نزلة عيسى: الجدار هنا يغلق تفاصيل الحياة

نزلة عيسى: الجدار هنا يغلق تفاصيل الحياة


"زوجتي وأبنائي على بعد أمتار مني ولكني لا أستطيع رؤيتهم"، يتمتم و دموعه تغلبه، شارحا الأثر الذي تركه الجدار العازل في حياته.

الفلسطيني عبد الحكيم عبد الخالق (39 عاما) ابن قرية نزلة عيسى الواقعة على الخط الأخضر، يقول أن زوجته وابنائه الأربعة الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، فروا من القرية بعد بناء الجدار فيها إلى داخل الدولة العبرية، وبالتحديد قرية باقة الغربية المجاورة، بعد أن تعطلت حياتهم بسببه.

وكانت قريتا نزلة عيسى وباقة الغربية (بلدة عربية داخل إسرائيل) قبل الجدار توأمان متلاصقان، فبيوتهما المفترشة سهلا اخضر، فقيرة ومتراصة، تطل من بينها أشجار نخيل وزيتون ومآذن، فيما تضج الناحيتان بأصوات الديكة والدجاج، وتربط بعض العائلات فيهما صلات قرابة ومصاهرة.

نصل نزلة عيسى التي تتبع محافظة طولكرم، فتداهمنا رائحة هي مزيج من تراب وزرع وطوابين واغنام، تختصر تفاصيل الحياة اليومية لابناء القرية الذين يقارب عددهم 2500 نسمة.

نسلك طرق ترابية مغبرة، يطل عليها من علو الجدار الذي يبدأ بأسلاك شائكة، ثم يتحول الى كتل إسمنتية ضخمة عندما يدنو من البيوت، ليعود الى طبيعته الأولى فور ابتعاده عنها.

كما نلمح صفين من المتاجر معظمها مغلق، واجهاتها مساحة فارغة، يستغلها الشبان في كتابة الشعارات الوطنية ورسم الإعلام الفلسطينية، فيما الشارع الفاصل بينهما خال إلا من صبية يقودون دراجات هوائية قديمة، بثياب رثة، ووجوه أكسبتها أشعة الشمس احمرارا وسمرة.

الجدار الذي شرعت قوات الاحتلال ببنائه في نزلة عيسى أواسط العام الماضي، يسير تقريبا بمحاذاة الخط الأخضر، ولكنه ينعطف عميقا في شمال القرية عازلا عنها 500 دونم من أرضها البالغ مساحتها 2400 دونما، علاوة على مصادرته الأراضي المقام عليها.

ويبلغ طول الجدار العازل نحو 730 كلم، ولا يلتزم بمسار الخط الأخضر وإنما ينحرف في الكثير من المناطق ليضم مستوطنات يهودية وأراضي فلسطينية، ويصل ارتفاعه في بعض المواقع الى ثمانية أمتار تعلوه أسلاك شائكة وبه أبراج مراقبة في مواقع عديدة وكذلك أجهزة إنذار مبكر إلكترونية.


على شرفة مقابلة للجدار، نلتقي عبد الحكيم الذي يشير الى بناية عالية في باقة الغربية، تبعد قرابة المائتي متر، موضحا أن زوجته وابنائه يقيمون في بيت أقربائهم الذي يقع خلفها تماما، مستذكرا أيام كانوا يقطعون المسافة لزيارتهم، في خمس دقائق، مشيا على الأقدام.

ويشرح بصوت متهدج بينما عيناه تتجهان الى ما وراء الجدار، أن زوجته اصطحبت أبناءه الى باقة الغربية لاكمال دراستهم في المدارس الإسرائيلية، خاصة وان أحدهم يتقدم حاليا لامتحانات الثانوية العامة هناك "البجروت".

ويقول عبد الحكيم الذي يبدو وكأن ظلال الجدار القاتمة تنعكس على وجهه، انه اقترن بزوجته قبل 19 عاما واستقرا في قريته، ولم يخطر ببالهما حينها أن شيئا قد يفرق بينهما.

و الآن يرى زوجته وابنائه مرة كل أسبوع فقط، إذ إن عليهم إذا ما أرادوا زيارته قطع مسافة تزيد عن الثلاثين كيلومترا للوصول الى قرية برطعة الشرقية بمحافظة جنين، ثم الانتظار على البوابة التي أقامتها قوات الاحتلال في الجدار هناك لاكثر من ساعة، وبعدها التوجه الى نزلة عيسى، وهو الأمر الذي قد يستغرق اكثر من ثلاث ساعات، وهو أيضا ما لا يستطيع عبد الحكيم فعله كونه من سكان الضفة الغربية ولا يحمل تصريحا لدخول إسرائيل.

ويتفقد غرفة نوم أبنائه، بأسرتها الصغيرة الأربعة، موضحا انه يتذكرهم بحزن كلما نظر إليها، كما يمر بخطى متثاقلة محني الرأس بجوار غرفة كان صغاره يلهون بها ويدرسون، هذه الغرفة التي هدأ صخبها الآن، يؤثثها آلة موسيقية "اورغ" ومكتبه متواضعة تناثرت على رفوفها بعض الكتب والأوراق.

على بعد أمتار من منزل عبد الحكيم، يجلس الفلسطيني نافز عزات (35 عاما)، أمام متجر يملكه لبيع اللحوم، ناظرا الى الكتل الإسمنتية، التي أغلقت ما كان سابقا ساحة رئيسية في سوق تجاري.

لا ذبائح معلقة للعرض في هذا المتجر الكبير، كعادة اللحامين، كما أن نافز اضطر لبيع ثلاث ثلاجات كبيرة كان يملكها لتخزين اللحوم واكتفى بواحدة صغيرة، ما اثر أيضا على قطط المنطقة التي بدت هزيلة.

يقول نافز ذو الجسد الطويل والنحيف، أنه كان يبدأ صباحه بالنظر الى وجوه الزبائن، أما الآن فإن كل ما يراه طوال النهار هو اللون الرمادي للجدار، ويتابع أن معظم زبائنه كانوا من القرى والبلدات المجاورة في إسرائيل، لرخص ثمن اللحوم وغيرها من البضائع في الضفة الغربية عن مثيلاتها داخل الخط الأخضر.

ويقدر بحسرة أن دخله انخفض من خمسة آلاف شيكل الى اقل من ألف شيكل شهريا، ويقول أن أبناء قريته والقرى الفلسطينية المجاورة نادرا ما يشترون اللحوم نظرا للفقر الذي يعيشونه.

وفي المجلس المحلي لنزلة عيسى، ينتظر الفلسطيني صبري يونس (47 عاما) بثيابه المهلهلة وطاقية المغبرة ، أخذ حصته من مساعدات باتت الأمم المتحدة تقدمها لسكان القرية مؤخرا.

" هذه المساعدات (شوال رز وكيس طحين وثلاث كيلوات من الزيت وكلوي سكر لكل أسرة شهريا) غير كافية لي ولابنائي العشرة" يقول لنا صبري بلهجة قروية حادة.

صبري الذي يشتغل حاليا عامل نظافة في مشروع وفرته وزارة العمل الفلسطينية لمن يعانون من البطالة في القرية، بأجر يبلغ 25 شيكلا فقط يوميا، كان يعمل في قطاع الزراعة بإسرائيل ويتقاضى ما يقارب المائتي شيكل يوميا.

ويقول بينما يمشي ببطء وتمايل، أنه اعتاد التسلل الى إسرائيل للعمل بعد أن منعت سلطات الاحتلال دخول العمال الفلسطينيين الى داخل الخط الأخضر، ولكن الكتل الإسمنتية سدت أمامه الآن كل المنافذ.

ويوضح انه وعائلته يتناولون البسيط من الطعام حاليا، كما أن أولاده لم يشتروا أي ملابس جديدة منذ اكثر من سنة، ولا يعرف كيف سيكمل تعليم ابنته التي تدرس حاليا في إحدى جامعات الضفة الغربية، ويبدو متيقنا انه لن يستطيع توفير المال لابنته الأصغر لاكمال دراستها الجامعية بعد انتهائها من الثانوية العامة التي ستتقدم لها العام القادم، أن استمر الوضع كما هو.

ولا يبدي اهتماما كبيرا بقراري الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، بعدم شرعية الجدار وضرورة هدمه، ويضيف أن "العالم" أصدر كثيرا من القرارات المؤيدة للقضية الفلسطينية إلا أن إسرائيل تجاهلتها جميعها.

وتبنت هاتان الهيئتان هذين القرارين، في شهر تموز الماضي، ولكن إسرائيل قررت عدم احترام الإرادة الدولية، وأعلنت عزمها مواصلة بناء الجدار.

صبري يرى أن إنشاء الجدار ادخل القرية في مصير مجهول، و بات يخشى أن يأتي يوم يهجرها سكانها ويتركوها فارغة لتنهبها المستوطنات اليهودية القريبة.