروزالم بوست الاسرائيلية.

وسبب القلق الوجودي الاسرائيلي، ان المقاومة، خصوصاً الفلسطينية لم تتوقف منذ بدء الغزوة الصهيونية وحتى الآن، صحيح انها تهدأ حيناً وتثور حينا آخر. تأخذ شكل الحرب العسكرية حيناً، وشكل الحرب الشعبية او الانتفاضة الشعبية حيناً آخر، وتكون عربية فلسطينية حيناً، وفلسطينية حيناً آخر، ولكنها مقاومة مستمرة. واذا استطاعت اسرائيل ان تربح بشكل أو آخر كافة الحروب الكلاسيكية (1948، 1967، 1973) الا ان القوة العسكرية الاسرائيلية تقف عاجزة وحائرة امام القوة الشعبية، لقد "انتصرت" اسرائيل في حرب 1982 ولكنها خسرت معركة الكرامة، ولم تربح حرب سلامة الجليل، ودفعت ثمناً باهظا على يد المقاومة الفلسطينية - اللبنانية، وتحول لبنان من قاعدة للثورة الفلسطينية حتى عام 1982، الى قاعدة للمقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله، واستطاعت المقاومة اللبنانية ان تدمر الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، وان تلحق الهزيمة باسرائيل عام 2006 الحرب التي اسقطت نظرية الردع الاسرائيلية، وستجعل اسرائيل تفكر ملياً قبل شن أي حرب جديدة. فلا يمكن فهم كامل اسباب التردد الاسرائيلي بتنفيذ عملية عسكرية واسعة وحاسمة ضد غزة، بدون ادراك الخشية الاسرائيلية من الثمن الذي يمكن ان تدفعه من إحتلال القطاع او اجزاء واسعة منه، وبدون التعرف على الخوف من شبح الهزيمة الذي يرافق اسرائيل وقيادتها السياسية والعسكرية منذ 2006 وحتى الآن.

وما يزيد من القلق الاسرائيلي، ان الهزائم التي الحقتها اسرائيل بالدول القطرية، وبالمشروع القومي العربي، والاندحار الذي شهده اليسار العربي، ومعاهدات السلام التي عقدتها مع مصر والاردن، واعلان المبادئ مع الفلسطينيين في اوسلو، ورغم ان النظام العربي في أسوأ احواله لم يسلم العرب بوجود اسرائيل، ولم يطبعوا العلاقات معها. فقد ظل التطبيع محدوداً جدا، والعداء لاسرائيل استمر على حاله ان لم نقل قد تزايد. وبدلا من الاتجاهات الوطنية والقومية واليسارية، صعدت الحركات السياسية الاسلامية التي تزيد عداء لاسرائيل واصراراً على دحرها.

وهذا يدل على ان عدم تلبية المصالح والحقوق والاهداف الفلسطينية والعربية، سيظهر الادوات المدافعة عن هذه المصالح والحقوق والاهداف، بحيث تذهب قوة وتأتي قوة أخرى تحمل نفس الراية ولو بمسميات جديدة، الى ان تنتصر الارادة الفلسطينية والعربية على الارادة الاسرائيلية. ما سبق لا يجب ان يجعلنا نستكين الى مقولات زائفة تتحدث منذ الآن عن ان علامات الموت تعلو وجه اسرائيل، وانها سائرة الى زوال بسرعة شديدة، وان النصر صبر ساعة، وخصوصاً ان اسرائيل هي التي تروج اساساً لهذه المقولات. فقد اعتمدت اسرائيل منذ تأسيسها على ثلاث مقولات للحصول على عطف ودعم شعوب وبلدان العالم، خصوصاً في البلدان الكبرى والمؤثرة على التطور الدولي.

المقولة الاولى هي المحرقة التي ارتكبت ضد اليهود خصوصاً في الحرب العالمية الثانية فقد وظفتها اسرائيل ولا تزال بشكل ناجح جداً.

المقولة الثانية ان اسرائيل تواجه خطراً وجودياً لأن العرب يريدون ازالتها، بينما الحقيقة انها كانت ولا تزال متفوقة عسكرياً على العرب مجتمعين. فهي تهزم العرب وهم يكتفون بالحديث عن ازالتها او عن انها ستزول.

المقولة الثالثة ان اسرائيل واحة الديمقراطية والتقدم في منطقة الشرق الاوسط المتخلفة وسط الصحراء العربية القاحلة، لذا على العالم الحر أن يدعم اسرائيل للحفاظ على حضارته وقيمه ومصالحه. فاسرائيل كنز استراتيجي للولايات المتحدة الاميركية والغرب كما قال اسحق شامير للتوضيح ان اسرائيل تخدم الغرب أكثر مما يخدمها.

ان اسرائيل لن تستطيع ان تحافظ على وجودها في المنطقة اذا استمرت كيانا استعماريا استيطانيا عنصريا يقوم بخدمة مصالح واستراتيجيات الدول الكبرى في العالم، بما يجعله جسما غريبا في منطقة رغم كل عوامل خلافها وانقسامها تبقى على درجة من الانسجام والترابط في ظل العوامل والمصالح والثقافة المشتركة.

فاسرائيل قد تربح مائة حرب، ولكنها لن تبقى اذا خسرت حربا حقيقية واحدة كما قال دافيد بن غوريون مؤسس اسرائيل.
ولكن هذا لا يعني ان اسرائيل على و شك الزوال، بل قد تعيش ستين عاماً اخرى كما قال بوش الاسرائيلي اكثر من الاسرائيليين او ضعفهم، اذا لم يقف الفلسطينيون والعرب امام تجربتهم ودراسة اسباب ضعفهم وانقسامهم وتخلفهم التي ادت الى هزائمهم، واخذوا بالعبر والدروس وتمسكوا بأسباب النصر.

أول طريق الانتصار بأن يراجع العرب موقفهم ويتراجعوا عن اعتبار المفاوضات وعملية السلام، حتى وهي عملية بدون سلام، الخيار الاستراتيجي الوحيد. ان هذا الموقف هو الذي جعل اسرائيل وإدارة بوش يستخفان بهم. فالخيار الواحد هو الخسارة الأكيدة!
"الأيام"

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية